; الفكر الإسلامي ومحاولات الاحتواء | مجلة المجتمع

العنوان الفكر الإسلامي ومحاولات الاحتواء

الكاتب انور الجندى

تاريخ النشر الثلاثاء 08-يناير-1985

مشاهدات 60

نشر في العدد 699

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 08-يناير-1985

إن أخطر ما يحدث لنا الآن أننا نردد المفاهيم التي أرادوا لنا ترديدها، فالذين يتكلمون عن «العصر» الذي نعيشه يجب أن يتعلموا: أن العصر هو أنا، أنا الذي أوجد عصري، وأوروبا ليست هي العصر الذهبي الذي يجب أن أركع أمامه، بل إن الموقف الأهم هو كيف أكون شيئًا صحيحًا وليس شيئًا تابعًا، على مستوى العالم، بل إن كل أمة متحيزة لها قضية تشغلها الأوروبيون قضيتهم الأمة المسيحية بينما قضيتي أنا هي العالم العربي الإسلامي، ولا يعني ذلك العزوف عن مبتكرات العلم والتكنولوجيا أو التخلي عن الطب أو الكيمياء لا بل أعرفها باستقلاليتي أنا لا غيرها بقدر إمكانياتي سواء أخطأت أم أصبت، عصريتهم هم لا تنطبق علي أنا، ويجب أن نتذكر جيدًا أن الحضارة الإسلامية كانت هي الحضارة المنتصرة والمهيمنة؛ لأنه كان لديها ما يضارع ما لدى الأمم الأخرى فأخذت ما أرادت وبمحض إرادتها الواعية وليس تحت رغم العصرية وتكاملت معه على قدر زمانها، أما ما أخذته أوروبا في العصور الوسطى، فقد أخذوه للاستفادة منه، ولم يأخذوا معه العقائد والتقاليد أو اللغة أو حتى المنهج، كما يطالب للأسف بعض مثقفينا.

إن موقفي هو أن مثقفينا مقلدون للغرب ولهذا لم أتردد في القول بأنهم يسيرون في الطريق الخطأ، فمثقفونا مقلدون وليسوا مبتكرين فهم يقلدون نفس مصطلحاته، نفس الرؤي التي ينادي بها، إن موقفي من أي كاتب هو في حجم رؤيته لقضايانا الكلية، وموقفه من المخاطر التي تتهددنا، ليس بيني وبينهم خلاف شخصي، ولكن ذلك لا يمنعني من الدعوة إلى إعادة تقييم كل هؤلاء الذين نعتبرهم أعلامنا الفكرية ونعيد النظر لتاريخنا ولكن المخاوف التي يرددها البعض، ليس هناك أمم تعيش على بضعة أفراد في مرحلة معينة، إن ما يجهله البعض أننا نملك إعلام ستة عشر قرنًا ونملك الوثيقة الإلهية الكبرى وهي القرآن الكريم فلا يمكن أن ننسى ذلك كله.

إذن فالدعوة إلى تقييم كتابات جيل الرواد والقمم الشوامخ ليس جريمة محرمة بل إنها طبيعة الأشياء، على الأجيال أن تقيم ميراثها القريب وأن تعرضه على مفهوم الإسلام الأصيل لترى هل كان موافقًا له أم معارضًا، لقد علت سحابة التغريب والغزو الثقافي حتى حجبت الرؤيا الصحيحة سنوات طويلة، حتى ظن أن كل ما يقدمه هؤلاء الذين لمعوا عن طريق النفوذ الغربي هو الحق والحقيقة وأنه هو القول الفصل في الأمور كلها، ولكن سرعان ما تبين أن هؤلاء لم يكونوا إلا قناطر للفكر الغربي إلى ساحة الفكر الإسلامي وأن أمانتهم لأمتهم وللقيم الأصيلة كانت ضعيفة واهية، وأنهم خدعوا أساسا بابتهارهم بالحضارة الغربية ثم كانت رسالتهم أن يخدعونا وأن يقدموا لنا النصح بأن طريق الغرب هو الطريق الصحيح وأن علينا أن نتجاوز ذلك القديم، الذي وصفوه بالجمود وبالبلي لنأخذ «جديد» الغرب لنصبح مثله ولننهض به، ولم تكن النصيحة صادقة، أو مخلصة، هكذا اعتقدوا أو خيل لهم، أو كان منهم المكرة الخادعون، ولكن هذه الخمائر كلها التي طروحها تنكشف اليوم في ضوء شمس الإسلام الساطعة بأن كثيرًا منها كان زائفًا وفاسدًا، وليس هذا الذي يحدث اليوم من إعادة تقييم هذه المرحلة التي أطلق عليها «جيل الرواد والقمم الشوامخ» والتي امتدت منذ جاء لورد كرومر إلى مصر وأنشأ مدرسته: مدرسة المتفرنجين الذين يحكمون مصر بعقل الغرب والذي يؤمنون بالحضارة الغربية وينتقصون الأزهر والإسلام واللغة العربية ويذهبون وراء الليبرالية وحرية الفكر ومذهب الغرب في السياسة والاجتماع، هؤلاء الذين كون عقولهم قانون نابليون الذي ورث الشريعة الإسلامية التي حجبت وحجبت معها التربية الإسلامية والاقتصاد الإسلامي والمجتمع الإسلامي القائم على التوحيد والخلق والعدل الإلهي، فماذا يندهش العلمانيون والتغريبيون اليوم حين يرون أن حركة اليقظة الإسلامية تقوم منذ فجرها على نقض هذا الأسلوب الوافد في جوانبه المعارضة للصراط الإسلامي المستقيم إيماناً بأن هذا الركام كله الذي اختلط فيه الخير والشر، إنما يهدف إلى إزالة التميز الماضي والذاتية الإسلامية ويرمي إلى الاحتواء والحصار والانصهار في بوتقة الأمم والتغريب وإخراج المسلمين من طابعهم الرباني الخاص ومقتهم حياتهم وأسلوب عيشهم وليعلم التغريبيون والعلمانيون الذين يدهشون من حركة إعادة التقييم لهذه المرحلة، أن المسلمين على مدى تاريخهم كان عليهم أن يخوضوا هذه المعركة مرة بعد أخرى، للمحافظة على كيانهم ووجودهم، وأنهم لن يكونوا قادرين على مواجهة الاحتواء الغربي الذي يحاصرهم الآن إلا بفهم هذه الحقيقة والتحرر من هذا الأسر، ومما ساعد على ذلك أنه ظهرت في السنوات الأخيرة حقائق كثيرة وانكشفت مغالطات كثيرة وانفتحت مسائل ظلت مغلقة بالضباب زمنًا وتحطمت مسلمات كاذبة ظل النفوذ الأجنبي يخدع بها المسلمين أعوامًا ومع الأسف فإن أجيالًا كثيرة قد نشأت على هذه الأخطاء بل إن جيلنا نحن نفسه قد خدع ثمة قبل أن ينكشف أمامه الفجر الصادق.

ومن ثم فإن «العودة إلى المنابع» هي صلب دعوة مدرسة الأصالة منذ أحمد بن حنبل حتى صاغها ابن تيمية وابن القيم في منهج أصيل، هذا المنهج لم يتوقف عن أن يحمله المجاهدون الأبرار جيلًا بعد جيل فلم يخل منه جيل.

ويجب أن يعلم العلمانيون والتغريبيون العرب والمسلمون أن هناك مقاييس أصيلة قد أقامها الفكر الإسلامي في النظر إلى أمور الثقافة والبحث العلمي والتاريخ يختلف اختلافا واضحًا عن تلك المفاهيم المستقاة من الفكر الغربي الوثني المادي وريث الفلسفة اليونانية والقانون الروماني والمسيحية الغربية، هذه المفاهيم الإسلامية مستقاة من الفطرة الأصيلة ومن القيم الأساسية التي قدمها القرآن وعرفتها أمتنا منذ أربعة عشر قرنًا بينما مفاهيمهم الوافدة لم تعش أكثر من مائة عام.

وليعلم التغريبيون والعلمانيون أن محاولتهم لبناء منهج فكري تابع تحت اسم الخلط بين قديم الإسلام وجديد الغرب مرفوض تمامًا لأنه منهج زائف لا يرمي إلا إلى سيطرة الفكرة الغربية وهزيمة الفكرة الإسلامية، وهو تكرار لمحاولات الغاشين السابقين طه حسين وسلامة موسى وعلي عبد الرازق، وهو ليس أصيلًا ولا مستمدًا من تراث هذه الأمة أو ميراثها، إنها محاولة لتبرير الواقع ولخداع المستيقظين، وتغيير الثعبان لجلده، لطرح مفاهيم مسمومة ترمي إلى الانخذال عن مفهوم الإسلام الأصيل في مواجهة الأعداء.

وليعلموا أننا أمة واعية فطنة غير خادعة ولا مخدوعة، تفتح الأبواب لكل فكر «لتستفيد منه ونعي تجارب الأمم» وأمامنا تجارب الغرب كلها التي طبقها في بلادنا وقد تكشف فسادها وتبين فشلها، تجارب الماركسية والقومية، والعلمانية، والإقليمية، والعالمية، والإنسانية «الهومنيزم» وإحياء الحضارات القديمة الفرعونية والفينيقية وكل هذا هزم وتحطم كذلك فإن فرض مجموعة من الطواغيت تحت اسم القمم الشوامخ، وهي بطولات وهمية أمثال طه حسين وغيره فقد أسقطت تمامًا فإن مقاييسنا في ميزان الإسلام للبطولات والقمم تختلف.

لقد سقطت كل المسلمات الباطلة التي جاهد التغريبيون في طرحها في أفق الإسلام وعاشوا حياتهم يبثونها ويرددونها ويخدعون الناس بها، فقد تكشف باطلهم وزيفهم وعرف المسلمون أنهم كانوا مضللين وأن هؤلاء القادة الرواد الشوامخ كانوا غاشين لأمتهم خادعين لها لا يقولون لها الحق ولا يدلونها على الخير.

كذلك فإن اليقظة الإسلامية اليوم أصبحت قادرة على مواجهة هذا الزيف، وقد رأى توفيق الحكيم وزكي نجيب محمود ولويس عوض ومصطفى مرعي، وغيرهم كيف واجههم الباحثون الحجة بالحجة في أدب الإسلام الجم، إنهم يعيشون اليوم مرحلة الهزائم وتنكيس الفكر الوافد لإعلامه، فقد تبينوا أن هناك فارقًا عميقًا بين الشورى الإسلامية والديمقراطية وبين العدل الاجتماعي وبين الاشتراكية، إنهم يحسون بالهزيمة عندما يرون سقوط الكثير من مفاهيمهم الضالة، عن فرويد وماركس وسارتر ودوركايم، وزعيمهم دارون، كذلك فهم يعرفون اليوم هزيمتهم عندما يسمعون صيحة عودة المشرق إلى البيت وفشل دعوتهم بانفصال الدين عن الدولة وفصل العروبة عن الإسلام، وفساد دعوة العقلانية المستعلاة بالمعتزلة، لقد كان لكل منهم مهمة إحسان عبد القدوس للجنس، وزكي نجيب محمود للمادية، وأنيس منصور للوجودية وإدريس للماركسية وتوفيق الحكيم للفكر التلمودي وصلاح جاهين للعامية، وبهاء وكامل زهدي للتموجات الخادعة ولويس عوض للفرعونية الإنسانية والشرقاوي لتزييف تاريخ الإسلام، إنهم يحاولون إعادة فكرة القومية والعلمانية بعد سقوطهما سقوطًا نهائيًا، وهناك دعاة التصوف الفلسفي، وإحياء الفرق الباطنية، إنهم يغرقون اليوم عندما يرون خطة العودة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، إنهم يدعون إلى تنحية الإسلام عن الحياة الاجتماعية للمسلمين وحصره في مجموعة من الشعائر والطقوس، وحصار القرآن الكريم والفصحى وأمهات التراث، إنهم يدعوننا إلى الانصهار في الحضارة العالمية والأممية وهي في مرحلة الهزيمة والسقوط وينكرون الهوية الخاصة والتمييز الذاتي، ويعملون على تحطيم قاعدتين أساسيتين في الفكر الإسلامي وهما الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

إنني أرجو من المثقفين المسلمين ألا يخلطوا الأوراق ولا يذهبوا في الحكم على الأسماء اللامعة مذهبًا واحدًا؛ لأنهم شوامخ أو بارزين أو مشهورين فيضعون جمال الدين ومحمد عبده مثلًا في صف طه حسين وسلامة موسى، فهذا أمر يجب الحيطة فيه والحذر منه.

إذا كانت هناك دراسات جادة مخلصة تكشف عن انحراف بعض الأسماء اللامعة أمثال طه حسين وسلامة موسى، وعلي عبد الرازق وتوفيق الحكيم وزكي نجيب محمود، فإنه من قصر النظر تقبل ما يكتب عن جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده والسلطان عبد الحميد على أنه داخل في دائرة واحدة، هذه هي مؤامرة تريد خلط الأوراق التي يعمل التغريب على وضعها للتضليل.

كذلك فإن الأمر يختلف بين كاتب له أخطاء وتجاوزات في بعض نظرياته وآرائه سواء في التاريخ، أو الأدب، أو الفكر، أو الثقافة ويبن كتاب أعدوا إعدادًا تامًا ليكونوا أداة من أدوات التغريب والغزو الثقافي.

ونحن في هذا المجال لا نجد وجهًا للمقارنة مثلًا بين طه حسين والعقاد «وهم يحرصون على أن يضعوا الاسمين معًا» في إطار واحد، هناك فارق كبير بين الكاتبين وبين أهدافهما وبين حساب كل منهما، وهل حظي العقاد في هذه الفترة الأخيرة مثل ما حظي به طه حسين، هل أقيمت له المهرجانات واستقدم له المستشرقون ليتحدثوا عنه وليطوفوا البلاد العربية يلقون المحاضرات في الدفاع عنه.

وإننا قد نأخذ على بعض كتابنا أخطاء أو تجاوزات، ولكن ذلك لا يجعلنا نرفضهم في دائرة المخاصمة، ولكن كتابًا آخرين قد تعترض تمامًا على الخط الذي رسموه وساروا به من أجل تحويل هدف الأمة عن قيمها وعقيدتها، إذن فليس هناك حكم واحد، ولكن هناك تقدير منضبط لا يظلم ولا ينتقص الناس أقدارهم.

أقول هذا للذين كتبوا بحسن نية أو بسوء نية يخلطون بين جمال الدين الأفغاني وطه حسين أو بين سلامة موسى والعقاد، إن البعض يريد أن يخلط الأوراق ليدعي أن الحملة على التغريبيين ظالمة، ولكن الواقع أن كتاب اليقظة يفرقون يبن أخطاء الدكتور محمد حسين هيكل اليسيرة في السيرة أو تجاوزات العقاد في مفهومه للعبقرية وبين تلك الوجهة الكاسحة من التغريب التي يقودها طه حسين وسلامة موسى وعلي عبد الرازق وتوفيق الحكيم ولويس عوض وزكي نجيب محمود.

أما الذين لا يريدون أن يصدقوا أخطاء لطفي السيد وسعد زغلول وطه حسين فهم أولئك الذين يخدعون أنفسهم بالجري وراء وهم القداسة الكاذبة للشخصيات البشرية التي تخطئ وتصيب، وأنهم لا يقبلون أن يفهموا حقائق التاريخ التي ظلت خافية عليهم زمنًا طويلًا.

الرابط المختصر :