; الفكر القومي العربي والدور التاريخي في تفكيك بناء الأمة | مجلة المجتمع

العنوان الفكر القومي العربي والدور التاريخي في تفكيك بناء الأمة

الكاتب غازي التوبة

تاريخ النشر الثلاثاء 16-سبتمبر-1997

مشاهدات 130

نشر في العدد 1267

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 16-سبتمبر-1997

يقترح بعض الدارسين التاريخ العثماني مجالًا للبحث، ويقترح بعضهم الآخر الانطلاق من مصر في عهد محمد علي باشا وجعلها نموذجًا للمقارنة مع اليابان، ويوجه بعض الدارسين بحثه إلى الجانب الديني من حياتنا الاجتماعية ويحمل الموروثات الدينية المسؤولية، ولكن الأصوب والأجدى- في تقديري- هو البحث في الفكر القومي العربي الذي قاد مشروع النهضة خلال القرن الماضي، فهو الذي ساد العراق والحجاز وبلاد الشام بعد الحرب العالمية الأولى، وحكم مصر بعد وصول جمال عبد الناصر إلى قيادتها عام ١٩٥٢م وأبعد الفكر القومي الفرعوني الذي سيطر عليها إثر ثورة ۱۹۱۹م التي قادها سعد زغلول ثم نشر عبد الناصر بعد ذلك الفكر القومي العربي في كل العالم العربي، وقاد رجالات الفكر القومي العربي الدول العربية وتبوأ مفكرو الفكر القومي العربي عرش التنظير لها- وتحكمت نظريات الفكر القومي العربي في تربية الأجيال العربية، وسيطرت شعارات الفكر القومي العربي على أجهزة الإعلام العربية من صحف وإذاعات ومنتديات وملأ الفكر القومي العربي العقول والقلوب بمعطياته، ووجه الفكر القومي العربي الفنون والآداب حسب مقولاته... إلخ..

فما الذي استهدفه الفكر القومي العربي الذي ساد المنطقة خلال القرن الماضي وقادها؟ وما وسائله لتحقيق أهدافه وما مدى نجاحه في تحقيق تلك الأهداف؟

استهدف الفكر القومي العربي تكوين أمة عربية ذات حضارة مستقلة متميزة وكانت أداته في ذلك الفكرة القومية التي اتفقت دراساتها على أن هناك نوعين من العوامل يتداخلان في تشكيل الأمة هما:

العوامل الموضوعية: وهي اللغة والتاريخ والجنس الواحد والإقليم الواحد، والمصالح المشتركة والأمال الواحدة، والعادات والتقاليد الواحدة، والثقافة الواحدة إلخ...

العوامل الذاتية: وهي وعي الأفراد بأن لهم شخصية متميزة ومنفصلة تدفعهم إلى التعبير عن هذه الشخصية المتميزة » ساطع الحصري، ما هي القومية؟ ص ٢٥١«.

عندما بدأ الفكر القومي نشاطه في نهاية القرن التاسع عشر اصطدم بأن هناك أمة إسلامية قائمة وكان الجنس العربي لا يعاني أي مشكلة فيها، بل هو أحد أطرافها الرئيسيين، لذلك يلحظ الدارس لتاريخية الفكر القومي العربي اختلافًا كبيرًا بين أهداف الفكر القومي المطروح في نهاية القرن التاسع عشر وبين أهداف الفكر القومي بعد الحرب العالمية الأولى والثانية، فلم يكن تشكيل أمة مستقلة ومنفصلة عن الأمة الإسلامية واضحًا في تلك المرحلة، بل أقصى ما كان يطالب به الفكر القومي هو إصلاحات متنوعة ضمن الخلافة العثمانية، ويدل على ذلك أن المؤتمر العربي المعقود في باريس من ۱۸ - ۲۳ يونيو ۱۹۱۳م تناول مسألتين هما: أولاً: حقوق العرب في الإمبراطورية، وثانيًا: الإصلاح الإداري على أساس اللامركزية » المؤتمر العربي الأول المنعقد في قاعة الجمعية الجغرافية في شارع سان جرمان ص ۱۰«.

استهدف الفكر القومي العربي بعد سقوط الخلافة العثمانية تكوين أمة عربية، لكنه وجد أن كل العناصر الموضوعية التي يريد أن يصوغ منها الأمة العربية مرتبطة بالإسلام ارتباطًا وثيقًا، وتدور حوله وتتغذى منه، فلو أخذنا التاريخ لوجدناه مرتبطًا بمعارك الإسلام مع أعدائه، وبانتصار المسلمين وهزيمتهم، وبقوة دولة المسلمين وضعفها، ولو أخذنا اللغة العربية لوجدناها أصبحت لغة الأمة الإسلامية والثقافة الإسلامية والحضارة الإسلامية، وأصبحت مرتبطة بالقرآن الكريم، فالجهود التي بذلت في وضع قواعد النحو، وفي تنقيط الحروف العربية وتشكيلها، وفي وضع أصول معاجم اللغة استهدفت خدمة آيات القرآن الكريم من أن يدخلها التحريف واللحن، ومن أجل أن تفهم على الوجه الصحيح، وقد كان معظم الذين قاموا بتلك الجهود والابتكارات من غير العرب- ولو نظرنا إلى عامل الثقافة لوجدناه منوطًا بموازين الإسلام وتوجيهاته وقيمه، ولو دققنا في العادات والتقاليد لوجدناها منبثقة من تعليمات القرآن الكريم وسنة الرسول صلى الله علية وسلم ومن أوامر الإسلام ونواهيه ومن الحلال والحرام اللذين أقرهما الشرع، ولو تفحصنا الفنون لوجدناها مرتبطة بقيم الجمال الإسلامية، ولو دققنا في الأمال المشتركة لوجدناها مرتبطة بحب الإسلام وبالرغبة في صموده وإنتصاره وبموالاة المسلمين ومعاداة الكافرين إلخ.

لقد اتضح لنا من العرض السابق أن الفكر القومي فشل في تشكيل أمة عربية، لأن الساحة لم تكن خالية، بل هناك أمة إسلامية عريقة متجذرة يعود تاريخها إلى أكثر من ألف عام، صحيح أن الأمة الإسلامية فقدت قيادتها السياسية بسقوط الخلافة لكن بقيت جماهير المسلمين مؤمنة بالإسلام.

وقد شغل الفكر القومي العربي المنطقة خلال القرن الماضي بنقل الحضارة الغربية، وهذا أمر طبيعي لأنه لم يكن يملك أي نموذج تاريخي خاص به في كل مرحلة، فنقل النموذج الديمقراطي الرأسمالي قبل الستينيات، ثم نقل النموذج الاشتراكي بعد الستينيات، فعرف مجتمعنا قبل

الستينيات الاقتصاد الرأسمالي، وتشكيل الأحزاب والبرلمانات المنتخبة، وبروز المبادرة الفردية في بناء الاقتصاد، وانتشار الاقتصاد الإستهلاكي، وبروز المذهب الوضعي.. إلخ، ثم عرف مجتمعنا بعد الستينيات النظام الاشتراكي والديمقراطية الموجهة ومقولات صراع الطبقات، وسيطرة طبقة العمال والفلاحين وواقعية الأدب، وبروز النزاعات المادية في تفسير التاريخ.. إلخ.

وقد أدى قيام الفكر القومي العربي إلى نقل النموذج الغربي بشقيه على مدار القرن الماضي إلى تصدي القيادات الإسلامية له، ووقوع معارك فكرية عنيفة بين الطرفين ودعا الفكر القومي العربي في تلك المعارك إلى إبعاد الدين عن شؤون الحكم والاقتصاد والسياسة، كما دعا إلى إحلال الرابطة القومية محل الرابطة الدينية، ودعا إلى إبعاد الدين عن نطاق حياتنا المدنية، ودعا إلى تحرير المرأة وسفورها ... إلخ.

ولم يقف الأمر عند الصراع الفكري، بل تعداه إلى تضييق القيادات القومية على العلماء والمتدينين حينًا، وإدخالهم السجون والمعتقلات والبطش بهم حينًا آخر.

وقد ترتبت عدة نتائج على نقل النموذجين الديمقراطي الرأسمالي والاشتراكي الشيوعي، منها:

 ۱ - ضياع قسم من أبناء الأمة لعدم التحاقهم بالتغريب من جهة ولعدم استطاعتهم القيام بواجبات الانتماء إلى أمتهم الإسلامية من جهة ثانية.

2- استغراب قسم من أبناء الأمة وانسلاخهم الكامل عن أمتهم واتباعهم النموذج الغربي في العادات والسلوك والثقافة.

3- النجاح في تفكيك جانب من كيان الأمة الإسلامية، وترسيخ القطرية، وبروز الولاءات الإقليمية، مما يهدد بفلتان الجانب المدني في حياتنا الاجتماعية، ويهدد وجودنا أخطر تهديد، لذلك نرى انهزاماتنا تتوالى أمام أعدائنا اليهود، ويترسخ السقوط وينتفي النهوض.

والسؤال الآن: على ضوء التحليل السابق الذي وضح لنا عدم استطاعة الفكر القومي تكوين أمة عربية تكون قاعدة للنهوض، وعلى العكس من ذلك أصبح عمله الأساسي منصبًا على التصادم مع الأمة الإسلامية وتفكيك عناصر بنائها، فما أول واجباتنا من أجل النهوض؟

أول الواجبات إيقاف عبث الفكر القومي العربي بالأمة الإسلامية، والحفاظ على ما تبقى من كيانها وعناصر وجودها والدفاع عنه في وجه الاقتلاع الحضاري الذي تمارسه الحضارة الغربية، وتدعيم حقائق الدين الإسلامي في عقول المسلمين وقلوبهم، والمنافحة عنها بدفع الأباطيل التي يروجها المستغربون، وتهيئة المناخات الصحية للسلوك الإسلامي، وإحياء مشاريع الأوقاف الإسلامية وتوسيعها من أجل تدعيم الجانب المدني والإجتماعي والعلمي في حياة المسلمين..

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل