العنوان الفكرة الباكستانية انطلقت من التصور الإسلامي، لكن «الدولة الباكستانية»
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 06-نوفمبر-1973
مشاهدات 1
نشر في العدد 174
نشر في الصفحة 15
الثلاثاء 06-نوفمبر-1973
الفكرة الباكستانية انطلقت من التصور الإسلامي، لكن «الدولة الباكستانية»
لم تقم عليه..
فبحث الجيل الجديد عن قوميته في اللغة والإقليمية
الحرية والرفاهية فجاءهم بالاحتلال الهندي والغلاء!!
رفع البنغاليون شعارات الإصلاح الإقليمي
فاضطهد العسكر شعاراتهم باسم الباكستان
لكنها ليست حركة إسلامية، وطرح في خطبته نظرية العمل الإسلامي الصحيح وهو أن ننشر الإسلام أولًا حتى إذا ما انتصر الدين الإسلامي في أعماق الجماهير فإن هؤلاء المسلمين سيقيمون الإسلام في الهند كجزء من عقيدتهم.
وبما أن هذه الحركة لم تتبلور كحركة إسلامية فإن غالبية قادتها بعد قيام باكستان تنكروا لقضية الإسلام، وأصبحوا مجرد منافقين.
لقد قامت باكستان على تصور إسلامي، ولكن بعد تأسيسها لم يتجذر هذا التصور وبالتالي لم يترسخ في أعماق الجيل الجديد، لذلك حينما بحث هذا الجيل عن قوميته وجدت الإقليمية واللغة طريقها إلى تفكيره.
لقد تحققت فكرة باكستان من خلال أسلوب ديموقراطي، ولكن هذه الديموقراطية لم تتحقق في دولة باكستان لقد أجل تنفيذ الدستور، ولم تجر الانتخابات، وبعد كفاح شاق أنجز الدستور عام ١٩٥٦ وكان من المفروض أن تجري الانتخابات على ضوئه في فبراير عام ١٩٥٩، وساعتها قام القائد العام أيوب خان بالاستيلاء على السلطة بأسلوب غير ديموقراطي وحكم البلاد لمدة 10 سنوات.
وبما أن الأغلبية السكانية توجد في شرق باكستان فقد شعر الناس هناك أن الباكستانيين الغربيين وبعض قياداتهم قد اغتصبوا نصيبهم السياسي والاقتصادي.
هذا الشعور بين مسلمي البنغال، أستغل بنجاح من جانب العلمانيين كرابطة عوامي. وبما أنهم دائمًا يتحدثون باسم باكستان الشرقية وحقوق شعبها، وكان أيوب خان يضطهد شعاراتهم باسم باكستان ووحدة باكستان، فقد بدأ الناس هناك يحسون بأنه ما لم يأت قائد بنغالي لقيادة شرق باكستان فإن أي زعيم آخر لا يمكن أن يتفهم مشاكلهم أو ينصفهم.
لذلك في انتخابات ۱۹۷۰صوت الناس في جميع الدوائر الانتخابية للشيخ مجيب وحزبه وبالتالي تحولت القوة السياسية للبنغاليين الشرقيين. ونسبة لضعف حكومة يحيى خان وعدم وجود إدارة في شرق البنغال في هذه الفترة، فقد جرت الانتخابات في جو من الإرهاب خلقه الشيخ مجيب وأتباعه، لكن مع ذلك فقد كان صحيحًا أن الأغلبية ساندته، وهذا التأييد لم يكن للانفصال وإنما كان من أجل الإصلاح السياسي والاقتصادي، وفي كل أحاديثه وتصريحاته حرص الشيخ مجيب أن يؤكد أنه ليس ضد الإسلام ولا يدعو لأي شكل من أشكال الانفصال.
بعد الانتخابات حدث الآتي: أراد يحيى خان أن يعدل شيخ مجیب نقاطه الست ويقتسم الحكم مع السيد بوتو.
في نفس الوقت كان السيد بوتو يقود حركة في غرب باكستان ضد نقاط مجيـب الستة -وبما أن شعب البنغال صوت لصالح نقاط مجيب الست فقد كان لموقف بوتو وتأخير عقد الجمعية الوطنية رد فعل في نفوسهم خلق نوعًا من الشكوك والريب في جدية يحيى خان واستعداده لتسليم السلطة. وحينما طلب بوتو عقد اجتماع الجمعية في الموعد المحدد، أجل يحيى خان الاجتماع إلى أجل غير مسمى ودون أن يستشير أحزاب الأغلبية وبالذات حزب الشيخ مجيب. وكانت عملية التأجيل تثير سخطًا متزايدًا في باكستان الشرقية، وكانت تجمعات العمال والطلبة قد هيأت الناس إلى الاعتقاد بضرورة استيلاء الشيخ مجيب للسلطة فورًا.
وكانت الأمور تسير في خط متواز مع اتجاهات السلطة الموجودة وبالتالي أصبحت هذه السلطة مشلولة تمامًا.
كان العيب الكبير في شيخ مجيب هو مقدرته على استثارة الجماهير دون القدرة على السيطرة عليها، وسرعان ما خرجت الأمور من يده، وكان الجيش في باكستان الشرقية عاجز عن متابعة الوضع. ثم سافر يحيى خان إلى داكا في محاولة للوصول إلى تسوية مع الشيخ مجيب، لكن في ذلك الوقت كان حوالي ۱۰,۰۰۰جندي بنغالي وعدد مماثل من الشرطة المسلحين في حالة تمرد، ولو نجحت محادثات يحيى ومجيب لكنا تفادينا هذه المأساة. والسؤال هو من المسؤول عن إخفاق هذه المحادثات؟
الحقائق تشير بأن هناك سببين لهذا الفشل، الذي كانت حركة الجيش نتاجًا طبيعيًا له:
1- مولانا باشافي زعيم حزب عوامي الوطني اليساري وزعيم يساري آخر ورئيس حزب الرابطة الوطنية، هؤلاء الزعماء الثلاثة وأحزابهم رفعوا شعار الانفصال وكان لهم مؤيدون بين الطلبة والعمال يشكلون مجموعات شبه عسكرية. وكانوا بالإضافة لرابطة الطلبة التابعة لرابطة عوامي يحرضون الشعب ضد باكستان ويطالبون بالانفصال أثناء سير المحادثات ويخلقون وضعًا جعل الشيخ مجيب مضطرًا لأن يضع شروطًا صعبة أمام يحيى لا يمكن قبولها.
٢- كان مستشارو يحيى في هذه المحادثات هم زعماء الأحزاب الغربية الذين دخلوا البرلمان وكان غريبًا ألا يكون من بينهم أعضاء الجماعة الإسلامية الذين لم يدعوا لهذه المحادثات. قبل أن يعلن يحيى خان عن فشل المحادثات بسبب رفض القادة السياسيين لنقاط شيخ مجیب، كان قد أمر الجيش بالتحرك في ٢٦ مارس. كانت حركة الجيش هي المجهود الوحيد وقد حاول يحيى خان بها أن يسند حكومته هناك بالقوة.
لقد استغرقت حركة الجيش شهرًا كاملًا… وخلال هذا الشهر كانت هنالك مذابح بشعة. وكان الجيش كلما وصل إلى مكان وجد جثث البيهاريين والبنغاليين المؤيدين للوحدة.
مات خلال هذه الفترة ۲۰۰,۰۰۰ في مختلف الأماكن وكرد فعل كان الجيش يقوم بعمليات انتقامية لم يكن لها داع.
بالطبع بالغت الدعاية الأجنبية في وصف عمليات الجيش كما كان هناك صمت عن المذابح التي تعرض لها البيهاريون من قبل رجال الموكتى باهيني المسلحين.
وكان المتمردون لا يواجهون الجيش، بل يعملون تقتيلًا في المدنيين وخصوصًا البنغاليين، وخلق ذلك نوعًا من رد الفعل العنصري بين جنود الجيش، وبما أن جنود الجيش ينتمون إلى باكستان الغربية فقد خلقت عملياتهم رد فعل مشابه لدى الناس.
هرب زعماء الانفصاليين إلى الهند وشكلوا حكومة منفى في كلكتا حيث ساعدتهم حكومة الهند بلا حدود.
وبدأوا تنظيم الناس ضد الجيش الباكستاني. وبمساعدة الدعاية الخارجية أطلقوا الأكاذيب والمبالغات حول عمليات الجيش وضاعفوها ۱۰۰ مرة بهدف خلق رأي عام معارض وضلعت في المؤامرة الإذاعة البريطانية بالذات.
وقد فشلت حركة الجيش للأسباب الآتية:
١- أجبرت حركة الجيش الهندوس على النزوح، وكان ۸۰ ٪ من النازحين هم من الهندوس. واستغلت أنديرا غاندي ظروف اللاجئين بنجاح على المستوى الدولي.
٢- اعتمد الجيش على القوة وحدها لإخماد التمرد ولم يشرك السياسيين المواليين لباكستان أو يستعن بهم لحفظ النظام. وكان الجيش مستعدًا لذلك لكنه مقيد بسياسة إسلام آباد التي لم تكن تضع في حسابها نفسية الجمهور.
٣- كان الجيش لا يتحرك ضمن استراتيجية حربية ملائمة للظروف وإنما وفقًا لقرارات السياسيين في إسلام آباد. ولما اتجهت حكومة الهند إلى مساندة الموكتى باهيني «جيش التحرير البنغالي» ليستولي على قطعة أرض لإعلان الاستقلال فيها ثم تتدخل الهند بناء على طلب دولة مستقلة، أصدرت حكومة إسلام آباد أمرًا للجيش لمنع الموكتى باهيني من احتلال شبر واحد. وهكذا توزع الجيش على جميع الحدود وتبعثرت قواته مما جعل العاصمة والمواقع الرئيسية مكشوفة أمام الغزو الهندي حيث أنزلت الهند مظلييها خلف الحدود ولم يكن في وسع داكا أن تصمد طويلًا.
٤- أعطت حكومة إسلام آباد انطباعًا خاطئًا للجيش بأن الهند لن تتدخل مباشرة وأنه لو حدث ذلك فإن الصين ستتدخل، ولم يكن ذلك صحيحًا.
ذيول الاحتلال المأساوية
لقد قتل حوالي ۲۰۰,۰۰۰من غير البنغاليين بعد الانفصال، و ۱۰۰,۰۰۰من البنغاليين المسلمين بمن فيهم العلماء والطلبة والعاملون في الحقل الإسلامي ومؤيدو باكستان.
٥٠,٠٠٠من مسلمي البنغال سجنوا- ۱۰۰,۰۰۰اضطروا للاختفاء خوفًا من القتل أو الاعتقال واعتقل ٦٠٠,٠٠٠ من غير البنغاليين في معسكرات اعتقال في أوضاع غير إنسانية مجردين من جميع الخدمات ومن حق العمل ومن الممتلكات بما في ذلك السكن.
دور الجماعة الإسلامية
س- ما هو الدور الإسلامي الوطني الذي اضطلعت به الجماعة الإسلامية كتنظيم، قبل وأثناء وبعد الحرب الانفصالية؟
ج- كانت الجماعة أكثر الأحزاب المساندة لباكستان تنظيمًا- وكانت العدو العقائدي الأول لرابطة عوامي، بل كانت منذ عام ١٩٦٦ وإلى انتخابات ۱۹۷۰ تحارب بضراوة ضد اتجاهات عوامي العلمانية وضد ما يسمى بالقومية البنغالية وبرامج النقاط الست الذي اعتبرته خطوة في طريق الانفصال.
لم تكن الجماعة الإسلامية تنظيمًا جماهيريًا فقط، ولكن هناك تنظيمين طلابيين ومنظمة للعلماء في منتهى القوة، كانوا يعملون معًا للإسلام ونصرة الباكستان أثناء الانتخابات، كانت الجماعة تشغل ٦٥ مقعدًا من مجموع ١٦۲مقعدًا في الجمعية المركزية في شرق باكستان وحصلت على ۱۳۰۰۰۰۰ صوت على الرغم من الأعاصير السياسية التي اكتسحت الإقليم، وكانت الأحزاب السبعة الأخرى قد حصلت مجتمعة على مجموع ۰۰۰ ,۸۰۰ صوت فقط وهكذا فإن الجماعة الإسلامية هي الحزب الثاني بعد رابطة عوامي من حيث القوة السياسية.
بعد الانتخابات كانت الجماعة تضغط بشدة من أجل تسليم السلطة لممثلي الشعب وانتقدت بوتو ويحيى خان لتكتيكاتهما الانتهازية. وكانت الجماعة ترى أن الشيخ مجيب لن يستطيع أن يحقق أحلامه الانفصالية ما دام الناس يرفضون الانفصال وأنه سيواجه الأزمة الاقتصادية بنفسه ويفشل في حلها، حينئذ يفقد شعبيته ويكون في استطاعة الوحدويين استعادة أراضيهم.
أثناء محادثات يحيى- مجيب، ذهبت شخصيًا للتحدث إلى زعماء عوامي كي أقنعهم بالتوصل إلى تسوية سياسية وتجنب استعمال القوة. بالطبع كانت علمانية مجيب وتعصبه العرقي لا يساعدانه على قبول اتحاد جزئي باكستان. وبالتالي إذا قبل أن يكون رئيسًا لوزراء باكستان لتعذر عليه أن يسعى للانفصال.
أنا شخصيًا، كنت واثقًا من أن الشيخ مجيب لا يريد الانفصال الفوري، فقد خطط لذلك تدريجيًا لكن سياسة يحيى خان الخاطئة ساعدت في تحقيق الانفصال بأبشع صوره.
بعد حركة الجيش كانت الجماعة في موقف سياسي حرج. فوض مولانا المودودي أمير الجماعة، قادة الجماعة في باكستان الشرقية باتخاذ الموقف المناسب حسب ما تقتضيه الظروف هناك. بعد مناقشة الموضوع لمدة أسبوع، قررت الجماعة، أن تعمل لأجل الوحدة الباكستانية. كانت هناك ثلاثة اقتراحات:
الأول- أن نؤيد حركة الانفصال ونهاجر للهند للتعاون مع زعماء الحركة، ولم يكن بإمكان الجماعة أن تؤيد القومية البنغالية والعلمانية ما دامت هذه الأفكار تتعارض مع إيمانها. وكان الرأي هو أنه ما دامت هذه الأفكار غير متزنة فقد كان صعبًا تحقيق الإسلام في باكستان فكيف يمكن ذلك في دولة تقوم على أسس معادية للإسلام ويمكن أن نجد الفرصة للدعوة.
الثاني- أن نبقى ساكتين ومحايدين، لكن الجماعة اعتبرت ذلك أمرًا غير ممكن تمامًا في الظروف الوطنية الراهنة. فالحزب المنظم الذي تسانده الملايين لا يمكن أن يبقى محايدًا في مثل تلك الظروف، فالجيش سيعتبرنا مؤيدين للانفصال والموكتى باهيني سيعتبروننا جواسيس لباكستان وسنقتل من الجانبين بدون أي ثواب من الله.
لم يكن أمامنا سوى خيار واحد: أن نساند قضية باكستان، فقد وجدنا أن الهند هي التي تقف وراء الانفصال.
لسوء الحظ فإن الحكومة العسكرية- لأسباب- لم تتقبل مقترحاتنا التي كان يمكن لو قبلت أن تحافظ على الوحدة، لقد تقبلت مساعدتنا وخدماتنا، ولكن السياسة لم تعدل حسب ما رأينا. كان موقف الجماعة هو أننا إذا وفقنا في حماية باكستان فإن الإسلام سيخرج منتصرًا، وإذا فشلنا فسنكون شهداء في سبيل الإسلام.
كان الناس يعرفون أن متطوعي الجماعة لم يتورطوا في الجرائم التي وقعت، بل كانوا يدعون الله ويطلبون عونه. وفي كثير من الأحيان حاولوا منع البوليس والجيش من ارتكاب الجرائم.
سوف يذكر الناس تضحيات الجماعة وخدماتها. لقد قتل ۱۰۰٫۰۰۰ من أعضائها ومؤيديها ويوجد في السجون ۷,۰۰۰ عضو وحوالي 30,۰۰۰ شردوا من منازلهم وبلدانهم. وقد كان أعضاء الجماعة هدف الموكتى باهيني بعد استسلام الجيش، وكانت الضربة قوية فعلًا لكن بعد تكشف نتائج الانفصال، ووضوح الاستعمار الهندي، استعادوا تنظيمهم. الذين في السجن معنوياتهم عالية خصوصًا حينما يجدون أن الناس يتألمون ويشكون من نتائج الانفصال أنهم لا يربون أنفسهم ويعبدون الله فحسب، بل يحرصون على إذكاء الروح الإسلامي بين المعتقلين الآخرين ونشر الوعي الديني بينهم، ويقيمون دروسًا منتظمة في القرآن والحديث.
في الوقت الحاضر هنالك فراغ في القيادة الإسلامية فإن معظم القادة في السجون والبعض الآخر هاجر لبلاد أخرى والبعض الآخر قتل، ومع ذلك فإن الروح الجهادي من أجل بعث الإسلام يشتعل في صدور أعضاء الجماعة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل