; الفساد والفضائح تهز أركان الحكم في روسيا | مجلة المجتمع

العنوان الفساد والفضائح تهز أركان الحكم في روسيا

الكاتب د. حمدي عبد الحافظ

تاريخ النشر الثلاثاء 22-أكتوبر-1996

مشاهدات 66

نشر في العدد 1222

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 22-أكتوبر-1996

  • الخطر الأكبر يكمن في غياب توزيع السلطات بعدما خص يلتسين نفسه بما يفوق صلاحيات القياصرة بمرتين والرؤساء الأمريكيين بأربع مرات

انفجرت في موسكو حلقة جديدة من سلسلة الفضائح الروسية، لجأت الأطراف المعنية فيها إلى استخدام أكثر الأسلحة رواجًا، والمتمثلة في الاتهام بالتعاون مع عصابات المافيا والعناصر الإجرامية، وممارسة الابتزاز، واختلاس الأموال العامة. 

وكان النائب الأسبق للرئيس الروسي الجنرال ألكسندر روتسكوي قد فجر في منتصف عام ١٩٩٣م قنبلة سياسية، تمثلت في تهديده بالكشف عن المتورطين في الفساد والابتزاز من كبار المسؤولين الروس، وأشار إلى وجود أكثر من ١٤ حقيبة مملوءة بالوثائق التي تدين هؤلاء المسؤولين، وتؤكد تورطهم في أعمال منافية للقانون ولواجباتهم الوظيفية.

وقد تفجرت حلقة الفضائح الجديدة داخل الكرملين على إثر المناقشات البرلمانية التي جرت مؤخرًا حول التسوية الشيشانية، واتفاقية «خسافيورت» التي وقعها الجنرال ليبيد مع قائد قوات المقاومة الشيشانية الجنرال مسخادوف. 

وأثناء جلسة الاستماع الخاصة بالشيشان، وجه وزير الداخلية الروسي أناتولي كوليكوف اتهامات شديدة إلى الجنرال ليبيد، واتهم كبار المسؤولين في مجلس الأمن القومي بالتورط في قضايا الفساد، والحصول على «رشاوي» مقابل تسهيل وتمرير اتفاق التسوية مع المقاتلين الشيشان الذين وصفهم بأنهم مجموعة من قطاع الطرق والمجرمين.

وفي اليوم التالي لاتهام وزير الداخلية الجنرال كوليكوف كبار المسؤولين في مجلس الأمن القومي بالفساد والرشوة مقابل تمرير صفقة «السلام» في القوقاز، سارعت العديد من القنوات التليفزيونية الحكومية والخاصة باستضافة الرئيس الأسبق لصندوق دعم الرياضة بوريس فيدروف ليكيل الاتهامات إلى الجنرال ليبيد والمقربين منه.

وقد أشار بوريس فيدروف في تصريحاته للقناة التليفزيونية الأولى الحكومية، وقناة التليفزيون H.T.B المستقلة، إلى تعرضه للابتزاز على أيدي قائد حرس الكرملين الأسبق الجنرال کار جاكوف واستيلاء الأخير على ٤٠ مليون دولار لدعم الحملة الانتخابية للجنرال ليبيد في الانتخابات الرئاسية الأخيرة.

وفي الوقت الراهن يشارك الجنرال کارجاكوف في المعركة الانتخابية من أجل الفوز بالمقعد البرلماني لدائرة تولا الذي خلا بتنازل الجنرال ليبيد عنه بعد تعيينه في منصب سكرتير مجلس الأمن القومي في يونيو الماضي.

ولم يخف الجنرال ليبيد تأييده ودعمه للجنرال كارجاكوف للفوز بالمقعد البرلماني في مواجهة خصمه اللدود وزير الدفاع الأسبق الجنرال جراتشوف، مما حول الدائرة إلى ساحة للمواجهة العلنية والمكشوفة بين المجموعات المتصارعة داخل الكرملين.

ويربط المراقبون بين الاتهامات التي وجهها الرئيس الأسبق لصندوق دعم الرياضة، وصاحب بنك التسليف الوطني بوريس فيدروف إلى الجنرالين ليبيد وكار جاكوف، وبين محاولات رئيس ديوان الكرملين أناتولي تشوبايتس، ورئيس الحكومة فيكتور تشرنومردين لتلطيخ سمعة مجلس الأمن القومي والعاملين فيه، والتشكيك في شرعية الاتفاقيات الموقعة مع زعماء المقاومة الشيشانية لإحلال السلام في القوقاز.

وقد اشتدت حدة الاتهامات بين كبار المسؤولين في الكرملين بعد إقدام شرطة مكافحة الإجرام المنظم في ۲۱ مايو الماضي على توقيف إحدى السيارات الفارهة؛ لتكتشف بداخلها وجود رئيس صندوق دعم الرياضة بوريس فيدروف وبحوزته كمية كبيرة من مادة «الكوكايين»، ليصدر في اليوم التالي مرسوم من الرئيس الروسي بعزله عن منصبه، وتعيين العقيد فاليري ستريليتسكي بدلًا منه.

 ولم تمر بضعة أيام على إقالته من منصبه حتى تعرض بوريس فيدروف لمحاولة اغتيال انتهت بإصابته إصابة بالغة، واتهم قائد حرس الكرملين– حينذاك– الجنرال كارجاكوف ورئيس المخابرات الداخلية بارساكوف بتدبير المحاولة الفاشلة للتخلص منه.

فضيحة نصف المليون دولار

وبعد ثلاثة أيام على انعقاد الجولة الانتخابية الأولى في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وبالتحديد فجر التاسع من يونيو الماضي، ألقت أجهزة الأمن التي تتولى حماية مبنى الحكومة «البيت الأبيض» القبض على اثنين من كبار المسؤولين عن الحملة الانتخابية للرئيس الروسي وبحوزتهما أكثر من نصف مليون دولار دون  وجود ما يؤكد امتلاكهما لهذه النقود، ولم تمر ساعات قليلة حتى أذاعت المحطات التليفزيونية الروسية نبأ اعتقال المسؤولين عن الحملة الانتخابية للرئيس الروسي، ووصفت الحادث بأنه مؤامرة مدبرة للتشهير بالرئيس، وتبين في وقت لاحق أن الأموال المضبوطة «نصف مليون دولار» كانت مخصصة بالفعل لتغطية نفقات الحفلات الفنية والموسيقية الداعمة لترشيح الرئيس الحالي يلتسين، وفي صباح اليوم ذاته أصدر الرئيس الروسي مرسومه بإعفاء قائد حرس الكرملين الجنرال كارجاكوف، ورئيس المخابرات الداخلية الجنرال بارساكوف، والنائب الأول لرئيس الحكومة أوليج سوسكوفيتس من مناصبهم بتهمة التآمر على الحملة الانتخابية للرئيس يلتسين.

ورغم انتهاء الانتخابات الرئاسية بفوز يلتسين، إلا أن تبادل الاتهامات بين كبار العاملين معه لا زال مستمرًا، حيث أعلن رئيس صندوق دعم الرياضة الجديد فاليري ستريلتسكا أن القائمين على قناة التليفزيون الأولى وقناة التليفزيون H.T.B فلاديمير جوسينسكي، وبوريس بيريزوفسكي يفرضان سيطرتهما على أجهزة الإعلام الروسية للحيلولة دون الكشف عن المتورطين في قضايا الفساد واستغلال النفوذ.

كما أعلن قائد حرس الكرملين الأسبق الجنرال كارجاكوف أن رئيس القناة الأولى بوريس بيريزوفسكي طلب منه قتل رئيس القناة التليفزيونية H.T.B، وبدوره عرض رئيس صندوق دعم الرياضة العقيد ستريليتسكي شريطًا تليفزيونيًا لرئيس القناة الأولى وهو يتهم رئيس القناة التليفزيونية H.T.B بتدبير مؤامرة لقتله والتخلص من بعض كبار الصحفيين العاملين معه.

ورد رئيس صندوق دعم الرياضة الحالي ستريليتسكي اتهام الجنرال كارجاكوف بالاستيلاء على ٤٠ مليون دولار إلى سلفه بوريس فيدروف، مشيرًا إلى أن المبلغ المذكور كان قد خصص لتشييد مجمع رياضي ضخم، وتحويله إلى بنك «التسليف الوطني»، الذي يمتلكه الأخير «فيدروف» ليضيع بلا أثر.

 وأعاد ستريليتسكي الاتهامات التي أطلقها وزير الداخلية كوليكوف، ورئيس صندوق دعم الرياضة الأسبق فيدروف إلى الجنرال ليبيد ومعاونيه، إلى محاولة عرقلة التحالف السياسي بين ليبيد وكورجاكوف.

 أما الشخص الآخر الذي ورد على لسان وزير الداخلية كوليكوف أثناء هجومه على الجنرال ليبيد، فهو رجل الأعمال سيرجي دروجوش، ووجه له تهمة اختلاس ۲۰۰ مليون روبل «ما يقرب من مليون دولار» عام ١٩٩٢م.

وبعد تعيين الجنرال ليبيد سكرتيرًا لمجلس الأمن القومي، قام سيرجي دروجوش بالاتصال به، وعرض عليه خدماته في ترتيب الاتصال بالمقاومة الشيشانية، ومعاونته في إنجاز التسوية السلمية، وتقول رواية وزير الداخلية بهذا الشأن إن الجنرال ليبيد منح «دروجوش» رخصة لحمل السلاح، وتصريحًا بالدخول إلى الأهداف العسكرية، وسهل له الوصول إلى الشيشان للقاء زعماء المقاومة، وجس نواياهم، وتقييم الأوضاع السياسية والعسكرية في الشيشان.

 القلق الشعبي من الفضائح

وكان لا بد للحديث عن الفساد في الأسرة الحاكمة الروسية أن يضاعف من عدم الاستقرار، والنظرة المتشائمة تجاه المستقبل لدى قطاعات شعبية واسعة، ويجعلها فريسة للمواقف والأفكار المتطرفة، ويزيد من تعقيدات الموقف الناجم استمرار مرض الرئيس الروسي، وتنقله الدائم بين مستشفى الكرملين ومصحة «برفنيجا» الحكومية، في ظل الشائعات التي تؤكد عدم قدرته على العمل لأكثر من خمس عشرة دقيقة في اليوم.

الخطورة في مهام الرئيس

والخطر لا يكمن هنا في كبر السن «يبلغ الرئيس الحالي ٦٥ عامًا»، أو في طول فترة المرض، حيث عرفت روسيا «والاتحاد السوفييتي السابق» رؤساء تفوقوا على يلتسين، وضربوا أرقامًا قياسية في الحكم دون ممارسة فعلية لصلاحياتهم، ولأسباب مشابهة– أيضًا– المرض، وإنما يعود مكمن الخطر في الحالة الراهنة في غياب توزيع السلطات الذي يضمن استمرارية الحكم بعد أن اقتطع يلتسين لنفسه ما يفوق صلاحيات القياصرة بمرتين، وصلاحيات الرؤساء الأمريكيين بأربع مرات من دستور عام ١٩٩٣م، الذي أقره تحت تهديد فوهات المدافع التي لم تتورع في إطلاق قذائفها على مبنى البرلمان وقادته، لتوقع أكثر من ۲۰۰ قتيل، وأكثر من ٨٠٠ جريح من بين الذين هبوا للدفاع عن السلطة التشريعية، ويثير القلق الصراع المحتدم بين المجموعات المتصارعة داخل الكرملين، والتي تخدم مصالح متعارضة، وتلجأ لكافة الوسائل المشروعة وغير المشروعة «بما فيها التصفية الجسدية» لإضعاف مواقع الخصوم.

إن لجوء يلتسين المتواصل للمناورة السياسية بين هذه المجموعات، والعمل على خلق «مراكز الثقل» المضادة داخل الفريق الحاكم ألحق الضرر بالمصالح الروسية في الداخل والخارج، وجعل منها مادة للمضاربة في أسواق حطت سمعتها، ولم تعد تحكمها سوى شريعة الغاب والعصا الغليظة. 

ومما لا شك فيه أن كافة القوى السياسية المتصارعة الآن داخل الكرملين تفتقر إلى التأييد الشعبي الواسع، بما فيها الجنرال ألكسندر ليبيد الذي فقد كثيرًا من أسهمه، واهتزت شعبيته بعد تحالفه مع الرئيس الحالي يلتسين.

 ومما يضاعف من تعقيدات موقف الجنرال ليبيد فشله في تحقيق الوعود الانتخابية، خاصة فيما يتعلق بشعاراته نحو إعادة الانضباط إلى الشارع الروسي، والقضاء على الفساد والمافيا. وبعد مرور أكثر من مائة يوم على «حكم» الجنرال ليبيد «يجمع المراقبون على أنه رجل الكرملين القوي، رغم ما يتضمنه هذا القول من مبالغة كبيرة»، فإن الفساد يعشعش تحت قدميه، وتشير الاتهامات إلى كبار معاونيه لتطول إنجازه الوحيد «وقف الحرب في الشيشان».

ولا جدال في أن روسيا تعاني حالة من الشلل السياسي والفوضى في وقت تواجه فيه البلاد شتاءً قارسًا بسبب نفاد الاعتمادات، وتفجر السخط الجماهيري في صورة إضرابات عمالية واسعة، تهدد بأن تتحول إلى عصيان مدني، وعلى ضوء القلاقل الاجتماعية المتزايدة، والحالة المتردية داخل القوات المسلحة «بعد الهزيمة القاسية في الشيشان» تصبح كافة الاحتمالات مطروحة لتطور الوضع في روسيا الاتحادية بما فيها الانقلاب العسكري، أو انقلاب «القصر» إذا ما أصر الرئيس الحالي على الاحتفاظ بمفاتيح السلطة «وكل السلطات» بين يديه. 

ومن الطبيعي أن تكون هناك قوى مستفيدة في الداخل والخارج من حالة الفوضى والشلل الناجمة في روسيا الاتحادية، وإذا كانت الإصلاحات الاقتصادية والثقة في المستقبل هي المتضرر الأول مما يحدث الآن، فإن الوضع الناجم يؤثر تأثيرًا مباشرًا على صياغة استراتيجية ثابتة وواضحة للأمن القومي والمصالح القومية الروسية.

موقف الغرب من الأحداث 

وتسعى القوى الخارجية إلى تثبيت الوضع القائم في روسيا، خشية عودة الشيوعيين، وأملاً في كسب الوقت «مع الرئيس المريض»، لتحسين مواقع الإصلاحيين داخل القيادة الروسية استعدادًا للانتخابات المقبلة، وإذ يراهن هؤلاء «الغرب» على إمكانية ثبات الأوضاع الراهنة أو تجميدها، يرتكب خطأ فادحًا ليكون مثل النعامة التي تبادر بدفن رأسها في الرمال عندما يلوح الخطر.

 وتشير كافة المؤشرات إلى أن الأوضاع في روسيا تتدهور بمعدلات أسرع عما كانت عليه خلال السنوات الخمس الماضية، وذلك بسبب الإسراف في الوعود الانتخابية، وندرة الموارد، ونفاد احتياطي «النهب» القومي.

قد يستفيد الغرب من الظروف الراهنة في روسيا لتمرير مخططه بتوسيع عضوية حلف الناتو، أو بتمرير سياساته الإقليمية في هذه المنطقة أو تلك، إلا أن هذا لن يكون في صالح الاستقرار في روسيا أو على الساحة الدولية.

الرابط المختصر :