; الفساد لا يغيب عن المجتمعات البعيدة عن منهج الله | مجلة المجتمع

العنوان الفساد لا يغيب عن المجتمعات البعيدة عن منهج الله

الكاتب د. أحمد المتوكل

تاريخ النشر السبت 26-أبريل-2008

مشاهدات 62

نشر في العدد 1799

نشر في الصفحة 54

السبت 26-أبريل-2008

الإصلاح بين دعاته وأدعيائه (٢ من ٢)

  • لا بد لمن ينشد الحق ويسلك سبيله من مقاطعة المفسدين أربعة شروط.. يتحقق بها الإصلاح المنشود
  • إذا تولى من ليس أهلا للمسؤولية أمور بلد... فانتظر ساعة خرابها الإيديولوجيات الغربية أدت إلى ضياع الإنسانية وهلاكها

إن القرآن الكريم فيه شفاء لأمراض المجتمعات وحل لمشكلاتها وتنفيس لأزماتها، قال ﷺ يؤكد هذه الأمور، سيكون بعدي فتن كقطع الليل المظلم... قال علي -رضي الله عنه-: وما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: «كتاب الله: فيه نبأ ما قبلكم، وخير ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله».. «رواه الترمذي، عن علي بن أبي طالب».

إلا وإن الاعتماد على غير هذا الأمر يوسع رقعة الفساد، ويعقد الأمور ويسبب الفوضى والاضطرابات ويقلب الحقائق، فيصبح المجرم مصلحًا، ويغدو الجاهل الذي يفسد مواطنًا صالحًا مصلحًا ومؤمنًا تقيًا نقيًا، رغم كونه مهمشًا للدين في كل جوانب الحياة، مستضعفًا لعباد الله الأتقياء، حينذاك تضيع الأمانات، وتنتهك الأعراض، وتبدد أموال الأمة وطاقاتها وثرواتها، وتهدر كرامة الإنسان في ظل حكم جائر بعيد عن الإسلام وتعاليمه العادلة، يقول الرسول الكريم ﷺ: «إذا ضُيّعت الأمانة فانتظر الساعة، قيل: وكيف إضاعتها؟ قال: «إذا أسند الأمر لغير أهله فانتظر الساعة».. (رواه البخاري)، ومعنى الحديث: أن كل بلاد تولى أمورها من ليسوا أهلًا للمسؤولية فانتظر ساعة خرابها وهلاكها!! 

إن السبيل الوحيد للإصلاح هو شريعة الله الخالدة العادلة الصالحة لكل زمان ومكان وإنسان، المنزلة من خالق الإنسان الذي يعلم ما يصلح له وما يضره ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك: 14)، والذي يعلم المصلح من المدعي ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (البقرة: 220). 

ألا تيقنوا وتأكدوا أنه لن يتحقق لأمتنا صلاح ولا إصلاح، ولن تحل مشكلاتها في غياب دين الله، وفي غياب المصلحين الحقيقيين، الذين لا يفتح لهم المجال للإصلاح والتعبير عن آرائهم، لخوف المفسدين على مصالحهم؟ ولن تصلح أحوالنا إلا برجال أقوياء أشداء رحماء أمناء، أمثال: العمرين، وصلاح الدين، والملك المظفر، ويوسف بن تاشفين، وغيرهم من الصالحين المصلحين؟ قال الإمام مالك رحمه الله: «لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها»: أي القرآن والسنة، والقادة الصالحون العادلون.

مقاطعة المفسدين

ولا بد لمن ينشد الإصلاح ويسلك سبيله من مقاطعة المفسدين، وكشف زيفهم للناس؛ لما قاموا به من دور تخريبي تغريبي حرب البلاد وأفسد العباد؛ ولأنهم هم من سبب المشكلات وعقد الأمور، فما هي إذن الشروط التي ينبغي توافرها في المصلحين؟.

لكي يتحقق الإصلاح لا بد من توفر عدة شروط، ومنها

أولًا: صلاح القائمين لهذه المهمة في أنفسهم، ونزاهتهم واستقامتهم على الحق ظاهرًا وباطنًا: إذ لا يمكن أن يحقق الإصلاح رجال قلوبهم منطوية على الشر، وجوانحهم تفور بالغدر، ونواياهم تقتل في حبل المكر، يكذبون على الناس للوصول إلى غاياتهم ويدوسون مصالح العامة لتحقيق أهدافهم ونيل مآربهم، قال الله -عز وجل-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (يونس: 81)، وقال الحكماء قديمًا «فاقد الشيء لا يعطيه»، وأن يكونوا مهتدين بهدي القرآن متوكلين على الله راجعين إليه في كل حال، اقتداء بسيدنا شعيب زعيم المصلحين الذي قال: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (هود: 88)، وأن يكونوا صالحين لغيرهم، قائمين على حقوق الناس بالعدل، وتتجلى عليهم أخلاق الأمانة والعفة والإتقان والرحمة فيما يتولونه من مسؤوليات ومهام.

ثانيًا: صوابية المنهج، اعتماد المنهج الإسلامي في تربية الناس وإصلاح سلوكهم وتقويم إعوجاجهم؛ لإخراج المواطن الصالح في نفسه المصلح لما حوله، الكانس للفساد الذي خلفه المفسدون، يملأ الأرض عدلًا وخيرًا، وينشر ثقافة السلام ومبادئ الوئام في المجتمعات الإنسانية، ولا يتم هذا إلا إذا تغيرت نفوس الناس وقلوبهم ونياتهم مما هي عليه من الشر والخديعة والمكر والطوية السيئة، قال الله -عز وجل-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11)، وقال ﷺ: «ألا وأن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب». (رواه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير)، وكل إصلاح لا يبدأ أولًا من القلوب، ولا يعتمد التربية الإيمانية القلبية التي تحل في باطن الأفئدة طمأنينة الإيمان وسكينة الله، والخوف من الله قبل كل شيء، فهو حومان حول الإصلاح دون ولوج لبابه، وهو طلاء وقتي، وإن الإنسان إذا لم يتغير بطريقة جذرية من حيث إيمانه وسلوكه وأفكاره ومواقفه، فلا صلاح ولا إصلاح، والذين يحاولون الإصلاح من غير أن يعتمدوا على هذه الأمور مآلهم الفشل وتضييع الوقت والجهد، وإطالة عمر الفساد، والإصلاح لا يحققه إلا ذوو النيات الحسنة، والإيمان الراسخ والهدف النبيل، الذين يعملون بنية أداء الواجب الديني ابتغاء وجه الله وانتظارًا للجزاء الأخروي قبل الأجر الدنيوي، وسيظل الفساد مستقرًا معششًا في مجتمعاتنا مهما تغيرت البرامج والأشخاص ما داموا في بعد عن الله، رافضين لمنهج الله.

رجال ربانيون

إن المنهج القرآني كون رجالًا ربانيين سجل التاريخ مواقفهم الإصلاحية بفخر، بعثهم الله إلى الأمة في حالة أزماتنا، فأصلحوا أوضاعها وداووا أمراضها، وحلوا مشكلاتها وخلصوها مما كانت تعانيه. إنهم كنوز في الأمة مخبوءة وأدوية نافعة، رجال المواقف والجد والحزم والحسم والعزم، أعطوا قبل أن يأخذوا، وأدوا واجباتهم قبل أن يطلبوا حقوقهم. 

ثالثًا: الابتعاد عن كل النظريات والبرامج البشرية الوضعية، والإيديولوجيات الغربية البعيدة عن الشرعة الإلهية والمنهاج النبوي، وقد أثبتت التجارب فشل هذه الإيديولوجيات وعدم صلاحيتها، حيث أدت إلى ضياع الإنسانية وهلاكها وتبعيتها للقوى المعادية للإسلام والمسلمين، وتيهها في بحر من الفتن، ولم تأت بما ينشده الإنسان. 

رابعًا: قابلية السواد الأعظم من الناس الالتزام بالإسلام، وحمل مشروعه والعمل من أجله والدفاع عنه، حيث صلاح الأشخاص لا يكفي مع صلاح الوسيلة؛ إذ كم من نبي بعث في قومه وهو صالح ومنهجه صالح، إلا أن مشروعه الإصلاحي لم ينجح لعدم استجابة قومه له. 

إن أمتنا اليوم في أشد الحاجة إلى مصلحين صادقين أكفاء نزهاء أتقياء لهم حظ وافر من ميراث النبوة؛ ليصلحوا أحوال الأمة، ويغيروا واقعها المشهود إلى واقع منشود، ويرجعوا عزها المفقود، عز الحضارة الإسلامية وأخلاقها وعدلها وإسلامها وإيمانها ورحمتها وشهودها ويسعوا لتحقيق صلاح الإنسانية جمعاء، وإيصال دعوة الله إلى الضالين بالتي هي أحسن، والقيام بمهمة الخلافة في الأرض أحسن قيام، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، قال الله -عز وجل-: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 97).

الرابط المختصر :