; الفساد على الطريقة التركية | مجلة المجتمع

العنوان الفساد على الطريقة التركية

الكاتب أحمد عز الدين

تاريخ النشر الثلاثاء 29-سبتمبر-1998

مشاهدات 101

نشر في العدد 1319

نشر في الصفحة 29

الثلاثاء 29-سبتمبر-1998

الفساد في تركيا حالة متميزة، تركيبة عجيبة تجمع بين بعض السياسيين والبرلمانيين ورجال الأعمال، ورجال العصابات والمافيا، وتهريب السلاح والمخدرات، ولا عجب.

آخر نموذج معلن للفساد التركي عبر عن نفسه باستقالة وزير الدولة رفاع الدين شاهين. رفاع ينتمي إلى حزب «تركيا الديمقراطية» وهو الشريك الأصغر لحزب الوطن الأم، الذي يتزعمه مسعود يلماظ رئيس الوزراء.

وعادة ما تسعى الأحزاب إلى زيادة حصتها في المقاعد الوزارية المشاركة فيها، بيد أن حزب تركيا الديمقراطية- لاحظ الاسم- شذ عن هذه القاعدة، إذ أصر الحزب بشدة على إقالة رفاع الدين شاهين أحد ممثليه في الحكومة. 

في البداية حاول الحزب ذلك عبر البرلمان، حيث تقدم عشرة من نوابه بمذكرة لسحب الثقة من شاهين، وصادقت على المذكرة أكثرية الكتلة البرلمانية للحزب، وطلبت من رئيس البرلمان عزله من منصبه، لكن الطلب رفض.

عاد زعيم الحزب حسام الدين جيندورك، فحاول مع رئيس الوزراء إقالة شاهين. عرض يلماظ الأمر على رئيس الجمهورية، فلم يجد الأخير ما يستوجب العزل أو الإقالة.

وصلت الضغوط على شاهين مداها، فتقدم بطلب إلى حزبه، لفصله من عضوية الحزب، ثم قدم خطاب استقالته لرئيس الوزراء. 

الأزمة قد تبدو مبهمة، وغير واضحة الأسباب، ولكن ما تسرب عنها يكفي لكشف الإبهام.

فالوزير المستقيل المعزول عرف عنه تمسكه بالأخلاق والقيم، وقد كان بحكم منصبه الوزاري مسؤولًا عن بنك الأملاك الحكومي، وقد رفض الموافقة على طلبات أبناء حزبه للاستفادة من التسهيلات المالية للبنك والمناقصات الخاصة بدائرة الإسكان الجماعي التابعة للبنك، رفض الوزير أن يعين أبناء حزبه على الكسب غير المشروع، فكانوا أول من أطلق عليه النار، واضطره إلى الاستقالة من الحزب ومن الوزارة.

الحادثة الأخيرة يمكن اعتبارها من النوع الخفيف، إذا قورنت بما سبقها، فقبل شهر، ناقش مجلس الأمن القومي التركي تقريرًا قدمته مديرية الأمن العام، أكد وجود أكثر من مائة عصابة للجريمة المنظمة، تضم أكثر من ألف شخص من السياسيين والعسكريين ورجال الأعمال، يعملون في تناسق وتناغم تامين مع تجار المخدرات والسلاح، وهذه العصابات تعمل في تركيا على نطاق واسع وبخاصة على المنافذ الساحلية والبرية، وفي الشهر الماضي أيضًا ألقي القبض في فرنسا على علاء الدين جاقيجي أحد أبرز زعماء المافيا، بيد أن هذه ليست صفته الوحيدة، فقد كان من الشخصيات المهمة في دائرة الاستخبارات القومية!

أما محمد أيمور المستشار الأسبق للمخابرات فهو متهم أيضًا بإقامة تنظيم سري داخل الاستخبارات لتنظيم العمليات القذرة.

جاقيجي أكد بعد إلقاء القبض عليه، أنه اتصل بأيوب عاشق الوزير في حكومة بلماظ الحالية طالبًا تعيين شخص ثالث في وظيفة مهمة في الاستخبارات بقصد تسهيل أعماله في التهريب ولم ينكر الوزير هذا الاتصال.

وذات أمسية من شهر نوفمبر عام ١٩٩٦م، اصطدمت سيارة مرسيدس ليموزين بشاحنة على أحد الطرق السريعة خارج قرية صوصورك التركية، ولم يكن الحادث مجرد تصادم مروري عادي، فقد كان القتلى حسين توجادا وهو مدير سابق ومدير مدرسة الشرطة في إسطنبول «آنذاك»، وعبد الله تشاتلي المتهم بالقتل وتهريب المخدرات والإتجار بها، وراقصة، أما المصاب الذي نجا من الحادث، فهو سداد بوجاق أحد نواب البرلمان من حزب الطريق القويم، وزعيم أحد العشائر الكردية.

لقد كشف حادث السيارة عن تنظيم سري يجمع الحكومة مع مافيا التهريب، سواء بهدف مواجهة حزب العمال الكردستاني، أو لإنشاء شركة كبرى تحتكر كازينوهات القمار في فنادق إسطنبول الكبرى حسبما ذكرت إحدى قنوات التلفزيون التركي، وفي الحالين فإن العلاقة تبدو شاذة وغير طبيعية، البعض حاول تفسير هذه العلاقة بين رجال مهمتهم سن القوانين داخل البرلمان، وتنفيذها بواسطة رجال الشرطة، وبين الخارجين على القانون، ويرى أن البعض ينظر إلى الدولة على أنها «إله» وينظرون إلى أنفسهم على أنهم سدنة المعبد، وأن من مهمتهم القضاء على كل من يهدد الدولة بسوء وهم في سبيل تحقيق ذلك لا يتورعون عن تنفيذ أخطر الجرائم وانتهاك أكثر القوانين صرامة. 

وأعتقد أن هذا التفسير ناقص، وما يجعله مفهومًا أن نقول إنهم لا يحافظون على الدولة لذاتها وإنما هم في الواقع يحافظون على مصالحهم وامتيازاتهم التي يستمدونها من سيطرتهم على الدولة وذلك هو الدافع الحقيقي الذي يجعلهم ينحدرون في طريق الجريمة إلى أسفل قاع.

بالله كيف يمكن لهؤلاء أن يقبلوا بوجود حزب الرفاه أو الفضيلة بينهم؟ أليست حربهم ضد الإسلام في تركيا تبدو مفهومة بعد ما ذكرنا؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل