العنوان الفاتيكان تتخلى عن قضية ملكية القدس
الكاتب طالب المسلم
تاريخ النشر الأحد 10-مايو-1992
مشاهدات 85
نشر في العدد 1000
نشر في الصفحة 31
الأحد 10-مايو-1992
بقلم: طالب المسلم
لا يكاد العالم ينسى جريمة من جرائم العدو البشعة
تجاه الإنسان والأرض في فلسطين المحتلة، حتى يقرع آذانه انتهاك آخر لحقوق الشعب
الفلسطيني المشروعة، ومع ذلك نفاجأ بين الفينة والأخرى بتصريحات لبعض الشخصيات
والرموز العالمية أو الدولية، تدافع فيها عن حقوق الكيان الصهيوني وتطالب العرب بتقديم
مزيد من التنازلات، وخصوصًا من الأطراف التي كانت تقف إلى جانب الأمة العربية.
وقد نشرت صحيفة «جوردن تايمز-2/4/1992» مقتطفات من
خطاب الكاردينال نيويورك جون أوكونور في مأدبة أقامها ادجار برونغمان رئيس المؤتمر
اليهودي العالمي أوضح فيه حدوث تغير إيجابي في سياسة الفاتيكان نحو الكيان
الصهيوني وطالبه فيه بالانتباه لما تمثله الصحوة الإسلامية في العالم العربي من
خطر لليهود والغرب في جميع أنحاء العالم، ومثل هذا التصدع في الجبهة المساندة للحق
العربي يحتاج إلى مزيد من البحث والتحليل لأنه لن يكون الأخير بالتأكيد. تراجع
الفاتيكان لم يكن أحد سيلتفت لتصريحات كاردينال نيويورك-جون أوكونور لو أنه لم يزر
البابا في الفاتيكان قبل إدلائه بها، غير أن زيارته للبابا أضفت على تصريحاته هالة
من الخطورة والأهمية، حيث أكد أوكونور أن كلًا من «إسرائيل» والفاتيكان مهتمان
بإيجاد علاقات دبلوماسية رسمية بينهما.
وقدم الكاردينال أوكونور وصفًا لمأدبة غير رسمية في
روما، حضرها ممثلون عن الفاتيكان ومصر ولبنان والأردن ومندوب «إسرائيل» الذي كان
حضوره -حسب وصف الكاردينال- غير متوقع. فقد كانت ظاهرة غير عادية أن يلتقي مثل
هؤلاء لأول مرة، وأن يشاركوا جميعًا في حوار تبادلوا فيه آراءهم، وكان الموضوع
الرئيسي هو موضوع العلاقات الدبلوماسية ما بين الفاتيكان و«إسرائيل» مما يعكس
التراجع الذي يكتنف موقف الفاتيكان تجاه دولة العدو. رغم وجود عدد كبير من النصارى
في العالم العربي، فهل بات الفاتيكان لا يكترث بتوجهات ومشاعر هؤلاء الوطنية؟ فتصح
بذلك مقولة أن الإنسان العربي لا قيمة له عند الغرب حتى بعد تفرنجه، أم أن النصارى
في عالمنا العربي يودون التعايش مع اليهود، وهذا ما لا نحبه ونتمنى ألا يكون.
ملكية القدس
كان الفاتيكان يتبنى قضية تدويل القدس إضافة إلى
سياسة عدم الاعتراف بالعدو الصهيوني ومطالبته بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة التي
تدعو لإعطاء الشعب الفلسطيني حق تقرير المصير، استنادًا لتلك القرارات غير أن
الكاردينال يؤكد على أن موضوع ملكية القدس لم تعد قضية بالنسبة لنا -يعني
الفاتيكان- بقدر ما تعنينا قضية حرية الوصول إلى الأماكن المقدسة، على الرغم من
أنها موئل للديانات السماوية الثلاث، وبدون اكتراث لمشاعر العرب والمسلمين والنصارى
في الشرق الأوسط أكد الكاردينال اهتمام قداسة البابا بأوضاع النصارى في الشرق
الأوسط وضمان وصول العرب إلى المدينة المقدسة. وتناسى الكاردينال أنه لا يتمتع
بصلاحية منح صكوك ملكية الأراضي والأوطان، وأن حقوق الشعوب لا تلغى بخطاب يلقى
أمام مؤتمر من خلف الميكروفونات. ولم يكتف الكاردينال بهذا الحد فراح يتباكى أمام
المؤتمر اليهودي العالمي على ما تتعرض له «إسرائيل» من معاملة مشينة من بعض الدول،
واعتبر ذلك أمرًا خطيرًا يتجاوز الإهانة أو الخيانة أو اللاأخلاقية!
الخطر الإسلامي
ويستمر الكاردينال في إبعاد الأضواء عن الجرائم التي
ترتكبها «إسرائيل» لتنفيذ معادلتها الحيوية التي تقوم على التمدد الاستيطاني
البشري والتوسع الجغرافي، أي كلما ازداد عدد السكان فإن ذلك يقتضي إضافة جديدة
لمسلسل التوسع الصهيوني، فيبرز خطرًا جديدًا ليلفت الأنظار إليه وهو «الخطر
الإسلامي» الذي يهدد حسب كلام الكاردينال العرب المتوجهين للسلام ودولة الكيان
الصهيوني، ووصف الأصولية الإسلامية بأنها الخطر المشترك لجميع الأطراف ويركز كلامه
أكثر -محذرًا من سحب البساط من تحت أقدام «إسرائيل» مشيرًا بذلك إلى رفض أميركا
لطلب الضمانات للقروض الخاصة بالاستيطان الصهيوني لاستيعاب اليهود المهاجرين- لأن
«الأصولية الإسلامية والتطرف» ستكون أولى منطلقاتها في الأراضي المحتلة، وصرح الكاردينال
بأن الانزعاج من نمو الصحوة الإسلامية قد بدا واضحًا له أثناء جولته في مصر،
الأردن، لبنان «إسرائيل»! وفي هذا دلالة واضحة على مدى الرعب الذي يدب في قلوبهم
من أطفال الانتفاضة وشباب الصحوة الإسلامية، لأنهم الوحيدون الذين عرفوا الطريق
الصحيح لإنهاء تسلط الغرب والصهيونية العالمية على مقدرات أمتنا البشرية
والطبيعية، وبالتالي فإن الجهود المضنية التي يبذلونها لإيقاف الصحوة الإسلامية
والانتفاضة المباركة لها ما يبررها، وللأسف فإن بعض ولاة الأمور في بلادنا لا
يقدرون الأمر حق قدره.
أسباب هذا الموقف
من أبرز أسباب تضعضع الجبهة المساندة للحق العربي
دوليًا، هو تراجع العرب أنفسهم واستعدادهم التام للتفاوض مع دولة العدو والاعتراف
بها، ولن يرضى غير العرب أن يكونوا عربًا أكثر من العرب أنفسهم. كما أن العالم
اليوم أصبحت تسيطر عليه النظرية الأمريكية في الحياة، فمصلحته الذاتية فوق كل
اعتبار بعيدًا عن المبادئ العقدية والسياسية والأخلاقية، وهذا ما يعرف بـ
«البرغماتية» ومخطئ من يظن أن النظام الدولي الجديد قائم على مبدأ أو أسس أخلاقية،
ومع ضعف العرب عن إبقاء مصلحة ما لمن يساندهم عندهم، فإن الأطراف الأخرى ستجد
نفسها تترك الصف العربي المتهلهل بلا رجعة. ناهيك عن الجهود المضنية التي يبذلها
قادة العدو لاستقطاب تلك الأطراف وضمان تصويتها لصالحهم في المحافل الدولية. وكل
هذا يحدث في ظل ظروف صعبة تمر بها الأمة الإسلامية.
ردود الفعل
ورغم خطورة هذه التصريحات ودلالاتها، فإننا لم نسجل
أي ردود فعل عليها، اللهم سوى البيان الذي أصدرته الهيئة التنفيذية للمؤتمر
الإسلامي العالمي لبيت المقدس، ومذكرة الهيئة الإسلامية-المسيحية في عمان، حول
تصريحات الكاردينال أوكونور، وهذا يعكس انشغال الرأي العام العربي بقضايا أخرى.