العنوان الغوص في ظاهرة اجتماعية: عبادة الشيطان: الفردية وتقديس الإنسان وعبادة الرغبات
الكاتب نانسي عويس
تاريخ النشر الثلاثاء 10-يونيو-1997
مشاهدات 131
نشر في العدد 1253
نشر في الصفحة 59
الثلاثاء 10-يونيو-1997
تراجعت الضجة التي كانت مثارة حول عبادة الشيطان، ولكن القضية ودلالتها وآثارها خطيرة ولاتزال حاضرة، ولا يزال الموضوع يستفز أقلام المفكرين والباحثين لرصد جذوره ومخاطره، والتحذير من الثقوب التي يمكن أن ينفذ منها إلى مجتمعاتنا المسلمة، ووضعه في إطاره الأعم كجزء من المنظومة العلمانية التغريبية التي تحكم المجتمع الغربي، وتجعل ظاهرة عبادة الشيطان تطوراً طبيعياً فيه.
في عام ١٩٦٦م بدأ أحد الأشخاص اسمه «أنتوني دلافي» ما أسماه بعهد جديد للاحتفاء بالمتعة الجسدية بدلاً من احتقارها، وأنشأ لفكره الجديد دار عبادة أسماها «كنيسة الشيطان» وبعد ثلاث سنوات أصدر ما أسماه بـ«إنجيل الشيطان» يشرح فيه لأول مرة في تاريخ البشرية فلسفة هذه العبادة الجديدة، وكانت البداية في كاليفورنيا في الولايات المتحدة.
والمقصود بعبادة الشيطان ليس عبادة كائن له هيئة مخيفة -كما يتصورها الرسامون- وإنما يتمثل -وهو الأخطر- في إنكار الألوهية والوحي والرسل، وفي عبادة الذات وتقديسها وتمجيد النفس البشرية، فالإنسان هو المهيمن على حياته سواء كانت ناجحة أم فاشلة، كما يقولون وقانونهم ينحصر في مبادئ تسعة حصيلتها أن الشيطان رمز للانغماس في الشهوات بدلاً من الإحجام عنها، والاعتقاد في الوجود الحسي بدلاً من الوجود الروحي، والانتقام بدلاً من إدارة الخد الأيسر، وعندهم الإنسان مجرد حيوان آخر أحياناً أفضل، وغالباً ما يكون أسوأ مما يمشي على أربع، فهو أشرس هذه الحيوانات لتطوره الفكري والروحي، وأخيراً يمثل الشيطان كل الموبقات المعروفة عند البشر.
حين أنشأ هذا الشخص كنيسته بدأ بحلق راسه، (وكذا يفعل كثير من الشباب تقليداً للغرب دون وعي)، كان «دلافي» يعلم أنه سيصبح محط الأنظار في العالم، وهو ما كان يسعى إليه كسراً لحالة الملل والفراغ التي يعاني منها الشباب في هذه البلاد، ومسايرة لما تعارف عليه الناس من وجود الخير والشر، فإن هذا الشخص أيضاً وضع قائمة تسمى عنده بالموبقات، ولكنها لا ترتبط بالذات، ولا ترتبط بالأخلاقيات، وتنحصر الموبقات في الغباء، خداع النفس بالإيمان بالمقدسات، اتباع الآخرين، وتوقع الخير ممن أحسنت إليهم (فهو لا يعرف الإحسان).
خلاصة هذا الفكر أن الإنسان هو إله نفسه، يسير بها حيث يشاء، ولا يمنع عنها ما تطلبه أياً كان، فالإله عندهم موجود في نفس كل إنسان حتى لا يكون هناك التزام بأي أعباء أخلاقية أو سلوكية تقيد رغبات النفس، فهم ممن ينطبق عليهم قوله -سبحانه-: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ إلى جانب هذا الفكر المريض فهم يقدسون الفردية، وهي النغمة السائدة في الحياة الغربية منذ سنوات بعيدة، وللأسف بدأنا نحن أيضاً نلتقطها دون تفكير، كما هي عادتنا مع كل ما يأتي من الغرب، وهي نزعة إلى أهمية تحقيق الذات والوجود الفردي على حساب أي مصلحة اجتماعية، ولو كانت كيان الأسرة، وفي سبيل تحقيق هذا الغرض ينادون بأهمية إشباع الرغبات الذاتية الكامنة في النفس لإسعادها ولو وقتياً دونما مواعدة لأي قيود من المجتمع الخارجي.
هذه الكنيسة اتخذت لها شعاراً هو النجمة السداسية، المحاط بها دائرة (والتي قام شبابنا برسمها والدوران حولها كما لو كانت ملهاة يلعبون بها).
اختطاف الأطفال:
ومنذ بداية الثمانينيات اتجهت أصابع الاتهام إلى هذه المجموعة فيما يختص بحوادث اختطاف الأطفال واغتصابهم وقتلهم أثناء ممارسة طقوسهم الشيطانية، وبدأت الجماعة في إصدار التقارير المتوالية لإنكار هذه التهم، وتذرعوا بأن الأطفال شخصيات ساذجة عادية، في حين أن هذه الكنيسة تقدس الشخصيات الخارقة.
إن أصول كنيسة الشيطان ترجع إلى مصادر عديدة منها «نادي جهنم» الذي أنشئ في القرن الثامن عشر في إنجلترا، وإلى بعض الطقوس التي يمارسها السحرة (عدد المنتمين إلى هذه الكنيسة في الولايات المتحدة يتراوح بين عشرة آلاف وعشرين ألف عضو، وهي لا تعلن الإحصائيات الرسمية.
شعائر الكنيسة ممارسة طقوس السحر، شعائر جنسية لإشباع الرغبات، شعائر عاطفية لمساعدة الآخرين، شعائر مدمرة من أجل إخراج مشاعر الغضب والكراهية، (ولم يذكر التقرير كيفية ممارسة هذه الشعائر).
متطلبات هذه الشعائر حبال سوداء، رمز للشيطان، شموع جرس، كأس القربان وما يحتويه من مشروبات كحولية أو غيرها، سيف، وأشياء أخرى نعف عن ذكرها لأبسط دواعي الأخلاقيات الإنسانية المهذبة، ولا يوجد أي قيود على كيفية ممارسة هذه الشعائر، أما أعيادهم الرسمية فهي أولاً عيد ميلاد كل شخص على حدة، يوم ٣٠ أبريل وهو يوم إنشاء الكنيسة، وأيام أخرى ترتبط بالفصول.
إن معتقدات هذه الكنيسة تكمن في عبادة الشيطان، ممثلة في تقديس النفس وممارسة السحر بتغيير الأوضاع البشرية، وتدعي هذه الكنيسة أنها فيما عدا المبادئ التسعة السالفة الذكر، فإنها تقف بحزم بجوار القانون والنظام.
ولكن هل لهذه الكنيسة علاقة بالديانات الأخرى؟ الملاحظ أن كنيسة الشيطان تقف بجوار كل من يعتقد فيما ترفضه الكنيسة المسيحية أو أي ديانة أخرى معروفة.
فروع المنظمة في البلاد الأخرى:
فروع المنظمة في البلاد الأخرى توجد منظمات إبليسية أخرى في بلاد متفرقة، مثل: إيطاليا، نيوزيلندا، إنجلترا، وكندا، وتحظى كل من الولايات المتحدة وكندا بالنصيب الأكبر من هذه المنظمات، إحدى هذه المنظمات اتخذت اسماً لها من الحروف الأولى لعبادة تقول: دعهم يكرهون ما داموا يخافون، والعبارة كما يقولون تعكس الفلسفة الشيطانية، وهم أيضاً لا يؤمنون إلا بهذه الحياة التي نعيشها الآن، فلا توجد حياة أخرى، فلتفعل بحياتك ما تشاء قبل أن تفوتك الفرصة وتكون من الخاسرين، ويقولون صراحة إنهم يعلمون الناس عكس كل ما جاءت به الديانات المعروفة لقرون طويلة، من أنه يجب كبح جماح الشهوات، والبعد عن الملذات؛ لأن هذه دار اختبار، فلا يوجد عندهم شيء اسمه معصية، ولا توجد دار آخرة ولا عقاب ولا حساب، لا يؤمنون بأي غيبيات، قانونهم الأوحد يأتي من داخل أنفسهم التي تطلق لشهواتها العنان بلا ضابط ولا رابط: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ مَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّوْنَ﴾ (سورة الجاثية: 24)، ، وكل هذه المنظمات لا تختلف كثيراً في مبادئها، فالمنبع واحد، وكلها تدور حول الرغبات، عدم كبت الأحقاد والكراهية، عدم إظهار الرحمة تجاه الأعداء، الثقة فقط بأعضاء المنظمة الآخرين، إلى آخر هذه الأفكار السوداء.