العنوان الافتتاحية .. الغطرسة الصهيونية والتخاذل العربي أمام تهويد القدس
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 11-مارس-1997
مشاهدات 75
نشر في العدد 1241
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 11-مارس-1997
راهنت بعض الأطراف العربية المتفائلة على إمكانية أن تسهم زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأخيرة للولايات المتحدة في التخفيف من تشدده، وفي تليين مواقفه المتعنتة، ولكن هذه الآمال تبخرت وذهبت إدراج الرياح، وعاد نتنياهو من واشنطن أكثر صلفًا وغطرسةً وإصرارًا على التمسك بسياساته ومواقفه العدوانية، كما عاد معززًا بثقة كبيرة، وبدعم غير محدود من الإدارة الأمريكية لحليفها الإستراتيجي المدلل.
وفور عودته من واشنطن أعلن نتنياهو حربًا شرسة ودون هوادة على الأراضي الفلسطينية، وبدأ حملة استيطانية محمومة في الأراضي المحتلة وبخاصة في مدينة القدس، حيث اتخذ قراره الخطير لبناء مستوطنة «هارحوما» في جبل أبو غنيم في الجزء الشرقي من القدس.
وحينما اتخذ نتنياهو هذا القرار، كان يدرك أنه سيثير ردود فعل غاضبة في الأوساط الفلسطينية العربية، ولكنه كان يعلم تمامًا أن ردود الفعل هذه لن تتجاوز حدود الإدانة والتنديد ودعوة مجلس الأمن للانعقاد في أحسن الأحوال، فالأطراف العربية بات لديها حساسية مفرطة في الحرص على العملية السلمية، والخشية من أن تتعرض لأي أضرار بسبب مواقف جريئة قد تتخذها.
رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات هدد بإعلان الدولة الفلسطينية في حال إذا ما أصرت الحكومة الإسرائيلية على قرارها، ولكن هذا التهديد لعشرات التهديدات السابقة ليس أكثر من محاولة امتصاص حالة الغضب والنقمة التي سادت الشارع الفلسطيني، وهناك أكثر من إشارة تؤكد أن نتنياهو حصل على تطمينات من السلطة الفلسطينية بعدم تكرار ما حدث في أعقاب فتح النفق، ويمنع الفلسطينيين من القيام بأي ردّات فعل عنيفة.
نتنياهو يسعى جاهدًا لفرض وقائع جديدة على الأرض من أجل حسم القضايا المؤجلة للمرحلة النهائية، وهو يحقق إنجازات ونجاحات كبيرة في هذا الاتجاه، خاصة في ظل دعم حزب العمل المعارض لهذه السياسة، بل إن نواب العمل أظهروا حماسًا أكبر من الليكود لتكثيف مشاريع الاستيطان، واتهموا حكومة نتنياهو بالتقصير والتردد.
بعض المصادر أشارت إلى أن نتنياهو عرض على كلينتون خلال زيارته الأخيرة لواشنطن تصوره للوضع النهائي لمستقبل المناطق المحتلة معززًا بخرائط تقسم الضفة الغربية إلى أجزاء وتنزع منها مساحات واسعة لضمها بصورة نهائية للأراضي الإسرائيلية، ولا شك أن الاتفاق الذي توصل إليه حزبًا الليكود والعمل على ملامح الحل النهائي لتصفية القضية الفلسطينية، قد عزز موقف نتنياهو في واشنطن بل إنه لم يتردد عن التعبير. وبكل صلافة عن سياساته المتشددة إزاء مستقبل القدس وعملية الاستيطان من قلب العاصمة الأردنية التي زارها بعد عودته من واشنطن.
الهجمة الصهيونية الشرسة ضد القدس والأراضي الفلسطينية المحتلة ستستمر في ظل التخاذل العربي والإسلامي، حيث لم يبدر عن الأطراف العربية والإسلامية حتى الآن ما يشير إلى شعورها بالخطر الذي يتهدد المقدسات الإسلامية، ولم يصدر عنها سوى تصريحات على استحياء وخجل تحذر من انعكاسات الممارسات الإسرائيلية على مستقبل العملية السلمية!!.
نتنياهو ينسجم في سياساته التي ينفذها على الأرض مع أفكاره الصهيونية وأحلامه التلمودية وقناعاته العدوانية التي عبر عنها بوضوح في برنامجه الانتخابي، وهو إضافة إلى ذلك حقق العديد من المكاسب السياسية في قراره الأخير بالبناء في القدس، خاصة بعد الانتقادات التي وجهتها له الأحزاب الدينية وأوساط من داخل حزب العمل بسبب توقيع اتفاق الخليل، فقد أسهمت خطوته الأخيرة في التخفيف من حدة الانتقادات هذه.
الحملة الاستيطانية الإسرائيلية في القدس وبقية الأراضي الفلسطينية المحتلة والحفريات تحت المسجد الأقصى التي باتت تشكل خطرًا حقيقيًا عليه تستدعي من الأطراف العربية والإسلامية موقفًا جادًا، ولكن المؤشرات القائمة لا توحي حتى الآن بنية عربية إسلامية لاتخاذ خطوات حقيقية صادقة في هذا الاتجاه، ولا تدفع إلى الشعور بالتفاؤل.
وهذا ما يدفع نتنياهو وحكومته إلى ممارسة الحد الأقصى من التشدد والتعنت لفرض تصوراتهم وشروطهم، ولكن ماذا عن الأطراف العربية؟ هل تعتقد أن بيانًا شديد اللهجة سيجدي نفعًا في مواجهة مشاريع الاستيطان والتهويد التي تجري على قدم وساق في كل أنحاء الأرض المحتلة؟
وإذا عجز العرب عن اتخاذ أي خطوة لإيقاف هذه الهجمة الصهيونية الشرسة فلماذا لا يتركون أبطال الانتفاضة؛ ليعيدوا للأمة مجدها وعزها ويذيقوا اليهود المرارة على أيدي أبطال المسلمين، ويقطعوا ذلك الحبل الذي يربطهم بالناس ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ ﴾ (آل عمران:١١٢)؟.
إن فلسطين لن تسترد بالاستجداء والتبعية، ولا عن طريق موائد المفاوضات والوعود الكاذبة التي يطلقها أذناب إسرائيل وحلفائها، وإنما طريق العزة هو طريق الجهاد، وما ضاع حق وراءه مجاهد ﴿َيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال:٣٠)﴿ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ( المجادلة: 21).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل