العنوان الغضب في القاهرة
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-أكتوبر-1985
مشاهدات 71
نشر في العدد 738
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 22-أكتوبر-1985
●
أحزاب المعارضة تحرج حكومة مبارك وتدعو لقطع العلاقات مع العدو الأمريكي وطرد
السفير الإسرائيلي والسفير الأمريكي من مصر.
ما زالت ردود
الفعل الغاضبة على كافة المستويات الحزبية والشعبية في القاهرة تتوالى منددة
بالموقف الأمريكي تجاه حادثي الغارة الإسرائيلية على مقر منظمة التحرير الفلسطينية
في تونس واعتراض الطائرة المصرية المدنية التي كانت تقل الفلسطينيين الأربعة الذين
اختطفوا السفينة الإيطالية «أشيلا لورو»، بالإضافة إلى زهدي القدرة ومحمد عباس
عضوي اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وإجبارها على الهبوط بعد اعتراض طائرات
مقاتلة أمريكية لها. وعلى الرغم مما وصفه حسني مبارك بأنه نوع من القرصنة وأنه أمر
مُحزن أصاب كل مصري بجرح عميق؛ إلا أن شعب مصر لم يقبل بموقف حسني الهزيل.. الأمر
الذي جعل مبارك يذر الرماد في العيون ويطلب من القيادة الأمريكية أن تقدم اعتذارًا
مناسبًا للشعب المصري نتيجة لحادث اعتراض الطائرة، بعد الرد الأمريكي الذي قلل من
شأن أثر الحادث على العلاقات بين البلدين.. وفي حين طلب بعض زعماء الأحزاب في مصر
من الرئيس مبارك قطع العلاقات مع الولايات المتحدة وإخراج السفير الأمريكي من
القاهرة، رفض مبارك هذا الطلب، ودعا رؤساء أحزاب المعارضة في مصر في اجتماع لهم في
مقر حزب الوفد «أكبر الأحزاب المعارضة تمثيلًا في البرلمان» إلى عقد جلسة طارئة
لمجلس الشعب لمناقشة إهانة الكرامة المصرية والاعتداء على السيادة في موضوع اعتراض
الطائرة، وكذلك مناقشة أبعاد الغارة الإسرائيلية الإجرامية على مقر المنظمة في
تونس.
النظام المصري-
كلام عاطفي:
وعلى المستوى
الرسمي، اتسم رد الفعل المصري بالعاطفية، واستخدام الألفاظ التي تثير عواطف الشعب
بعد أن أحس كل مصري بالاعتداء على كرامته وشرفه، والانتهاك الصارخ لسيادة أراضيه،
والامتهان الذي تعيش فيه الشعوب العربية، في فترة سيئة من تاريخها.
وقد أعربت
الخارجية المصرية عن أسفها لما قامت به الطائرات الأمريكية من اعتراض لطائرة مصر
للطيران، وقال الرئيس مبارك إنه أمر محزن، وإنني مجروح في هذا الموضوع جرحًا
فظيعًا، ومتألم ألمًا شديدًا، وقال إنه شيء يدعو إلى الذهول، ولا أعتقد أن دولة في
العالم تقبل هذا. وأضاف: نحن نتعلم، وحول ما إذا كان لهذا الموضوع تأثير على
العلاقات بين مصر وأمريكا قال مبارك: إن هذا الجرح الأليم يحتاج إلى وقت طويل حتى
يبرأ ونستطيع أن ننسى ما حدث وقال: إنني أطلب من الإخوة المصريين رغم ذلك التمسك
بالعقل والحكمة والتريث، ولكنني أكرر ألمي والأسى والجرح الذي أصابني.. وقال كذلك:
لقد كنت أنصح دائمًا الإدارة الإمريكية بضرورة تفهم سيكولوجية الشعوب، فإن مثل هذا
الإجراء من الولايات المتحدة لا يسهل السير في عملية السلام وإنما يوجد مشاكل
كثيرة.
وبالرغم من كون
رد الفعل المصري اتسم بالحماسة «الكلامية» إلا أنه افتقد رد الفعل الإيجابي، وذلك
لأسباب أساسية، أهمها ما بين مصر وأمريكا من علاقات اقتصادية تصل إلى درجة خطيرة
بالنسبة لمصر إذا اتخذت موقفًا متصلبًا مع أمريكا.. فسلاح الغذاء والمعونات أهم
الأسلحة التي تشهر الآن في وجه الشعوب المقهورة لتنفيذ سياسات «الأصدقاء»
الأمريكان.. ورغم أن مصر بالنسبة لأمريكا تعتبر لها أهمية خاصة إلا أن العكس أكثر
أهمية، من حيث دعم النظام السياسي، والتأثير المباشر على الشارع المصري.. وهذا
الأمر ليس وليد اليوم، ولكنه ميراث سنوات مضت في ظل حُكم العسكر في مصر، ولعل
النظام في مصر لم يكن يتوقع مثل هذه «الوقاحة» التي اتسم بها رد الفعل الأمريكي في
أعقاب حادث الغارة الإسرائيلية، وإعلانه تأييده للغارة بصورة سافرة، وكذلك حادث
الطائرة، مما وضع النظام في مصر في موقف شديد الحرج.. عَبّر عنه الرئيس مبارك
بقوله: «إنه شيء يدعو إلى الذهول»؛ مما جعل العلاقات بين مصر وأمريكا تكاد تُصاب
بأزمة، وهي تعاني حاليًّا من الفتور!!
على المستوى
الشعبي- قطع العلاقات وطرد السفراء:
أما على المستوى
الحزبي والشعبي فقد سارعت أحزاب المعارضة إلى إبداء رأيها. وعقد زعماء أحزاب
المعارضة الخمسة اجتماعًا في اليوم التالي لإعلان نبأ اختطاف الطائرة المصرية،
وأعربوا عن أن الحادث العدواني يمثل حلقة جديدة في سلسلة الاعتداءات على الدول
العربية وعلى منظمة التحرير، الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. ودعا زعماء
الأحزاب إلى ضرورة دعوة مجلس الشعب إلى اجتماع غير عادي لمواجهة الموقف الخطير..
إلا أن هذا الطلب لم ينفذ، وكذلك عقدوا اجتماعًا مع رئيس الجمهورية، وطالب حزبا
التجمع والعمل بضرورة قطع العلاقات مع أمريكا وكذلك طرد السفير الإسرائيلي وإغلاق
السفارة، إلا أن هذا الطلب كذلك لم ينفذ.. وقد عقد حزب العمل الاشتراكي مؤتمرًا
شعبيًّا ندد فيه بالموقف الأمريكي، وأحرق الحاضرون في المؤتمر العلم الإسرائيلي
والعلم الأمريكي، وكذلك في مؤتمر نقابة المحامين بالقاهرة، حيث دیست أعلام
الدولتين بالنعال تحت أقدام كل من حضر المؤتمر.. إلا أنه كان من المؤسف أن تستغل
حفنة من الشيوعيين في مصر ومن يسمون أنفسهم «ناصريون» هذه المؤتمرات وتحاول
السيطرة عليها، وكأن الحركة الشيوعية في مصر قد وجدت فرصة ذهبية لتستثمر أوضاع
الأمة العربية لصالحها بدلًا من العمل على إيقاظ الأمة لتدفع الأخطار التي
تتهددها.
وصدرت الصحف
الحزبية تندد بالموقف الأمريكي، وقالت جريدة «الشعب» الناطقة بلسان حزب العمل
الاشتراكي «لا.. لأمريكا.. للقرصنة والهيمنة والإرهاب الرسمي» تساءلت جريدة
الأحرار «حزب الأحرار»: القرصنة الأمريكية إلى أين؟ وطالبت بإعادة النظر في
علاقاتنا مع الولايات المتحدة، بينما قال خالد محيي الدين رئيس حزب التجمع إن
العجز الذي تواجه به الأمة ما يجري لها سببه الاعتماد الكامل على أمريكا.. وأعربت
صحف الحكومة والصحف المسماة بالقومية عن سخطها وتنديدها بالموقف الأمريكي، الذي
ينذر بأسوأ العواقب تجاه المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط.
الغضب في
الجامعات:
أما على المستوى
الشعبي، فقد اشتعلت الجامعات المصرية غضبًا بعد حادث الغارة الإسرائيلية وكذلك
حادث الطائرة، وخرجت المسيرات تطوف بأرجاء الحرم الجامعي. وفي جامعة القاهرة خرج
عدد كبير من الطلاب وتجمعوا خارج الجامعة ثم اتجهوا إلى مقر سفارة إسرائيل التي
تبعد نحو مائتي متر عن الجامعة.. إلا أن قوات الشرطة والأمن المركزي منعتهم من
الاقتراب، وتم تشديد الحراسة والرقابة على سفارة إسرائيل في القاهرة.. وفي
الإسكندرية تجمع الطلاب في مسيرات ضخمة يتزعمها شباب الحركة الإسلامية في الجامعة-
كما في بقية الجامعات- وعقدوا مؤتمرًا داخل الحرم الجامعي أحرقوا فيه علم إسرائيل
والعلم الأمريكي ونددوا بالموقف المتخاذل الذي تقفه الحكومة في مصر، ودعوا إلى
اعتصام داخل الحرم الجامعي للتعبير عن سخطهم واستيائهم وغضبهم تجاه الموقف العربي
المتخاذل.. وكان آلاف الطلاب في مختلف الجامعات قد صلوا صلاة الغائب على أرواح
شهداء الغارة الإسرائيلية على مقر منظمة التحرير في تونس.. وفي جامعة القاهرة أصدر
اتحاد الطلاب بيانًا تحت عنوان «إلی متى ننتظر؟» دعا فيه إلى اتخاذ الجهاد وتوحيد
الصف عدتنا في حربنا العقائدية مع إسرائيل وحلفائها.
لا نريد
احتجاجًا:
وقد طالب
الأستاذ عمر التلمساني المرشد العام للإخوان المسلمين، باتخاذ موقف حازم إزاء
تصرفات أمريكا، وندد بموقف تونس وإيطاليا من حادث الطائرة المصرية، ووصفه بأنه
أسوأ آلاف المرات من الموقف الأمريكي.. وقال الأستاذ التلمساني إنه من الجهالة أن
نلوم أمريكا على ما فعلت، لأنها دائمًا تسارع إلى تغطية جرائم إسرائيل بكافة
الصور، ولعلنا لم ننسَ أنها هددت بعدم احترام محكمة العدل الدولية إذا مست إسرائيل
في تصرفاتها، وها هو ريغان يهدد بالانسحاب من هيئة الأمم المتحدة إذا حضر ياسر
عرفات احتفالها، وذلك مرضاة لإسرائيل أيضًا. وأضاف الأستاذ عمر التلمساني قائلًا:
إن للولايات المتحدة هدفًا آثمًا نحو مصر، فبعد أن عزلتها عن الدول الإسلامية
بمعاهدة كامب ديفيد، فإنها تريد أن تذهب البقية الباقية في نفوس تلك الشعوب.
فأمريكا لا يرضيها أن تكون مصر رائدة الدول الإسلامية في كل مجال، ولا يرضيها هذا
الحُب الذي تكنه الشعوب المسلمة لمصر.. أمريكا لا تريد أن تبقى مصر زعيمة للعالم
الإسلامي كله، إنها تريد أن تذهب هذه الزعامة إلى الأبد، بالضربات المهينة التي
توجهها إلينا حينًا بعد حين، وأن تقول للعالم الإسلامي ها هي مصر زعيمتكم نعبث
بكرامتها فلا تستطيع الدفع عن نفسها».
ودعا الأستاذ
عمر التلمساني المرشد العام للإخوان المسلمين إلى اتخاذ موقف لا يشتمل على احتجاج،
بل على شيء تحس به أمریكا و تحس به إسرائيل، وقال إن الشعب في مصر على استعداد
للتنازل عن كل شيء عدا كرامته، إنه لا يريد الصدام مع المسئولين، ولكنه يطالبهم
بترك حريته في التصرف إزاء هذه الإهانات وإنه على ذلك بفضل الله لقدير. ودعا
التلمساني إلى أن تخلي الحكومات بين الشعب وبين من يمتهنون كرامته، وعندئذ سيرى
العالم كيف تستطيع مصر الدفاع عن كرامتها. هذا ولا تزال ردود الفعل تتوالى في
مختلف قطاعات الدولة والنقابات والهيئات والجامعات تستنكر العدوان الإسرائيلي،
والقرصنة الأمريكية، وتدعو إلى العمل الجاد والمُخلص والمؤثر في الصراع مع العدو
الصهيوني والأمريكي.. فلعل ردود الفعل تلك تتمخض عن عمل إيجابي بنّاء، يؤثر في تلك
الشعوب المقهورة ويدفعها إلى الأمام على طريق العزة والكرامة والإباء.. وحسبنا
الله ونعم الوكيل ﴿إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا
وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ (التوبة: 39). ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا
غَالِبَ لَكُمْ﴾ (آل عمران: 160).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل