العنوان الغضب المصري
الكاتب أحمد عز الدين
تاريخ النشر الثلاثاء 16-نوفمبر-1999
مشاهدات 84
نشر في العدد 1376
نشر في الصفحة 33
الثلاثاء 16-نوفمبر-1999
لم يكن المصريون بحاجة إلا إلى حادث طارئ- كحادث سقوط الطائرة المصرية عقب إقلاعها من نيويورك قبل نصف شهر- ليتفجر داخلهم بركان الغضب ضد الإدارة الأمريكية.
وبالطبع، فإن المصريين لا يملكون الأدلة التي تثبت أو حتى ترجح توجيه الاتهام للأمريكيين بالتورط في سقوط «أو إسقاط» الطائرة المصرية التي أقلعت من نيويورك يوم 31 من أكتوبر الماضي، وسقطت بعد ذلك بنصف ساعة، ومع ذلك فقد حاول مصريون جاهدين تجميع شذرات ونتف من هنا وهناك ليقوي بعضها بعضًا، ولتكون أساسًا يمكن الاستناد إليه عند القول بأن هناك مؤامرة أمريكية وراء سقوط الطائرة، ويزداد هذ الشعور عند المصريين، خاصة وهم يرون أن كل يوم يمر يمحو جزءًا من الحقيقة الغائبة، ويزيد بالتالي لغز سقوط الطائرة غموضًا.
ولكن ما أسباب الغضب المصري الذي امتد ليشمل الصحف التي تسيطر عليها الحكومة والأقلا المحسوبة عليها؟
من الواضح أن هناك أسبابًا متعلقة بحادث الطائرة، وأخرى لا علاقة لها بالحادث، ونبدأ بهذه الأخيرة:
فالسياسات الدولية الأمريكية لم تكن يومًا محل رضا من المصريين، وبصفة خاصة الانحياز الصريح للكيان الصهيوني، الذي تتصاعد وتيرته من الأيام، ثم سياسة الكيل بمكيالين، التي تخسر دائمًا- عد تطبيقها- قضايا المسلمين المختلفة، والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصى؛ هل نختلف كثيرًا إذا قلنا إن الإدارة الأمريكية أصبحت في نظر مصريين وعرب كثيرين، مرادفًا لمناصرة الظلم ومجافاة العدل، وتجاهل مشاعر الآخرين وآمالهم وتطلعاتهم؟
أما على الصعيد الداخلي فإن المساعدات الأمريكية الموجهة بعناية لم تنجح إلا في إيجاد طبقة من المنتفعين الموالين للأمريكان فيما لم يلمس لها الشعب أثرًا يذكر على مستوى الحياة العامة.
وعلى مستوى حادث سقوط الطائرة نفسه فهناك العديد من الأسباب: لقد أعطت الدعاية الأمريكية انطباعًا بأن الإمكانات الأمريكية قادرة على فعل ما يشبه المستحيل، ثم اتضح من معالجة حادث الطائرة أن لك مجرد «لقطة أمريكاني» لا أصل لها حسب تعبير المصريين.
لقد سقطت الطائرة في المحيط الأطلنطي قريبًا من السواحل الشرقية للولايات المتحدة في المسافة التي بينها وبين أوروبا- أي في منطقة مهمة حسب مقاييس الأمن الأمريكي- فأين هي الأقمار الصناعية التي قيل إنها تجوب السماء ليل نهار ولا تترك موضع قدم على الأرض إلى صورته، وأنها تستطيع أن تعرف «ماركة الفانلة الداخلية» لأي شخص مستهدف.. كيف لم تستطع رصد سقوط طائرة بكاملها؟.
وماذا عن إجراءات الأمن والسلامة في مطارات أمريكا وهي التي أصيبت- وأصابت معها العالم- بحساسية مفرطة من الإرهاب؟ وماذا اتخذ من إجراءات لحماية المطارات، خاصة أن المسؤولين الأمريكيين تلقوا إنذارًا يحذر من أن طائرة نفاثة ستنسف باستخدام أهجزة تفجير كلاسيكية لا يمكن اكتشافها حسبما قالت صحيفتا صن وإندبنتدانت البريطانيتان، أما صحيفة تايمز البريطانية، فقد زادت بأن التهديد ذكر أن القنبلة ستستخدم قريبًا على رحلة جوية تستخدم مطار لوس أنجلوس أو نيويورك «المطاران اللذان استخدمتهما الطائرة المصرية». والغريب أن إدارة الطيران المدني الأمريكية تشترط للسماح للشركات الأجنبية باستخدام أراضيها والعبور فوقها أن تجري تفتيشًا دقيقًا يتناول كل صغيرة وكبيرة، فيما يتعلق بالشركة الناقلة، لكنها لا تسمح لأحد أن يسألها عما وفرته للآخرين من وسائل الأمان! كما أنها بتركيزها على الخطأ البشري حاولت بشكل غير مباشر إبعاد التهمة عن الشركة الأمريكية المصنعة للطائرة.
وزاد من غضب المصريين أنه لم يتم العثور على جثث الضحايا.. ولم يتم دفنها.. علمًا بأن المصريين لهم نظرة خاصة تجاه الموت، ربما تجاوزوا فيها الحدود الإسلامية الشرعية بما ورثوه من الفراعنة من إجلال للموت والمبالغة في الحزن على الموتى، حتى اعتبر البعض ذلك أحد ملامح الصورة القومية المصرية.
كما زاد من تكهنات المؤامرة أنه كان على متن الطائرة أكثر من ثلاثين عسكريًّا من رتب وسيطة ومتقدمة «لا ندري لماذا ركبوا جميعًا في طائرة واحدة؟»، ووصل الأمر إلى حد اتهام الأمريكيين بتبديل صندوقي الطائرة اللذين أعلن عن العثور على أحدهما، وبه تلف ولم يعثر على الآخر، لأن هناك إشارتين تصدران من أعماق المحيط! «لماذا لا يتم الكشف عن مصدر الإشارتين معًا؟».
وقد لا يفهم رجل الشارع لماذا تم تجميع كامل أجزاء طائرة تي دبليو إيه الأمريكية التي سقطت قريبًا من المنطقة ذاتها، بينما لم يتم انتشال ولا حتى أجساد ضحايا الطائرة المصرية.
وربما كانت الحكومة المصرية راضية عن هذه الغضبة الشعبية نحو الولايات المتحدة.. فهنك أزمة صامتة بين حكومتي البلدين منذ فترة بسبب قضايا عدة، تشمل الموقف من مفاوضات التسوية النهائية والضغوط الأمريكية لتطبيع بعض الدول العربية مع الكيان الصهيوني، وآخرها الموقف المستهزئ الذي عبرت عنه وزيرة الخارجية الأمريكية تجاه المبادرة المصرية- الليبية بشأن السودان.. وحيث إن الحكومة المصرية لا تستطيع أن تصرح بالضيق أو الغضب من الموقف الأمريكي، فقد تكون- رغم فداحة الكارثة- «تضحك في كمها» بسبب الغضب الشعبي المصري على الإدارة الأمريكية.