; آفات على الطريق (25) - الغضب.. آثاره وعلاجه (3-3) | مجلة المجتمع

العنوان آفات على الطريق (25) - الغضب.. آثاره وعلاجه (3-3)

الكاتب أ.د. السيد محمد نوح

تاريخ النشر الثلاثاء 05-يوليو-1994

مشاهدات 101

نشر في العدد 1106

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 05-يوليو-1994

·       من علاج الغضب الدعاء إلى الله أن يشفي القلوب مما بها من غيظ، وأن يسكب فيها الرضا والرحمة والشفقة على عباد الله.

للغضب آثار ضارة، وعواقب مهلكة على العاملين، وعلى العمل الإسلامي، ودونك طرفًا من هذه الآثار، وتلك العواقب:

أ - على العاملين:

فمن آثار الغضب على العاملين:

1- الإضرار بالبدن: ذلك أن الغضب ينشأ من غليان الدم في القلب، ثم اندفاعه في العروق، كما يظهر من احمرار الوجه والعينين، وتكرار ذلك ينشأ عنه غالبًا ضغط الدم، وربما تصلب الشرايين، ثم الشلل والعياذ بالله، وهكذا ينتهي الغضب إلى الإضرار بالبدن.

2- نقصان الدين: ذلك أن الغضب قد يؤدي بصاحبه إلى غيبة الآخرين، وربما إلى انتهاك أعراضهم، وسلب أموالهم، وسفك دمائهم، وذلك كله إثم، ونقصان في الدين.

3- عدم القدرة على الإمساك بزمام النفس: ذلك أن العقل في ساعة الغضب يكون كالمستور أو كالمغطى، وإذا ستر العقل أو غطى صار الإنسان غير قادر على الإمساك بزمام النفس، وحينئذ يصدر منه ما لا يحمد عقباه وما يؤدي إلى الندم، ولكن بعد فوات الأوان.

وقد قال سليمان بن داود عليهما السلام: إياك وكثرة الغضب، فإن كثرة الغضب تستخف فؤاد الرجل الحليم(1).

وعن وهب بن منبه: «أن راهبًا كان في صومعته، فأراد الشيطان أن يضله فلم يستطع فجاء حتى ناداه، فقال له: افتح فلم يجبه فقال: افتح فإني إذا ذهبت ندمت فلم يلتفت إليه... قال: فولى مدبرًا، فقال الراهب: ألا تسمع؟ قال: بلى، قال: أخبرني أي أخلاق بني آدم أعون لك عليهم؟ فقال: الحدة، إن الرجل إذا كان حديدًا قلبناه كما يقلب الصبيان الكرة»(2).

وقال بعضهم لولده: «يا بني لا يثبت العقل عند الغضب، كما لا تثبت روح الحي في التنانير المسجورة، فأقل الناس غضبًا أعقلهم، فإن كان للدنيا كان دهاء، ومكرًا، وإن كان للآخرة كان حلمًا، وعلمًا، فقد قيل: الغضب عدو العقل والغضب غول العقل»(3).

4- الوقوع في مذلة الاعتذار: ذلك أن المغضب يقع منه حال الغضب ما لا يدري ولا يشعر به، وهذا بدوره يوقعه في مذلة الاعتذار. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ارتكاب كل ما يؤدي إلى الوقوع في مذلة الاعتذار، فقال: «إياك وكل ما يعتذر منه»(4). وكان بعضهم يقول: «إياك والغضب، فإنه يصيرك إلى ذلة الاعتذار»(5).

5- العذاب الشديد: إذ الغضبان كثير الخطأ والوقوع في المعاصي والسيئات، وهذه توجب العذاب الشديد في الآخرة فقط أو في الدنيا والآخرة جميعًا وصدق الله إذ يقول: ﴿وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّه يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ (الجن: 17)، ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ (طه: 124).

وصدق النبي إذ يقول: وقد سأله عبد الله بن عمرو بن العاص ما ينقذني من غضب الله؟ «لا تغضب»(6)، وإذ يقول وقد سأله أبو الدرداء قائلًا: دلني على عمل يدخلني الجنة: «لا تغضب»(7).

ب- على العمل الإسلامي:

ومن آثار الغضب على العمل الإسلامي:

1- قلة كسب الأنصار والمؤيدين: ذلك أن النفوس تألف العاقل المنضبط الحكيم في تصرفاته وتقبل عليه، وتلتف حوله وتعينه وتؤازره ما استطاعت أما الطائش الأرعن في سلوكياته، وتصرفاته فإنها تعرض وتنفض عنه، وعليه فإذا كان العاملون لدين الله ممن يغضبون لأنفسهم ويطيرون لكل هيعة ويستجيبون لكل مثير دون تقدير للنتائج أو العواقب، فإن الناس لن يقبلوا على هؤلاء العاملين، ولن يؤازروهم، ويخسر العمل الإسلامي بذلك كثيرًا من الأنصار والمؤيدين.

2- الفرقة والتمزق: وثمة أثر ثان على العمل الإسلامي من وراء الغضب، ألا وهو الفرقة والتمزق، ذلك أن الغضب للنفس يعني أن العمل لغير الله، وكل ما كان كذلك فلن يرجى من ورائه مودة أو ترابط بل على العكس تكون الفرقة والتمزق فقد جاء في الحديث قوله.... و«الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف»(8).

3- طول الطريق وكثرة التكاليف: والأثر الأخير للغضب على العمل الإسلامي إنما هو طول الطريق وكثرة التكاليف، وهذا أمر بدهي، إذ إن قلة كسب الأنصار، والمؤيدين، مع شيوع الفرقة والتمزق ينتهيان حتمًا بهذا العمل إلى طول الطريق وكثرة التكاليف.

خامسًا: علاج الغضب

وما دمنا قد وقفنا على ماهية الغضب وحقيقة موقف الإسلام منه، والأسباب الحاملة عليه، وآثاره على العاملين، وعلى العمل الإسلامي، فقد صار سهلًا وميسورًا أن نرسم طريق العلاج، بل طريق الوقاية من هذا الغضب وتتلخص هذه الطرق في:

1- التبصير بالآثار الضارة، والعواقب المهلكة المترتبة على الغضب سواء على العاملين أو على العمل الإسلامي دنيوية كانت أو أخروية فإن مثل هذا التبصير يفيد في تحريك النفس من داخلها، فإذا هي ساعية في طريق العلاج، بل الوقاية من هذا الداء.

2- تطهير البيئة التي يعيش فيها المرء في البيت أو في المجتمع من هذا الداء ما أمكن، وإلا لزم التحول إلى بيئة أو إلى وسط آخر نظيف يساعد على التخلص بل الوقاية من هذا الداء.

3- التداوي من المراء أو الجدل، وكذلك من المزاح بالباطل، فإن التداوي منهما يقضي على رافدين في غاية الأهمية بالنسبة للغضب من باب أن القضاء على الداء ينبع من القضاء على أسبابه.

4- عدم العدوان على الآخرين ظلمًا وعدوانًا فإن مثل هذا العدوان يحمل على الرد مهما تكن التكاليف والتضحيات، وهناك ألف طريق وطريق لعلاج الخطأ، وآخرها العدوان من باب أن آخر الداء الكي.

5- التحرر من الاستعلاء والتكبر في الأرض بغير الحق، مع التحلي بنقيضهما، وهو التواضع، فإن ذلك من شأنه أن يحمل المعروفين بالغضب عند رؤية هؤلاء، وقد تحرروا من أمراضهم أو أدوائهم أن يتخلصوا بل أن يتوقوا هذا الغضب.

6- قيام الأمة حكامًا ومحكومين بواجبهم نحو المعروفين بالغضب مرة بالنصيحة، ومرة بالإنكار، ومرة بالتخويف، ومرة بالثواب ومرة بالهجر والمقاطعة وهكذا، فإن القيام بمثل هذا الواجب يفيد كثيرًا في التخلص بل الوقاية من هذا الداء.

7- إنزال الناس منازلهم، وإعطاؤهم حقهم من الاحترام والتقدير وتجنب وصفهم بما لا يليق أو بما لا ينبغي، فإن هذا من شأنه أن يحمل على التخلص بل الوقاية من هذا الداء.

8- عدم إثارة العداوات أو الثارات القديمة فإن ذلك من شأنه أن يقضي، بل يقي من الوقوع في هذا الداء.

9- تغيير الحال التي يكون عليها الإنسان ساعة الغضب بأن يتوضأ أو يغتسل، ويجلس إن كان قائمًا، ويمرغ خده ووجهه في التراب إن كان جالسًا، ويكثر من ذكر الله دعاءً، وتوبة واستغفارًا، وثناءً على الله- تبارك وتعالى.. أو يمشي إن كان واقفًا وهكذا حتى تهدأ ثائرته ويعود إلى رشده وصوابه.

ولقد أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا الدواء إذ يقول سليمان بن صرد: استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم ونحن عنده جلوس، وأحدهما يسب صاحبه، مغضبًا قد احمر وجهه، فقال النبي: «إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم». فقالوا للرجل: ألا تسمع ما يقول النبي: قال: إني لست بمجنون!(9).

ويقول صلى الله عليه وسلم في حديث طويل: «... ألا وإن الغضب جمرة في قلب ابن آدم، أما رأيتم إلى حمرة عينيه، وانتفاخ أوداجه، فمن أحس بشيء من ذلك فليلصق بالأرض» الحديث(10).

وعن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبي ذر قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا: «إذا غضب أحدكم، وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب، وإلا فليضطجع»(11).

وعن أبي وائل القاص قال: دخلنا على عروة بن محمد السعدي، فكلمه رجل فأغضبه، فقام فتوضأ، ثم رجع وقد توضأ، فقال حدثني أبي عن جدي عطية، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ»(12).

10- تذكير الغضبان بحاله وقت الغضب وأنه أشبه ما يكون بالمجانين، أو بالوحش الهائج، وأن مثل هذا ما لا يليق بإنسان خلقه ربه في أحسن تقويم، وفضله على كثير من خلقه إذ يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء: 70) ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (التين: 4)، فلعل مثل هذا التذكير يفيد في العلاج بل الوقاية من الغضب.

11- لفت النظر إلى ضرورة مجاهدة النفس ضد الغضب، وأن هذه المجاهدة دليل القوة والشجاعة حقًا، إذ يقول صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد بالصُّرَعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»(13)، فإن مثل هذا الأسلوب كثيرًا ما يفيد في العلاج بل الوقاية من الداء.

12- بيان الأجر الذي ينتظر المسلم حين يجاهد نفسه، ويكظم غيظه، إذ يقول سبحانه ﴿وَٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلْإِثْمِ وَٱلْفَوَٰحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ (الشورى: 37)، ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران: 133- 135).

وإذ يقول صلى الله عليه وسلم: «ما جرع عبد جرعة أعظم أجرًا من جرعة غيظ كظمها ابتغاء وجه الله تعالى»(14). «من كتم غيظًا، وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق، حتى يخيره من الحور العين، يزوجه منها ما شاء» (15)، فإن من لاح له بريق الأجر هانت عليه مشقة التكليف.

13- دوام المعايشة لكتاب الله وسنة رسوله محمد، فإنهما يبصران بالطريق، ويربيان ملكة التقوى، وهما خير ما يعين على التخلص بل الوقاية من الغضب.

14- النظر في تاريخ من عُرف عنهم كظم الغيظ والتحلي بالحلم والعفو كالأحنف بن قيس وعمر بن عبدالعزيز، والشافعي وغيرهم، فإن هذا النظر يحمل على الاقتداء والتأسي أو على الأقل المحاكاة والتشبه.

15- الدعاء إلى الله أن يشفي القلوب مما بها من غيظ وأن يسكب فيها الرضا، والرحمة والشفقة على عباد الله، فإن الدعاء سهام نافذة لا تكاد تخطئ بل هو العبادة حقًا.

الهوامش

1-3- انظر: إحياء علوم الدين للغزالي 2/ 245-246.

4- الحديث أورده الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة المجلد الأول: الجزء الرابع ص 7 حديث رقم 354 نقلًا عن الضياء المقدسي في المختارة من حديث شبيب بن بشر عن أنس بن مالك مرفوعًا بهذا اللفظ وعقب عليه بقوله: قلت: وهذا سند حسن رجاله ثقات، وفي شبيب كلام لا يضره. انظر: إحياء علوم الدين للغزالي 246/3.

5-7- الأحاديث سبق تخريجها.

8- الحديث سبق تخريجه.

9- الحديث أخرجه البخاري في الصحيح كتاب بدء الخلق باب صفة إبليس وجنوده 150/4 - 151، وكتاب الأدب باب الحذر من الغضب 34/8 - 35، ومسلم في الصحيح كتاب البر والصلة والآداب باب فصل من يملك نفسه عند الغضب وبأي شيء يذهب الغضب 4/ 2015 رقم 2610 «109- 110»، وأبو داود في السنن كتاب الأدب باب ما يقال عند الغضب 140/4 رقم 4781 كلهم من حديث سليمان بن صرد مرفوعًا، واللفظ للبخاري.

10- الحديث أخرجه الترمذي في السنن كتاب الفتن: باب ما جاء فيما أخبر النبي أصحابه بما هو كائن إلى يوم القيامة 419/4 - 420 رقم 2191، وأحمد في المسند 19/3، 61 كلاهما من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا، وعقب الترمذي على حديثه بقوله: وهذا حديث حسن صحيح.

11- الحديث أخرجه أبو داود في السنن كتاب الأدب: باب ما يقال عند الغضب 141/5 رقم 4782، 4783 بإسنادين إلى النبي صلى الله عليه وسلم الأول مسند متصل، والآخر مرسل، وقال عن الآخر: هذا أصح الحديثين.

12- الحديث أخرجه أبو داود في السنن كتاب الأدب باب ما يقال عند الغضب 141/5 رقم 4784 بالإسناد المذكور، وبهذا اللفظ، وهو مرسل.

13- الحديث سبق تخريجه.

14- الحديث أخرجه ابن ماجه في السنن كتاب الزهد باب الحلم 1401/2 رقم 4189، وأحمد في المسند 128/2 كلاهما من حديث ابن عمرو مرفوعًا، وأورده البوصيري في مصباح الزجاجة 132/4 وعقب عليه بقوله: هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عمر أيضًا.

15- الحديث أخرجه أبو داود في: السنن كتاب الأدب باب من كظم غيظًا 248/4 رقم 4777 من حديث سهل بن معاذ عن أبيه به مع اختلاف يسير، والترمذي في السنن كتاب البر والصلة باب في كظم الغيظ 226/4 - 227 رقم 2021، وعقب عليه بقوله: هذا حديث حسن غريب، وأحمد في المسند 438/3، 439، 14/4 وأورده الألباني في صحيح الجامع الصغير 351/5 من حديث معاذ بن أنس مرفوعًا بهذا اللفظ.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2099

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 2

209

الثلاثاء 24-مارس-1970

لم كل هذه الحرب؟