; الغزو الإسرائيلي للجنوب استراتيجية وليس تكتيكا | مجلة المجتمع

العنوان الغزو الإسرائيلي للجنوب استراتيجية وليس تكتيكا

الكاتب محمد عبد الهادي

تاريخ النشر الثلاثاء 15-يونيو-1982

مشاهدات 89

نشر في العدد 575

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 15-يونيو-1982

 بَعد الانسحاب من سيناء

  • الجنوب اللبناني كان ورقة مساومة ناورت عليها اسرائيل قبل انسحابها من سيناء.

  • الاجتياح الجديد يختلف عن الغزو الماضي للجنوب لأنه يدخل في إطار الحلم اليهودي بدولة إسرائيل الكبرى.

  • لن تنسحب إسرائيل وإذا انسحبت فسوف تحتفظ بجميع المواقع الاستراتيجية في الجنوب.

  • الغزو الإسرائيلي أوجد وحدة وطنية في المجتمع اليهودي.. كان بيغن يعاني من فقدانها.

لم تكن عملية اجتياح الجنوب اللبناني من قبل القوات اليهودية الغازية مفاجئة للذين يعرفون إلى أين وصلت المواجهة السياسية والعسكرية بين أمتنا وإسرائيل، فقد كان المراقبون السياسيون والعسكريون على حد سواء يتوقعون أن تقوم إسرائيل بعملية اجتياح واسعة وسريعة منذ يناير الماضي لدرجة أن كثيرًا من الصحف نقلت تصورًا خرائطيا وضح خطة الاجتياح الإسرائيلية وبالطريقة نفسها التي حدث منها الاجتياح في الأسبوع الماضي مع اختلاف بسيط في التفاصيل.

وكانت «المجتمع» في عدد من مقالاتها حذرت حكام الأمة الإسلامية من حقبة الغزو الإسرائيلي الأخير الذي سيكون واحدًا من أكبر فصول المساومة اليهودية - والدولية على المنطقة.

لقد كان واقع هذا الغزو ملحوظًا في عدد من مواقع السلوكية السياسية والعسكرية لحكومة العدو اليهودي. ومع ذلك فان أحدًا من حكام المنطقة - والذين يعرفون حقائق الأمور- لم يفكر بنتائج الغزو الأخير.. اللهم إلا إذا كان هنالك حسابات مكتومة لا يستحب أن تطلع الشعوب على بعض أرقامها.

ارهاصات ابتلاع لبنان:

قبل شهرين من الانسحاب الإسرائيلي من سيناء كانت إسرائيل تناور من أجل استغلال فرصة الانسحاب لانزال ضربة ساحقة بالمقاومة الفلسطينية في محاولة لترتيب الأوضاع على جبهتها الشمالية تحسبًا لطوارئ المستقبل.

  • فقامت بادئ ذي بدء بعملية تهييج للفلسطينيين داخل الأرض المحتلة وفي جنوب لبنان يوم أن افتعلت عملية اغتيال المصلين داخل الحرم القدسي في المسجد الأقصى ويومها بدأت تعمل على محورين:

الأول: تركيز الغارات الجوية وقذائف الدبابات والمدفعية على المراكز الفلسطينية في الجنوب لوضع فلسطينيي الجنوب في متاهة ردة الفعل.

الثاني: التمهيد لفرض إجراءات القوانين الإسرائيلية على فلسطينيي الضفة الغربية.

وكان المراد من كل ذلك حصر التحرك الفلسطيني وإرباكه تمهيدًا لضربة تريد أن تكون قاضية.

  • إعطاء الضوء الأخضر لسعد حداد في الشريط الحدودي بتوسيع شريطه مع ضمان إسرائيل بمساعدته في الاستيلاء على بعض المواقع الاستراتيجية في الجنوب.

  • تفاقم الصراعات بين الكتل الحزبية داخل الجهاز السياسي في إسرائيل حول كثير من الأمور جعل حكومة بيغن تجد الحل في جعل الجنوب اللبناني مسرحًا تتنفس على بساطه جميع الإشكالات الداخلية لحكومته مع اتجاهات المعارضة ولبيغن نفسه عشرات التصريحات الدالة على أن الجنوب اللبناني سيكون مرفأ للوحدة الوطنية الإسرائيلية في المرحلة القادمة.

حاجة الليكود للبقاء:

هنالك من يقول إن عملية الغزو جاءت تكتيكا إسرائيليا مساندًا لحكومة بيغن الحالية.. وهناك من يذهب إلى أن الغزو جزء من استراتيجية إسرائيل التي بدأتها بشن عدوانها على سورية ومصر والأردن عام ١٩٦٧.

ومهما يكن الأمر فإن الحديث عن توقيت الغزو لابد وأن يلقي الضوء الكاشف على مدى ما يمكن أن يحققه بيغن على المستوى الداخلي للمجتمع اليهودي في فلسطين المحتلة. 

لقد جاء توقيت الاجتياح الإسرائيلي مع تفاقم الوضع الداخلي للحكومة اليهودية، فقد بلغ العجز في الموازنة الإسرائيلية ٢ مليار و٤٠٠ مليون دولار في وقت أصبحت فيه حكومة بيغن على كف عفريت فالانتخابات الأخيرة أظهرت أن تجمع ليكود يعتمد في أغلبيته على صوت واحد فقط، حيث حصل على ٦١ صوتًا من أصل ١٢٠ في الكنيست الأمر الذي يجعل الليكود ضعيفًا جدًا في آمال البقاء والاستمرار، يضاف إلى هذا أزمة البطالة والعجز الاقتصادي والتضخم المرتقب.. وهذا ما يؤثر في ضعف الحكم؛ لذا فلابد من تحويل الأنظار إلى الخارج عن طريق عملية عسكرية جديدة.

  • سعد حداد كان ركيزة أساسية في الاجتياح الإسرائيلي الجديد.

وهكذا كان الغزو.. الذي جعل شمعون بيريز رئيس حزب العمل المعارض، وهو أكبر أحزاب المعارضة يقول:

«الآن أرى شعب إسرائيل في أكثر الأوقات بحاجة إلى وحدة وطنية».

دويلة حداد وتسهيل الغزو:

منذ الغزو الإسرائيلي السابق للجنوب وحكومة بيغن تخطط لتحقيق هدفها النهائي في الجنوب معتبرة أن الغزو السابق ساعدهم في وضع المرتكزات التي تسهل مهمة جيشها في كل لحظة تحتاج فيها إسرائيل للقيام بعملية ما في لبنان وكان أبرز ما فعلته إيجاد دويلة سعد حداد التي سهلت اليوم للجيش الإسرائيلي تحقيق سياسة بيغن التوسعية، وليس سرًا أن سياسة الجسور المفتوحة بين حداد وإسرائيل والتي وصلت إلى ذروة التعاون العسكري سهلت اليوم مهمة ضرب الفلسطينيين ونقل حرب لبنان إلى الجنوب تسهيلا لتحقيق أطماع إسرائيل التاريخية في أرض الجنوب ومياهه وبالاجتياح الأخير تتابع إسرائيل سياسة القضم التدريجي البطيء إلى أن تلتهم معظم لبنان في المستقبل.. بل لتلتهم لبنان وأراض عربية أخرى منطلقة نحو تحقيق دولة إسرائيل الكبرى.. لذلك حق لسعد حداد أن يتسلم قلعة الشقيف هدية من مناحيم بيغن في اليوم الثالث للغزو إثر لقاء حار بينهما كانت تغمره قبلات التهنئة بالسير على الجثث الفلسطينية التي لا نصير لها اليوم.

هل ستنسحب إسرائيل:

تتناقل وكالات الأنباء في تحليلاتها أخبارًا مفادها أن الإسرائيليين لابد أن ينسحبوا من أرض الجنوب بعد تحقيق أهدافهم بضرب الفلسطينيين وتحطيم المقاومة وتصفيتها، والواقع أن هذا القول فيه كثير من التفاؤل، فالإسرائيليون اليوم يتبعون سياسة هي أقرب إلى تأكيد نيتهم في الاستيطان ولو على التكونات الاستراتيجية لأرض الجنوب، ومن أبرز ما لاحظ حول هذه السياسة:

۱ - دعوة المقيمين في الجنوب إلى الهجرة والتخلي عن الأرض بدعوى خطر الإصابة والهلاك.

٢ - توسيع الدائرة التي يحكمها سعد حداد ومده بشتى وسائل العون.

3 - محاولة حصر الفلسطينيين «مبدئيًا» في بيروت والإحاطة بها للإجهاز عليهم في الوقت المناسب.

٤ - انسحاب قوات الردع السورية في اليوم الثالث للغزو إلى مسافة عشرة كيلومترات إلى الشمال باتجاه وسط البقاع.

كل هذا يؤكد أن الخطة الإسرائيلية اليوم تختلف عن الخطة السابقة التي اجتاحت إسرائيل على أساسها الجنوب، وهذا يعني أن الحكومة اليهودية لا تفكر الآن بالانسحاب كما تزعم بعد تصفية الأجنحة الفلسطينية المسلحة وإن كانت هذه التصفية واحدة من أهم أهدافها، وبالتالي فإن الغزو السابق إذ كان تكتيكا فإن الاجتياح الحالي استراتيجية تستهدف التوسع والعدوان المستديم؛ لأن الجنوب في المنظور الإسرائيلي هو أحد بدائل سيناء التي ردتها إسرائيل لمصر قبل شهر ونصف تقريبا.

تواريخ إسرائيلية في الجنوب اللبناني

هناك تشابه بين الغزو الإسرائيلي الحالي لجنوب لبنان والعمليات العسكرية الأخرى التي تمت في السابق للقضاء على مواقع الفدائيين الفلسطينيين الذين يحاربون لاستعادة وطنهم السليب، وكان بعض هذه العمليات غارات لقوات الكوماندوز وبعضها دام لعدة أيام، وكانت أكبرها عملية الليطاني عام ۱۹۷۸، لكنها بالطبع ليست بحجم الغزو الحالي.

فيما يلي بعض هذه العمليات:

  • ١٥ - ١٦ من شهر سبتمبر عام ۱۹۷۲: قدمت القوات الإسرائيلية باجتياح ست عشرة قرية وقصفت الطائرات مواقع للفدائيين الفلسطينيين في النبطية ومناطق أخرى، وقدر عدد القتلى بين الفدائيين الفلسطينيين بستين قتيلا، وتم تدمير ١٥٠ منزلا وجسرين فوق نهر الليطاني، وفقد الجيش اللبناني ١٨ جنديًا وجرح ٤٩ آخرون.

  • في ١٠ من إبريل عام ۱۹۷۳ تم إنزال قوات من المظليين وكوماندوز من رجال البحرية على الشاطئ اللبناني في منتصف الليل واستأجروا عددا من السيارات وذهبوا إلى بيروت حيث اغتالوا ثلاثة من قادة المنظمة في بيوتهم استمرت هذه العملية ساعتين ونصف، تم خلالها تدمير مصنعين للأسلحة ومراكز للجبهة الديمقراطية وهدفين آخرين في بيروت وصيدا.

  •   في ٢٥ مايو عام ١٩٧٥، خلال عمليات تمشيط إسرائيلية لمواقع الفدائيين على طول الحدود أصابت المدفعية اللبنانية دورية إسرائيلية قرب بلدة عيتا الشعب، فاستدعي الطيران الإسرائيلي لقصف المنطقة، نتج عن هذه العملية قتل جنديين إسرائيليين وسبعة جنود لبنانيين.

  •   في 5 أغسطس عام ۱۹۷5، قامت قوات كوماندوز إسرائيلية محمولة بحرًا تغطيها مدفعية بحرية وبرية بغزو قواعد للفدائيين في معسكر للاجئين شمالي صيدا ردًا على تسلل فدائي لفلسطين المحتلة. وفي وقت لاحق قصفت الطائرات المنطقة، وتم استشهاد ثلاثة وعشرين فلسطينيًا.

  • في ٢ ديسمبر عام ۱۹۷۵، قصفت طائرات إسرائيلية أهدافًا فلسطينية في مناطق شمال وجنوب لبنان نتج عن هذا القصف استشهاد أكثر من مائة شخص وجرح ١٥٠ آخرين وكان من بين هذه الأهداف مواقع للقوات الفلسطينية بالقرب من النبطية وطرابلس.

  • خلال شهري مارس ويونيو عام ۱۹۷۸، قامت القوات الإسرائيلية بعملية الليطاني، وكان يوم ١٤ مارس أوج هذه العملية التي جاءت بعد عملية فدائية على الطريق الساحلي بين حيفا وناتانيا قتل خلالها ٣٤ شخصًا.

وكانت هذه أكبر عملية منذ حرب عام ۱۹۷۳ اشتركت فيها قوات من المشاة والمدفعية والمدرعات والطيران والبحرية، وقدرت الحكومة اللبنانية عدد القوات التي اجتازت الحدود وقتها بـ ٢٠ ألف جندي. وبلغ عدد القتلى خلال هذه العملية التي استمرت ٩١ يومًا ٦٠٠ قتيل من الفدائيين والمدنيين اللبنانيين و۱۸ جنديًا إسرائيليًا.

  • في 9 أبريل عام ۱۹۸۰، قامت وحدات مدرعة إسرائيلية باحتلال الجنوب اللبناني لمدة أربعة أيام بعد هجوم فدائي قتل فيه ثلاثة إسرائيليين.

  • في ١٦ من شهر يوليو عام ۱۹۸۱، بعد أشهر من التوتر عبر الحدود وقوع إصابات بين الطرفين قصفت الطائرات الإسرائيلية مدينة بيروت فقتل حوالي ۳۰۰ شخص.

الرابط المختصر :