; الغزو الفكري للتـاريخ والسيـرة بين اليمين واليسار | مجلة المجتمع

العنوان الغزو الفكري للتـاريخ والسيـرة بين اليمين واليسار

الكاتب المستشار سالم البهنساوي

تاريخ النشر الثلاثاء 19-نوفمبر-1985

مشاهدات 49

نشر في العدد 742

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 19-نوفمبر-1985

التفسير التاريخي بين القرآن والفلسفات

لقد تعرض المؤرخون القدامى للتاريخ، وقد اقتصر الطبري «وهو من كبار المؤرخين المسلمين» على تسجيل الوقائع ونسبتها إلى الراوي لها، بينما اتخذ ابن خلدون موقفًا آخر، فنقد الروايات، ورفض ترهات الأحداث، ودرس الشؤون الاجتماعية والعمرانية؛ فهو أول من ربط بين التاريخ والاجتماع، وأول مؤسس لهذا العلم، وإن ظل الطبري هو أول عمل تاريخي مرسوم المنهج، أكمل به السابقين من المؤرخين كاليعقوبي والبلاذري والواقدي وابن سعد، وكلهم اتخذوا القرآن والسنة والسيرة النبوية منهجًا ومرجعًا في صناعة فن التاريخ (تاريخ الرسول والملوك لابن جرير الطبري جـ1 ص7 ومقدمة ابن خلدون، بتحقيق الدكتور علي عبد الواحد وافي جـ1 ص209 ط القاهرة).

ولكن يذهب محمد خلف الله إلى أن القرآن الكريم لم يقصد إلى التاريخ إلا في القليل النادر الذي لا حكم له، وأنه على العكس من ذلك عمد إلى إبهام مقومات التاريخ من زمان ومكان، ويبني على هذه المقدمة: «إن القوم قد عكسوا القضية حين شغلوا أنفسهم بالبحث عن مقومات التاريخ وهي غير مقصودة » (محمد أحمد خلف الله، الفن القصصي في القرآن الكريم ص9 ط مصر 1951).

ولكن القرآن الكريم بين أيدينا، وقد جاء فيه ذكر للتاريخ من حيث عنصر الزمن والمكان والأشخاص، ومن حيث المناهج، وكذا الاستفادة منها في حياة الإنسان، وهذا ما سجله الأستاذ الدكتور عبد العزيز كامل في دراسة علمية بعنوان «القرآن والتاريخ» في ثلاثة أقسام، الأول: عن عناصر التاريخ، والثاني: عن مناهج التاريخ، والثالث: عن صناعة التاريخ (القرآن والتاريخ ص12 و75، 103 دار البحوث العلمية الكويت).

وأما ما أورده السيد محمد رشيد رضا عن قصة آدم في القرآن من قوله: «يكون التاريخ غير مقصود له؛ لأن مسائله من حيث هو تاريخ ليست من مهمات الدين من حيث هو دين، وإنما ينظر الدين من التاريخ إلى وجه العبرة دون غيره، لم يبين الزمان والمكان كما بينهما سفر التكوين».

فهذا كما هو ظاهر خاص بقصة آدم والمكان والزمان الذي لم يذكره القرآن الكريم؛ لأنه في دراسته للعبرة في القصص القرآني بسوره، هو يبين الإعجاز العلمي في المسائل التاريخية والموضعية (تفسير المنار جـ1 ص279 وجـ12 ص42 طبعة القاهرة 1367ه) وسفر التكوين من التوراة سرد أحداث التاريخ من خلق آدم، وبين أنه عاش مائة وثلاثين سنة، وذكر أسماء ذريته اسمًا اسمًا، وعمرًا عمرًا حتى طوفان نوح (العهد القديم، سفر التكوين الإصحاح الخامس).

ويعقب الدكتور موريس بوكاي في دراسته العلمية أنه: «لكي نكون أكثر قربًا من الحقيقة لنقل: إن خلق العالم بحسب هذا التقدير العبري يحدد تقريبًا بسبعة وثلاثين قرنًا قبل الميلاد، وهناك إذن استحالة اتفاق واضحة بين ما يمكن استنتاجه من المعطيات الحسابية لسفر التكوين الخاصة بظهور الإنسان، وبين أكثر المعارف تأسيسًا في عصرنا» (دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة ص47 و275 ط مصر 1978).

ويقول: إن أقدم نص عبري للتوراة يرجع عهده إلى القرن التاسع بعد الميلاد، ثم يقارن ذلك بما جاء في القرآن عن خلق آدم وعن الرسل والكون والحياة، ويقول: «لا شيء في القرآن يناقض كل ما نعرف اليوم، ولا مكان مطلقًا للخرافة» (دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة ص47 و275 ط مصر 1978).

1- القرآن والتاريخ

1- يذكر الدكتور عبد العزيز كامل عناصر التاريخ في كتابه القرآن والتاريخ (القرآن والتاريخ ص13 إلى 24) فيذكر أنواع الزمان في القرآن، من زمان كوكبي نقيم عليه حساباتنا كقول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ (الإسراء: 12)، وهذا الزمان تتحد به أعمار الأفراد ومراحل السن والعبادات اليومية والسنوية كما في سورة الإسراء آية 12 و78، والأحقاف 15، والبقرة 185، كما يربط به أعمار الأمم وازدهارها وأفولها، كما في سورة القصص 78، والأحقاف 17.

كما يبين أن الزمان في القرآن الكريم قد ذكر الأماكن، فحدد المسجد الحرام كمركز هام، ومنطقة قلب للتاريخ الإنساني كما ذكر المكان في المناسك ونطاق الغزوات.

وعقب الدكتور عبد العزيز كامل على ذلك بقوله: «إن مركز التاريخ الإنساني كما يصوره القرآن الكريم هو البيت الحرام أول بيت وضع للناس، وحوله منطقة القلب التي ترتبط بها شعائر العبادات الأساسية من الصلاة والحج، ثم دائرة الغزوات حيث يتمثل الدفاع عن العقيدة وحمايتها، وتليها دائرة الاعتبار في القصص الممتد على المحورين الشمالي بفروعه والجنوبي، ثم دائرة واسعة غير محدودة تمثل وجوب السير في الأرض، لمزيد من الاعتبار».

المدى الزماني في القرآن والتنوع الموضوعي

ثم يبين المؤلف المدى الزماني الممثل في الأحداث كبدء الخلق ونهاية الدنيا، ثم أحداث التاريخ في القرآن، وهي مذكورة اختيارًا لا حصرًا، ويقول: تمثل أحداث قصص القرآن قطاعات متكاملة من حياة المجتمعات، وتبين مناشطها المتنوعة، ومع أن قصص الأنبياء أبرز ما في القرآن من تاريخ، إلا أن القصص القرآني تعددت فيه المحاور وزوايا الرؤية، وأبرز - إلى جوار الأنبياء - شخوص قاموا بأدوار إيجابية في تأييد الرسالة، وشخوص قاوموا الحق وحاربوه».

والذي يعنينا في هذه المرحلة هو إبراز التنوع الموضوعي في القصص ومن أمثلته الأساس العقائدي في قصة إبراهيم - وإن كان مشتركًا بين الأنبياء - والجانب الاقتصادي في قصة شعيب، والصناعي في قصة داوود، والقضائي في قصة سليمان، والتخطيطي في قصة يوسف، وقد جاء يوازن إيغال اليهود وقتئذ في المادية، وحرفية النصوص والرسوم، ثم تأتي الجهود المتكاملة في تكوين الفرد والأسرة والمجتمع والدولة، مع الاستفادة من التراث الإنساني السابق، وبناء المستقبل، في خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم (القرآن والتاريخ ص37 و99).

2- مناهج التفسير التاريخي 

إن الكتاب المسلمين الذين اهتموا بدراسة تفسير التاريخ، ركزوا على المقارنة بين الفلسفات التاريخية والنظريات البشرية وبين آيات من القرآن الكريم:

أ- فالأستاذ مظهر الدين صديقي في كتابه «المفهوم القرآني للتاريخ» 1965، عني بمفاهيم التاريخ في التوراة والإنجيل والقرآن مع مقارنة بين الفلسفات التاريخية الحديثة والمفهوم القرآني للتاريخ (القرآن والتاريخ ص37 و99).

ب- والأستاذ عبد الحميد صديقي في كتابه «تفسير التاريخ - 1980» يركز على فلسفة هيجل للتاريخ، وفلسفة ماركس للتاريخ، ويقارنهما بالتفسير الإسلامي للتاريخ (تفسير التاريخ ترجمة ناظم الحواري ط دار القلم الكويت 1980).

ج- والأستاذ عماد الدين خليل في كتابه «التفسير الإسلامي للتاريخ - 1978» فيه عرض ونقد للتفسير المثالي عند هيجل، والمادي عند ماركس، والحضاري عند توينبي، وقارن ذلك بما ورد في القرآن الكريم، مؤكدًا أن الإسلام يقيم الحياة على أساس التوازن (التفسير الإسلامي للتاريخ، ط دار العلم للملايين بيروت 1978).

د- والدكتور عبد العزيز كامل لا يضع صياغة نظرية شاملة إسلامية أو قرآنية في تفسير التاريخ؛ لأنه يوافق الأستاذ مظهر الدين صديقي أن القرآن يضع معطيات محددة للتاريخ وفلسفته، بغيرها لا نستطيع أن نتصور التاريخ في وضوح.

فهو لا يعرض المفهوم الحديث لفلسفة التاريخ عند الكتاب الذين يختلفون في هذه الفلسفات، ومدى اعتبارها قوانين نوعية تخضع لها كل المجتمعات على السواء، وإنما يسرد ما في القرآن الكريم من أمر الفطرة والسنن الثابتة بمفهومها القرآني مع الدراسة والتطبيق (القرآن والتاريخ ص101، 109، 115).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 47

0

الثلاثاء 16-فبراير-1971

مواقف!

نشر في العدد 38

147

الثلاثاء 08-ديسمبر-1970

مع القراء (38)