العنوان الغزو الفكري للتاريخ والسيرة بين اليمين واليسار.. التحقيق العلمي ومهزلة التحكيم
الكاتب المستشار سالم البهنساوي
تاريخ النشر الثلاثاء 26-نوفمبر-1985
مشاهدات 80
نشر في العدد 743
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 26-نوفمبر-1985
وقد سعى ابن العربي في كتابه «العواصم» إلى اعتماد منهج نقدي صارم في دراسة إحدى الفترات الخطرة في التاريخ الإسلامي: عصر الراشدين ومطلع العصر الأموي.. فنخل حشود الروايات التاريخية المتراكمة عن الفترة المذكورة، واختبرها اختبارًا دقيقًا وضرب بعضها ببعض، وأحال معطياتها على مصادر معرفية أخرى، وبخاصة القرآن والحديث.
يقول: «تحكم الناس في التحكيم فقالوا فيه ما لا يرضاه الله، وإذا لحظتموه بعين المروءة –دون الديانة- رأيتم أنها سخافة حمل على سطرها في الكتب في الأكثر عدم الدين، وفي الأقل جهل متين، والذي يصح من ذلك ما روى الأئمة كخليفة بن خياط والدارقطني: أنه لما خرج الطائفة العراقية مائة ألف، والشامية في سبعين أو تسعين ألفًا نزلوا على الفرات بصفين، اقتتلوا في أول يوم، وهو الثلاثاء، على الماء، فغلب أهل العراق عليه. ثم التقوا يوم الأربعاء لسبع خلون من صفر سنة «سبع وثلاثين» ويوم الخميس ويوم الجمعة وليلة السبت، ورفعت المصاحف من أهل الشام ودعوا إلى الصلح، وتفرقوا على أن تجعل كل طائفة أمرها إلى رجل حتى يكون الرجلان يحكمان بين الدعويين بالحق، فكان من جهة علي أبو موسى، ومن جهة معاوية عمرو بن العاص. وكان أبو موسى رجلًا تقيًا ثقفًا فقيهًا عالمًا أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن مع معاذ، وقدمه عمر وأثنى عليه بالفهم، بينما زعمت الطائفة التاريخية التركية، أنه كان أبله ضعيف الرأي مخدوعًا في القول، كما زعمت أن عمرو بن العاص خدعه عندما اتفق على أن يخلع كل منهما صاحبه ليعود الأمر للمسلمين ليختاروا خليفة من بينهم، فقالوا: إن عمرو بن العاص قدم أبا موسى الذي أعلن خلع الإمام علي، ثم وقف عمرو وقال: أثبت معاوية في الأمر كما أثبت سيفي في عاتقي، فأنكر أبو موسى ذلك، فقال عمرو: كذلك اتفقنا وتفرق الجميع على ذلك.
ولقد رد ابن العربي أن هذا كله كذب صراح، وإنما هو شيء أخبره المبتدعة، وإنما الذي رواه الأئمة الثقاة أن كل منهما عزل صاحبه، وقد ذكر الدارقطني أنه لما عزل ابن العاص معاوية وأبلغ ذلك سأل الحصين بن المنذر فأبلغه أن الذي بلغه صحيح، كما روى الدارقطني أن عمرو بن العاص قال: والله لئن كان أبو بكر وعمر تركا هذا المال وهو يحل لهما منه شيء لقد غبنا ونقص رأيهما. وأيم الله ما كانا مغبونين ولا ناقصي الرأي. ولئن كانا امرأَيْنِ يحرم عليهما هذا المال ما جاء الوهم إلا من قبلنا هامش ص 180.
«فهذا كان بدء الحديث ومنتهاه فأعرضوا عن الغاوين...» ص 177
وما هاتان المسألتان اللتان استشهدا بهما سوى نموذجين فحسب لمنهج ابن العربي، إذ إن الكتاب كله ميدان لهذا النمط من النقد وعدم التسليم الذي قد يخطئ وقد يصيب..
ظروف الحرب بين أم المؤمنين والإمام علي
بعد قتل عثمان وتلي الإمام علي الخلافة يروي سيف بن عمرو التميمي أن الفتنة ظلت قائمة، وكان المصريون يلتمسون الإمام علي فيبعد عنهم، ويطلب الكوفيون الزبير فيتبرأ منهم، فيطلبون سعد بن أبي وقاص، ويطلب أهل البصرة طلحة، ولقد رأى الإمام علي فقال: أهل الشام وسأل أهل المدينة ذلك قرأوا ومعهم الحسين بن علي التريث في ذلك، ولقد استغل المنافقون ذلك، وأشاعوا أن الإمام علي يرفض إقامة الحد على قتلة عثمان، ونادى قوم بذلك، فذهب طلحة والزبير إلى البصرة لجمع كلمة المسلمين، حتى لا يضطربوا فيقتتلوا، ووردت بذلك صحاح الأخبار، كما ذكر ابن العربي في العواصم ص 151.
ولكن المرجفين والمنافقين نقلوا أكاذيب راجت بين المسلمين:
1- قيل: إنهم خرجوا ومعهم عائشة لخلع الإمام علي، وهذا كذب عليهم، فقد نقل الحافظ ابن حجر في فتح الباري جـ 13 وص 14 قول المهلب: «إن أحدًا لم ينقل أن عائشة ومن معها نازعوا عليًا في الخلافة، ولا دعوا إلى أحد منهم ليولوه الخلافة».
2- وقيل: إنهم خرجوا يتهمون عليًّا بقتل عثمان، فأجاب ابن العربي «لئن اتهم عليّ بقتل عثمان فليس في المدينة أحد من الصحابة إلا وهو متهم به، لأن ألف رجل جاؤوا لقتل عثمان لا يغلبون أربعين ألفا» ص 165. وقال محب الدين الخطيب: ليس في أهل السنة رجل واحد يتهم عليًا بقتل عثمان لا في زماننا ولا في زمانه، ولكن الحمقى دسوا أخبارًا تفيد أنه لم يدافع عن عثمان خلافًا للحقيقة والواقع فقد أراد الدفاع وأبى عثمان ذلك.
3- والحقيقة أن سبب الحرب يرجع إلى أن عثمان بن حنيف وكان عمر قد ولاه مساحة في أرض العراق ثم ولاه على البصرة، قد أرسل حكيم بن جبلة إلى طلحة والزبير فقاتل مع ثلاثمائة وقتل، وكان حكيم يطيل لسانه في سب أم المؤمنين عائشة بينما كان رسول عائشة ينادي بالكف عن القتال فأبى حكيم ومن معه، ولما بلغ الإمام علي ذلك أرسل إلى عثمان بن حنيف يلومه ويصفه بالعجز. والروايات الصحيحة تفيد أن طلحة والزبير وعثمان بن حنيف كتبوا إلى الناس أن يكفوا عن القتال حتى يقدم الإمام علي، ولكن حكيم بن جبلة عارضهم وقاتل حتى قتل، وحكيم من زعماء الفتنة في مقتل عثمان، كما ذكر الطبري وغيره، فهؤلاء القتلة كانوا وراء هذه الحروب «الطبري جـ 5 ص 104، والإصابة جـ 2 ص 81، ومنهاج السنة لابن تيمية جـ 2 ص 185 والعواصم ص 156».
منهج ابن خلدون
أنه يلتقي مع ابن العربي في الدعوة إلى عدم التسليم بمعطيات مؤرخينا القدماء لكونها قد أصابها الخلط، وامتزج فيها الحق بالباطل. وقد أكد ابن خلدون هذه المعاني، وألح عليها في التمهيد الذي سبق مقدمته، وعاد لكي يؤكد لنا في أكثر من موضع في المقدمة نفسها.
يقول: «إن فن التاريخ - من الفنون التي تتداوله الأمم والأجيال وتشد إليه الركائب والرحال.. وهو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول.. وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل الكاينات ومبادئها وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها.. وأن فحول المؤرخين في الإسلام قد استوعبوا أخبار الأيام وجمعوها وسطروها في صفحات الدفاتر وخلطها المتطفلون بدسائس من الباطل.. وزخرف من الروايات المضعفة.. اقتفي تلك الآثار الكثير منهم بعدهم وأدوها إلينا كما سمعوها ولم يلاحظوا أسباب الوقائع والأحوال ولا رفضوا ترهات الأحاديث.. فالتحقيق قليل.. والغلط والوهم نسيب للأخبار، والتقليد عريق في الآدميين.. والناقل إنما هو يملي وينقل والبصيرة تنقد.. والعلم يجلو لها صفحات الصواب...» ويقول: «إن الأخبار إذا امتد فيها مجرد النقل ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماعي الإنساني، ولا قيس الغائب منها بالشاهد والحاضر بالذاهب، ربما لم يؤمن فيها من العثور، ومزلة القدم، والحيد عن جادة بصدق. وكثيرًا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل المغالط في حكايات الوقائع واعتمادهم فيها على مجرد النقل غثًا أو سمينًا، لم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار، ليضلوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط...».
ويعرض ابن خلدون للدوافع التي تقود إلى طرح الأكاذيب في الخبر التاريخي من أجل تشخيص مواطن العلة وتجنيب الباحثين قبول الأخطاء والأوهام فيقول: «لما كان الكذب متطرقًا للخبر بطبيعته وله الأسباب تقتضيه فمنها: التشيعات للآراء والمذاهب، فإن النفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبول الخبر أعطته حقه من التمحيص والنظر حتى يتبين صدقه من كذبه، وإذا خامرها تشيع لرأي أو نحلة قبلت ما يوافقها من الأخبار لأول وهلة وكان ذلك الميل والتشيع غطاء على بصيرتها من الانتقاد والتمحيص، فيقع في قبول الكذب ونقله، ومن الأسباب المقتضية للكذب في الأخبار أيضًا الثقة بالناقلين.