; الغزو الحضاري لا يقاوم إلا.. بغزو حضاري مضاد | مجلة المجتمع

العنوان الغزو الحضاري لا يقاوم إلا.. بغزو حضاري مضاد

تاريخ النشر الثلاثاء 26-ديسمبر-1972

مشاهدات 175

نشر في العدد 131

نشر في الصفحة 33

الثلاثاء 26-ديسمبر-1972

قراءه جديده للتاريخ

الصفحات الأخيرة من حضارتنا

بقلم الأستاذ عبد الحليم عويس

الغزو الحضاري

لا يقاوم إلا..

بغزو حضاري مضاد

عندما رحل الفاطميون إلى مصر سنة ٣٦٠ هـ، بعد أن أسسوا دولتهم بالمغرب العربي وعاشوا فيها أكثر من نصف قرن، خلفوا وراءهم قبيلة بربرية كبرى تدعى صنهاجة كي تحكم المغرب العربي «تونس والجزائر» نائبة عنهم وباسمهم، لقد كان إنتقال الفاطميين إلى مصر وتسليمهم الأمور لهذه القبيلة البربرية الكبرى حدثًا فاصلًا من أحداث المغرب العربي، إذ كان إعلانا ببداية عهد يحكم فيه البربر أنفسهم ويستقلون بحكم بلادهم، في ظل اعتراف بسلطة الدولة الفاطمية، وهو اعتراف من النوع الذي يمكن نقضه، لأنه لا تساعده قوى متمركزة عسكرية، ولا ولاء جماهيري عقائدي وبالتالي، فقد اعتبر هذا الحدث بداية عهد «حكم البربر للبربر»!!

وقد نشأ بعد رحيل الفاطميين أول دولة بربرية كبرى في الجزائر وتونس، هي دولة الصنهاجيين التي عرفت باسم دولة بني زيري بالنسبة إلى أول حكامها « بلكين بن زيرى الصنهاجي »، وقد نجح بلكين هذا في أن يقضي على الفتن الداخلية، وعلى الثورات القبائلية المجاورة على حدود البلاد، وحقق استقرارًا كبيرًا بالبلاد إلى أن مات سنة ٣٧٣هـ ( ٩٨٤م ) فخلفه ابنه المنصور بن بلكين، وكان من أعدل بنی زیری، فاستعمل السياسة والعنف معًا، ونجح في تصفية خصومه باللين والحكمة، والترهيب كذلك.

وقد لمس الفاطميون النية لدى حكام بني زيرى في الاستقلال، فحاولوا وضع العراقيل في وجه المنصور، إلا أن ساسته قد امتصت محاولاتهم.

وعندما مات سنة ٣٨٧ هـ خلفه أبنه باديس بن المنصور فسار على سياسة أبيه، ونجح كذلك في تحقيق الاستقرار للدولة، حتى مات سنة ٤٠٦ هـ ( ١٠١٥ م ).

لقد تولى الأمر بعد باديس أعظم ملوك بني زيري على الإطلاق «المعز بن بأديس» ولقد واجه المعز بن باديس وضعين جديدين كان لهما تأثيرًا كبيرًا على مستقبل الدولة.

أما الوضع الأول، فهو قيام حركة انشقاق في الدولة قادها أحد أعمام أبيه ويدعي «حمادا»، وكانت هذه الحركة قد بدأت منذ عهد أبيه واستنفدت من طاقة أبيه الكثير.

وأما الوضع الثاني فهو ميول المعز نفسه، إذ كان المعز قد تربى على يد رجل من رجالات السنة المالكية، ونشأ محبًا للمالكية والسنة.

وقد حاول منذ ولى تغيير مذهب الدولة، ففي سنة ٤٠٧ تغاضى، بل أوعز بطريقة غير مباشرة بقتل عدد كبير من مخالفي السنة والجماعة في مذبحة كبيرة.

لقد كان ابن باديس واقعيًا مع ظروفه وظروف دولته، وبالتالي فقد قبل انشقاق جزءًا من دولته في ظل سيادته هذا في الجانب الأول .

وفي الجانب الثاني كان واقعيًا كذلك، فتمهل في الأمور، ولم يقم بتغيير المذهب الشيعي، حيث كانت دولة الفاطميين في القاهرة قوية تستطيع تأليب القوى عليه، من داخل بلاده وخارجها.

ولقد عاش المعز بحكم دولته في هدوء قريبًا من خمس وثلاثين سنة أي إلى سنة ٤٤١هـ .

وفي السنة الأخيرة التي كان حاكم الدولة الفاطمية فيها هو المستنصر، أعلن انفصاله عن دولة الفاطميين، إذ كان المستنصر يعاني من تدهور كبير في الأوضاع، وكان المعز يعيش فترة تألق شديد.

لكن الفاطميين بمصر لم يستسلموا للضربة التي سددها إليهم المعز، وهم في الوقت نفسه، كانوا عاجزين عن توجيه ضربة مقابلة له، خضوعًا لظروفهم التي كانت تجنح إلى التدني والسقوط والأزمات الاقتصادية الشديدة.

ولم يعدم المستنصر الفاطمي أطول خلفاء الإسلام بقاء في الحكم وسيلة يضرب بها المعز.

وكانت الوسيلة التي رأها هي إطلاق القبائل العربية «الهلالية» كي يتقدموا للمغرب العربي، وقد استدعى رؤساءهم وأقنعهم بمحاولة امتلاك المغرب وأرسل إلى المعز خطابًا بذلك.

وكانت هذه القبائل حجازية استوطنت مصر، وتعيش بطريقة شبه فوضوية، وقد تقدمت هذه القبائل نحو المغرب في أعداد كبيرة يبالغ بعض المؤرخين في زعم أنها تتجاوز المليون.

لقد أتيح للمعز بن باديس فرصة ترويض هذه القبائل، لكنه لم يوفق إلى هذا النهج، وكانت هذه أكبر أخطائه.

وبالتالي، فقد تقدمت هذه القبائل تهلك الحرث والنسل وتخرب المدن والقرى وقضت على حضارة القيروان العظيمة، كما أن المعز لم يوفق في إعلان مواجهة حضارية في مقابل غزوة حضارية، ولقد كانت وشيجة الإسلام كفيلة بترويض هذه القبائل وباستغلالها وبالتالي بإحباط الهدف الذي سعى إليه المستنصر، لا سيما وأن هذه القبائل كانت تجنح إلى ما جنح إليه المغرب العربي في إيثار الجماعة والسنة.

وعندما يفشل المغزوون حضاريًا في إحداث غزو حضاري مضاد، يفقدون عنصر القدرة على البقاء.

إن الغزو الحضاري لا يقاوم بمجرد المقاومة، بل لا بد من امتصاصه بغزو حضاري مضاد.

وهذه القاعدة الحضارية قد غابت عن ذهن بنى زيري في تونس، فتهاووا  وتهاوت حضارتهم، وللأسف الشديد فان هذه القاعدة لا زالت غائبة عن ذهن كثير من المخدوعين والمهزومين. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 600

90

الثلاثاء 21-ديسمبر-1982

ثقافة (600)