; الغزو الثقافي والتحصين الحضاري | مجلة المجتمع

العنوان الغزو الثقافي والتحصين الحضاري

الكاتب خضير جعفر

تاريخ النشر الثلاثاء 01-سبتمبر-1998

مشاهدات 79

نشر في العدد 1315

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 01-سبتمبر-1998

الغزو الثقافي هاجس مرعب كثر الحديث عنه، والخوف منه، ولكن لا كثرة الحديث، ولا التخويف بقادرين على مواجهة الواقع، أو التقليل من أهمية الحدث، فوسائل الاتصال اختزلت المسافات، وحولت العالم إلى قرية صغيرة نصبت حولها كاميرات الأقمار الصناعية، لتصور كل حدث أو تنقل كل حديث، ولذلك شطبت التكنولوجيا الحدود وهدمت السدود وتجاوزت الخطوط والحراس والقيود، ولم تعد الفكرة والصورة والمعلومة بحاجة إلى جواز سفر، ولا إلى ترخصية جمركة، كما لم تعد قوانين المنع وفتاوى التحريم بقادرة على منع رياح الغزو الصفراء التي لن تحتاج بعد أشهر أو سنوات إلا إلى ضغطة زر على جهاز التلفاز لتضعك أمام عشرات، إن لم تكن مئات المحطات الفضائية. كي تنقل لك ما تريد وما لا تريد، وما تحب وما لا تحب، وما ينبغي وما لا ينبغي، كما أن أجهزة الكمبيوتر هي الأخرى لا تكلف الساعين إلى معرفة ما يجري على الضفة الأخرى من العالم غير تحريك الأصابع على لوحة المفاتيح لتنقلهم إلى ما لا حد له ولا عد من المعلومات ومخازن المعرفة الكبرى لكل شيء دونما تمييز بين الضار والنافع منها، وبذلك اقتحمت أبواب البيوت وشبابيكها والنوافذ لتنفتح على العالم كله أو ينفتح علينا بلا حجب ولا أستار وأصبحنا وجهاً لوجه أمام الواقع بكل تفاصيله دون رقابة رقيب، أو منع مانع اللهم إلا الحصانة الذاتية التي شكلت آخر أسوار حصوننا الداخلية والمهددة هي الأخرى بالتصدع أمام مواجهة تيار جارف من شلالات التحدي التي انسكبت منهمرة بلا انقطاع، لتحول سيول المأساة إلى طوفان لا عاصم له إلا من عصمه الله بتوفيقه. 

ما يخيفنا في ثورة المعلوماتية هذه ويرعبنا في انفجار المعرفة التكنولوجية القادرة على نسف الحدود ليس الغزو الثقافي، لأننا لا نرى في الأفق الغربي طلائع ثقافة غازية قادرة على التمدد على مساحات ثقافتنا الإسلامية الأصيلة واحتلال مواقعنا، ولكن خشيتنا تكمن في أننا أخلينا تلك المواقع وانسحبنا إلى الخطوط الخلفية في معركة الحضارات، ولذلك لا تجد الثقافة الغازية - رغم ضعفها - أدنى مقاومة، وبالتالي لا يعني احتلالها لمواقعنا المتقدمة خسارتنا لمعركة ثقافية بقدر ما يعني أنها وجدت مناطق فراغ ومواقع خالية في قلوب بعض ناشئتنا، فملأتها بالهابط المتدني من الموضات والصرعات التي لا يمكن أن نطلق عليها لفظة ثقافة، وإنما هي ألوان باهتة لسقوط حضاري نقلتها لأمتنا وسائل تكنولوجية متطورة، فظهرت وكأنها قرين للتطور الصناعي، توأم له في عملية التباس أفقد بعض شبابنا الوضوح في الرؤية والقدرة على التشخيص الواعي بين ما هو مدني مادي تكنولوجي، صناعي، وبين ما هو حضاري قيمي، أخلاقي ثقافي.

وإلا فليس هناك من غزو ثقافي حقيقي يهددنا بقدر ما هو مؤامرة تسويق للرذيلة والإفساد الأخلاقي، الذي نسجت لحمته وسداه أصابع صهيونية وصليبية واستكبارية حاقدة ضربت رياحها العاتية دنيا الغرب، ثم انتقلت عدواها إلى الشرق، الذي لم يمتلك المناعة الذاتية التي تؤهله لمقاومة جراثيم التعفن الأخلاقي ولا يملك أمصال الوقاية ولا لقاحات التحفز ضد أوبئة الضياع. ورغم كل ذلك فلا زالت جذور الخير، وبذور الفطرة السليمة تهب أبناء العالم الإسلامي من أسلحة المقاومة ما يحول دون انتشار أوبئة الحضارة المادية في جسد الأمة الإسلامية المرحومة.

وهذا ما أكدته الأرقام والإحصائيات الرسمية، حيث لا زال عالمنا الإسلامي عصياً متماسكاً لم يفتك به الإيدز، ولم تحل عرى تماسكه الاجتماعي مخاطر الإباحية، ولم تنسف قيمه الخيرة رياح التحلل التي اجتاحت العالم كله، ولم تقو حتى قلاع الكنائس من دفع شر أعاصيرها، وهكذا يتحول الغرب بأسره إلى عملاق مادي، ولكنه في الاتجاه الآخر قزم حضاري لا يمكن لكل آلات التكنولوجيا أن تنقذه من وهدة السقوط، وهو ما يضع المسلمين أمام مسؤولياتهم التاريخية ودورهم الريادي لإنقاذ العالم كله من وهدة الضياع في صحاري البؤس المادي البغيض.

 إننا اليوم أصحاب الثقافة المنقذة والحضارة البديلة التي بإمكانها أن توقف قطار التردي الأخلاقي المتسارع نحو وديان الدمار وهو ما يغير مسار الغزو الثقافي لنكون رجاله وأبطاله، لا أن نصير موضوعه وضحاياه، لأن ما في أيدينا من أسلحة حضارية وقيم ثقافية ومضامين أخلاقية تؤهلنا لقيادة الركب البشري في عملية تغيير لمقود الغزو الثقافي بالاتجاه الصحيح وإن ما نملكه من أسباب القوة والأصالة والقيم الخيرة والفضيلة تمكننا لأن نغزو - فاتحين - العالم بثقافة الإسلام وقيمه الخالدة المنقذة، شريطة أن نمتطي صهوات آليات العصر وآلاته وبما يدعم حركتنا الحضارية وتوجهاتنا الإنقاذية، بعد أن نغير أنفسنا ومناهج تفكيرنا ونطور وسائل عملنا وأساليبه وفقاً لمتطلبات العصر ومقتضيات الزمان ومصلحة الإنسان، وأن نتخلى عن أساليبنا القديمة العاجزة عن الإقناع والفاقدة لعنصر الجدة والحداثة والعصرنة والإبداع وأن نعترف أولاً وقبل كل شيء بتخلفنا وسوء استخدامنا للمسجد والمحراب والمنبر والخطاب والصحيفة والكتاب. في عالم أصبح فيه الديكور فناً، والعرض علماً، والجمالية في الأداء أسلوباً ناجحاً ناجعاً في الإقناع وكسب الأصوات، والحصول على الإجماع.

 وإذا ما اجتمعت أسباب النجاح الحضاري المتمثلة في حاجة العالم إلى من ينقذه من الضياع وامتلاكنا لقيم السماء السامية المنقذة فإن آليات العمل وأساليبه الصحيحة المتطورة من شأنها أن تحل مشكلات الحياة وتنقذ الإنسانية من بؤس المادية، وخواء الحضارات وهذا ما يمكن النهوض به فيما لو تسلحنا بالوعي، وتبنينا المنهج العلمي الصحيح واستثمرنا الخزين الثقافي والحضاري الإسلامي، وتعاملنا بأخلاقية الإسلام وقيمه العليا، وعندها سيكون للغزو الثقافي معنى آخر، وساحات أخر، وفرسان آخرون هم . بالتأكيد - حملة الوعي الإسلامي ورجال الحضارة الإسلامية الرائدة.

ولذلك فنحن المؤهلون للغزو الثقافي، ونحن القادرون على الغزو وقهر الغزاة في معركة الثقافة وصراع الحضارات، وفي ذلك قرآن يصدع ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (القصص: ٥)

الرابط المختصر :