العنوان الغرب يعاني من سوء استعمال الحرية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 02-نوفمبر-1971
مشاهدات 83
نشر في العدد 84
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 02-نوفمبر-1971
الغرب يعاني من سوء استعمال الحرية
مجنون يدعو إلى نزع الحرية
عن الإنسان
إعداد: قسم الترجمة
طالما تساءل البشر منذ قديم الزمن عن حرية الإنسان وعن مدى قدرته على تحقيقها وقامت مدارس فلسفية كرست جهدها الفكري حول بحث موضوع الحرية في المجتمع الإنساني بعضها يؤكد أن الإنسان ولد حرًا ولديه القدرة على الاختيار وتوجيه مصيره ومستقبله وبعضها ينكر على الإنسان القدرة على السيطرة على سلوكه ونوازعه واستغلت النظم السياسية وبالذات الديكتاتورية منها زعم المدارس التي تنفي عن الإنسان الحرية لتكرس بقاءها وتعسفها واضطهادها للإنسان وعلى الرغم من أننا نعيش في عصر يهلل لحرية الإنسان إلا أن أحد أساتذة جامعة هارفارد لا يرى ذلك بل يذهب إلى أبعد مما ذهب إليه أسلافه الأقدمون الذين وضعوا اللبنات الأولى في صرح الديكتاتورية السياسية فهو يرى أن اقتناع الإنسان بأنه حر يهدد مستقبل الحرية ذاتها وأسلوب الحياة في المجتمع الغربي بأجمعه، وقد ضمن آراءه هذه في كتاب أسماه «ما وراء الحرية والكرامة»، والبروفسير سكينر يعتبر من أكبر علماء علم النفس السلوكي في العصر الحاضر ورأيه يتلخص في أننا أصبحنا لا نستطيع تحمل أعباء وتكاليف الحرية ولذلك يجب أن يحل مكانها السيطرة والتوجيه على الإنسان وسلوكه وثقافته، وهذه النظرية ليست من اختراع روائي يستمد أفكاره من الخيال ولكنها من وضع رجل علم كرس حياته منذ عام ١٩٤٨ لدراسة السلوك الإنساني وهذا ما جعل كتابه محل اهتمام و آثار حوله نقاشًا حادًا في الأوساط العلمية، والشيء الوحيد الذي يتفق فيه سكينر مع أسلافه من فلاسفة اليونان هو أنه يتصور مجتمعا مثاليًا «يوتوبيا»، فهو يأمل ويبشر بمجتمع يسود فيه الصالحون والطيبون من البشر ويريد بالنسبة للبشرية ألا تشكو من الجوع وأن يعيش الناس في بيئة نظيفة من فضلات الصناعة وأن يكونوا آمنين من خطر الحرب الذرية، كما يريد ثقافة إنسانية قائمة على الأسس الآتية: الملكية العامة للأرض والمباني والعلاقات المتساوية بين الرجال والنساء وتكريس كثير من الوقت للآداب والموسيقى والفنون والمدهش حقًا أن أهم هذه المبادئ هو التحرر من فكرة الحرية كمثال والحلم بها، ولكنه بين ثنايا الكتاب يعترف بأن مفهوم الحرية قد لعب دورًا خطيرًا في مجهودات الإنسان الناجحة في الإطاحة بالطغاة وكانت فكرة الحرية هي التي تعطيه الشجاعة وتدفعه إلى الأعمال الخارقة ثم يعود مرة أخرى ليؤكد أن نفس هذا المفهوم الذي ارتفع بالإنسان إلى هذه الآفاق أصبح يهدد استمرار الوجود الإنساني نفسه في القرن العشرين ويقول هو نفسه عن كتابه « إن كتابي ليس سوى محاولة لإظهار كيف تسوء أحوال العالم حينما نجعل من الحرية الشخصية والكرامة معبودًا نقدم له القرابين، فاذا أصررت علي بأن الحقوق الفردية هي الخير الأسمى في هذه الحياة فإن البناء الاجتماعي كله سوف يتداعى» والواقع أن سكينر يؤمن في قرارة نفسه بأن الثقافة الغربية سوف تنحل وتموت ويحل مكانها في الصدارة الثقافات ذات النظام الصارم مثل ثقافات الاتحاد السوفياتي والصين الشيوعية، وإن حدث ذلك فإن الإنسان الغربي سوف يفقد صورة الخلود الوحيدة التي يستطيع أن يأمل بها ألا وهي بقاء وخلود أسلوبه وطريقته في الحياة، والحجة التي يسوقها سكينر هي أن الحرية والإرادة الحرة ليسا سوى وهم كبير فسواء قبلنا ذلك أم رفضناه فإن الإنسان الآن مسير بالمؤثرات والنفوذ الخارجي وبعض هذه المؤثرات جاءت عفو الخاطر وبعضها الآخر أتى عن طريق منظمة ودقيقة من تدبير رجال أشرار ذوي أهداف أنانية بدلا من أن تكون لهم أهداف إنسانية والحل كما يقترحه سكينر هو إقامة ثقافة تستطيع -نظريًا- أن تخلد وحجر الزاوية في هذه الثقافة هو أن تقرر كيف يجب أن يتصرف الإنسان ليؤمن بقاء هذه الثقافة وخلودها في عالم الواقع والحقيقة كما تخطط هذه الثقافة لنفوذ البيئة وتأثيرها مما يحقق ضمان التصرف المطلوب والصحيح من الإنسان وبذلك فإن الإنسان -في عالم سكينر- سوف يتمنع عن التكاثر وزيادة عدد السكان وعن الإضراب والتخريب وعن إعلان الحروب وخوض غمارها ليس لأنه يعلم بأن النتائج ستكون خطيرة ولكن لأنه شكل وتكيف بطريقة تجعله يريد ويسعى وراء الأشياء والأفعال التي تخدم مصالح المجموع.
والسؤال هو هل قيام مثل هذا العالم ممكن في الواقع؟ سكينر يؤمن بأنه يمكن تحقيق ذلك العالم فهو يؤكد بأن السلوك الإنساني يمكن التنبؤ به ويمكن تشكيله وصياغته بنفس الدقة التي تشكل بها التفاعلات الكيمائية في المعمل والطريق إلى ذلك لن يأتي إلا من خلال ما أسماه «تكنولوجيا السلوك» وهو علم جديد متطور للسيطرة والتوجيه يهدف إلى تغيير البيئة أكثر من تغيير الإنسان ويبحث في تغيير الأفعال أكثر من تغيير المشاعر، وهذا العلم قلب المفاهيم المألوفة في علم النفس إذ يحول الاهتمام و التأكيد من العالم داخل الإنسان أو العقل الباطن إلى العالم خارج الإنسان أي إلى البيئة، وهذا يقودنا إلى حقيقة أساسية في اقتراب سكينر من مشكلة تكييف الإنسان والسيطرة عليه فهو يعتقد أن السلوك الإنساني لا يحدد من داخله، ولكن من الخارج أي أنه مشروط بالعوامل الخارجية وهو هنا يقول أحيانًا حينما لا نستطيع تفسير كيف ولماذا يتصرف إنسان ما بصورة معينة فإننا نرجو ذلك إلى إنسان آخر في داخله. وهذا عين الخطأ وقد ورثنا فكرة أن الإنسان يبدع ويأخذ المبادرة ويؤلف ويفكر بمؤثرات داخلية من اليونان وهذا ما جعلهم يعتقدون أن مثل هذا الإنسان إنما هو شيء مقدس لأنه يتمتع باستقلال ذاتي، ولكن سكينر يصر على أن هذه الذاتية إنما هي خرافة مضحكة وأن الاعتقاد بأن هناك «إنسانًا آخر في داخلنا» هو أيضًا خرافة نبعت من عدم قدرة الإنسان على فهم العالم من حوله، وبازدهار علم السلوك فإن هذا الفهم قد زاد و نمى ولم نعد بحاجة إلى الاعتقاد في مثل هذه الخرافات التي تقول «إن هناك شيئًا ما في داخل الفرد يوجهه وأن لديه حالة فكرية وعقلية خاصة ومشاعر وأهداف وآمال وتوقعات فإن الحقيقة هي أن أفعال الإنسان محددة ومشروطة بالبيئة المحيطة به وأن السلوك يكيف ويشكل ويبقى بنتائجه».
وإذا أخذنا كلام سكينر على علاته فإن نظريته تعني بأنه ليس هناك عيب أو خطأ -سواء من الناحية الشعورية أو الأخلاقية- بالنسبة لهؤلاء الذين يتصرفون بطريقة سيئة وضارة للآخرين ولأنفسهم وعلى سبيل المثال فإن الأولاد والشباب الذين يفشلون في المدارس، والذين يرفضون العمل ويفضلون البطالة يتصرفون على هذا النحو ليس لأنهم مصابون بخلل أعصابي أو ذهني أو لأنهم يشعرون بالعزلة ورفض المجتمع لهم، ولكن للخلل الموجود في البيئة الاجتماعية في المنزل أو المدرسة أو المصنع وفي أي مكان آخر، ويضيف سكينر إلى ذلك بقوله إن البيئة الاجتماعية تكون عاجزة حينما تفشل في مكافأة السلوك المرغوب وحينما تلجأ إلى العقاب كوسيلة لوقف السلوك غير المرغوب فيه، وباختصار نستطيع القول بأن سكينر يعتقد أن المكافأة أو العقاب هما اللذان يحددان إذا كان سلوك معين سوف يصبح عادة لدى الأفراد أم لا.
وفي نفس الوقت يؤكد أن العقاب وسيلة غير فعالة في التوجيه والسيطرة على السلوك البشري، أن الشخص الذي يعاقب ليس أقل قدرة على التصرف بطريقة مختلفة وعلى أحسن الفروض فإنه يتعلم مع الوقت كيف يتحاشى العقاب ويتحايل عليه، إن مهمتنا ليست تشجيع الصراع الأخلاقي أو بناء فضائل داخلية إنما مهمتنا هي جعل الحياة أقل صعوبة وعقابًا وبذلك فإننا نطلق طاقات نشطة أكثر في طريق البناء ونحفظ جهدًا ووقتًا كان يستهلك في التحايل على العقاب وتحاشيه، والطريقة الوحيدة للاستفادة من كل هذا الوقت والجهد هي بناء عالم يكون فيه الناس طيبين بطبيعتهم عالم يكافؤون فيه على بحثهم وطلبهم ما هو صالح ومثمر لثقافتهم ومجتمعهم.
فهل مثل هذا العالم الذي يحلم به سكينر ممكن من الناحية العملية؟ هذا السؤال يطرح للمرة الثانية أولًا لأن العوالم المثالية أو اليوتوبيا التي بناها أفلاطون وغيره من الفلاسفة والمفكرين لم تر طريقها إلى العالم وبقيت داخل صفحات الكتب ولم تخرج من كونها نوعًا من الترف الفكري وحينما خرجت هذه الأفكار اليوتوبية عن أرفف المكتبات لتطبق على المجتمع الإنساني أتت بأسوأ النتائج بل بالكوارث الرهيبة على الإنسان، على حياته، وأقرب مثل على ذلك فكرة المساواة المطلقة في ملكية وسائل الإنتاج التي أتى بها ماركس فإن نظرة سريعة على الثمن الذي دفعه الإنسان في الاتحاد السوفياتي لتطبيق هذه الفكرة كان وما زال رهيبًا والسبب الأساسي في فشلها كان تجاهلها العوامل الداخلية في نفس الإنسان النوازع والحوافز والآمال والمشاعر والرغبة في السيطرة وهي نفس الغلطة التي وقع فيها سكينر وهي نفس الغلطة التي وقع فيها ماركس حينما تجاهل هذه العوامل وركز على فكرة أن إصلاح البيئة سيصلح الإنسان ويكيف سلوكه بما يجعله يتصرف لمصلحة المجموع.
هذه هي الخرافة الكبرى في الواقع، ولكن ذلك لا يعني تجاهل البيئة والظروف الخارجية المحيطة بالإنسان، فلا شك أنها مهمة ولها دور لا يجب تجاهله، ولكن أيضا لا بد من اعتبار التكوين الداخلي للإنسان «فطرته الجوهرية» لا بد من الضمير والمشاعر والنزاع بين الخير والشر فالإنسان ليس خيرًا مطلقًا، وأيضًا ليس شرًا مطلقًا.