; الغرب يشتكي: هل مات العيب في ثقافتنا؟ | مجلة المجتمع

العنوان الغرب يشتكي: هل مات العيب في ثقافتنا؟

الكاتب هشام العوضي

تاريخ النشر الثلاثاء 24-فبراير-1998

مشاهدات 62

نشر في العدد 1289

نشر في الصفحة 57

الثلاثاء 24-فبراير-1998

لندن: 

     ينعي بعض الغربيين ظاهرة غياب «العيب» والحشمة في مجتمعاتهم مقابل تفشي خطاب «الحرية الشخصية» اللامحدودة، ويقارن هذا البعض بما كانت عليه دول، مثل: الولايات المتحدة وبريطانيا في الخمسينيات من انضباط أخلاقي نسبي وآداب اجتماعية معترف بها، بما عليه حال المجتمعات الغربية الآن، كما يقارنون وضع هذه المجتمعات الحالي بما عليه المجتمعات الشرقية الأخرى كاليابان، بالرغم من التقدم الاقتصادي الذي حققته في ميادين الاستهلاك والرفاهية، حيث لاتزال مفاهيم كالعمل الجماعي، والأسرة والأخلاق تلعب دورها الحيوي في تسيير دفة الحياة. 

العيب لا يزال حيًا:

     وقد نشرت صحيفة الصنداي تايمز «۳۰نوفمبر ۱۹۹۷م» مقالة جريئة وصريحة بعنوان: «العيب لا يزال حيًا في اليابان، فماذا حدث له في الثقافة الغربية؟» يكشف عن التغير الذي أصاب الغرب على مدى جيل أو جيلين حتى لم يعد للعيب أو الصواب والخطأ أي معنى سوى أن جميعها مجرد «خيارات حياتية» راجعة لذوق الفرد نفسه، والذي يعطي لهذه المقالة أهميتها هو أنها مكتوبة من الغربيين أنفسهم وغير المسلمين، مما يدل على أنه لا يزال في الغرب من لم تتلوث فطرته بحيث يعبر بحماس وجرأة عن استيائه للتفسخ الأخلاقي الذي وصل إليه مجتمعه، وهذا الكلام مهم حتى لا يقول قائل بأن المسلمين أو الإسلاميين وحدهم الذين يركزون فقط على سلبيات الغرب من إباحية وانحطاط أخلاقي واجتماعي، ولكنها ظاهرة واضحة لمن عايشها بحيث يتكلم عنها المسلم وغير المسلم على السواء، وأن تنشر صحيفة واسعة الانتشار -ليست دينية ولا منحازة للمسلمين أصلًا- هذا الكلام إنما يدل على وطأة الشعور الذي يشعر به الغربيون أنفسهم من ظاهرة غياب العيب والحشمة في مجتمعاتهم.

     تقارن مارجريت دريسكول في بداية مقالتها بين الأخلاق في اليابان والغرب ضمن النموذج الذي حدث مؤخرًا لما أفلست إحدى الشركات اليابانية ووقف مديرها شوهي نوزاوا يبكي في مؤتمر صحفي، ويعترف بخطئه وتحمله مسؤولية ما جرى، وتتساءل الكاتبة متى كانت آخر مرة وقف فيها سياسي غربي يبكي أمام الناس ويعترف بفساده وفضائحه في الحكومة؟ على العكس تتزايد الفضائح الأخلاقية في الغرب السياسي من دون أن تجد لها نادمًا أو باكيًا، بل معترفًا بها أساسًا، يدل هذا في دائرته الأوسع على القيم التي باتت تحكم المجتمعات الغربية مقارنة بالمجتمعات الشرقية كاليابان.

    وحول هذه الظاهرة كتب الأكاديمي الأمريكي جيمس تويتشل في كتابه: «فقدان الحشمة الاجتماعية في الثقافة الأمريكية» يقول: «عندما كنت شابًا في الخمسينيات كان السكر في العلن والإجهاض والأطفال من غير إطار الزوجية وإدمان المخدرات وضرب المرأة والبطالة والطلاق- جميعها كاف لجلب العار الاجتماعي لك، مضيفًا أما الآن موازين جلب العار اختلفت، وصارت لمن يلبس فروًا لحيوان مذبوح «دليل وحشية وثراء فاحش» ويدخن في الأمكنة العامة، ومن لديه أنف كبير أو يأكل اللحم، وكلها أمور تخضع لانتقادات بعض الجماعات التي تزعم أنها ترعى حقوق الحيوان والأخلاق العامة، وتعلق دريسكول بقولها «في الماضي كنا محكومين بوعينا وفطرتنا، أما الآن فثقافة الاستهلاك هي التي تحكمنا حتى صار الزنى مقبولًا، لكن لبس الفرو وحشية».

     ويضيف على ذلك تويتشل: ما كان في الماضي عيبًا ونقيصة صار اليوم عادة لدرجة أن الناس في برامج التلفزيون الـ Chat shows لا يجدون غضاضة من الاعتراف بأنهم ارتكبوا الفواحش مع آبائهم أو أولادهم أو حيواناتهم، ويتلقون التصفيق من الجمهور في الإستديو، وهناك برامج كثيرة من هذا النوع في أمريكا وبريطانيا يندى لها الجبين بسبب المواضيع التي تطرحها، والغريب وجود من لديه الاستعداد للظهور أمام الكاميرا وأمام ملايين الناس ليتكلم عن خصوصياته بدون حرج، وصار ارتكاب العيب -كما يقول تويتشل- نوعًا من النجومية، يحظى بها مرتكبه بدون منازع. 

     وتضرب دريسكول مثلًا فتقول: زال العيب من ظاهرة تزايد إنجاب الأطفال غير الشرعيين خاصة في التجمعات الفقيرة، ولم يعد الأطفال يتعلمون من البيت الفرق بين الخطأ والصواب، والعيب الذي يلحق بارتكاب الخطأ، بالعكس يتعلمون كيف يثقون بأنفسهم مهما كانت فداحة ما يرتكبونه، وتقول: لقد اندثر مفهوم العيب، وأصبح الخطأ أو الفعل غير المقبول اجتماعيًا مجرد خيار معيشي.

     ويربط الكاتب البريطاني أوليفر جيمس بين التغير الأخلاقي الحاصل في بريطانيا بالتغير الاقتصادي الذي واكب فترة الخمسينيات، حيث تحول المجتمع من ميزته الانضباطية والأخلاقية إلى الإسراف والثقة الزائدة بالنفس، قائلًا: مقارنة باليابان التي لا تزال تنعم بروابط جماعية بين أفرادها يتجه المجتمع الغربي بقوة نحو الفردية؛ لأن الفرد الغربي مع الانفتاح الاقتصادي صار يعيش في المدن، وليس القرى حيث لا يعرفه أحد، وبالتالي ما عاد لكلام الناس لديه قيمة، لقد غابت مع المدينة قيم الأخلاق التي تشمل الجميع، وتحوز احترامهم.

هيمنة الدين:

     ويربط جيمس أيضًا بين الانحدار الأخلاقي وتقلص هيمنة الدين، بحيث لم تعد هناك آداب واحدة، وإنما عادات مختلفة ومتنوعة تعليها المصلحة الذاتية، ويضيف لدي سيارة مرسيدس قديمة تنفث دخانها الملوث في الهواء، وقلقي لم يعد خوفي على البيئة بمعناها العام بقدر خوفي على صحتي مثلًا أو صحة أولادي في إشارة للنزعة الأنانية التي صارت تحكم الفرد في نظرته للخطأ والصواب.

     ويشير جيمس أيضًا للدور الذي يلعبه الإعلام في تقليص دور الاخلاق والعيب من المجتمع الغربي ويقول: عندما كنت صبيًا كان لدينا المذياع فقط، وكنا تحت إدارة قوية من البيت أو المدرسة أو الكنيسة، لكن أطفال اليوم يجلسون أمام التلفزيون ويرون ويعرفون كل شيء، ويقول في الماضي كانت تتجاوزنا أحداث كثيرة، أما اليوم فحتى الأمير تشارلز يظهر على التلفزيون ويقول للناس إنه خان زوجته، مضيفًا: إننا اليوم نسمع عن الخيانات الزوجية وحالات الزنى بكثرة، حتى بات وكأن الشرف هو الاستثناء؛ لأنه ما دام المشاهير يخونون فلماذا لا أفعل أنا أيضًا ذلك؟

      وتختم دريسكول مقالها الجريء بالقول بأن ثمن الحرية الشخصية في الغرب كان باهظًا وهو غياب العيب الذي انحصر في كونه مسألة شخصية لا تتعلق بالمجتمع، لكن مع هذا لا زال البعض يعول على بقايا من العيب في ربط بنية المجتمع الغربي، ففي إحدى المقاطعات الأمريكية حكمت المحكمة على مراهق قتل اثنين بسيارته لما كان مخمورًا بأن يحتفظ بصور ضحاياه الفوتوجرافية في محفظته لمدة عشر سنوات کی لا ينسى جريمته، وأن يقف أمام الحانة «موقع تجمع الناس والمارة» رافعًا لافتة تقول: أنا قتلت اثنين بسيارتي بينما كنت مخمورًا.

الرابط المختصر :