; الغرب.. وخدعة الحوار بين الأديان | مجلة المجتمع

العنوان الغرب.. وخدعة الحوار بين الأديان

الكاتب عزام التميمي

تاريخ النشر الثلاثاء 07-يونيو-1994

مشاهدات 80

نشر في العدد 1102

نشر في الصفحة 43

الثلاثاء 07-يونيو-1994

  • رئيس علماء البوسنة: أي دعوة للحوار بين المسلمين والمسيحيين لا يمكن أن توصف بالجدية أو المصداقية بعد ما حدث في البوسنة.

وقف الدكتور مصطفى شيريتش- رئيس البوسنة والهرسك- أمام جمهور من المسلمين أثناء زيارته الأخيرة إلى لندن ليقول: «لم أعد بحاجة لأن أحدثكم عما يجري في البوسنة والهرسك، فهذه هي المرة الأولى في تاريخ البشرية التي ترتكب فيه جريمة علنية ضد أبناء شعب بعينه، لا لسبب سوى أنهم يختلفون عن جيرانهم، وهي الجريمة التي أضفت عليها المحافل الدولية- من مجتمع دولي وأمم متحدة ومجموعة أوروبية- صفة الشرعية.. وبفضلها- أي هذه المحافل- أصبحت الإبادة لشعب أعزل أمرًا مشروعًا، وصارت تلك الجريمة المكشوفة عملًا قانونيًا».

وبمناسبة انعقاد لقاء للحوار بين الأديان تنظمه لامبيث بالاس في بريطانيا، قال الدكتور شيريتش: إن الحوار بين الأديان بنظره يعتبر فاشلًا، وأنه لم يعد يؤمن هو شخصيًا بجدواه، ولا غرابة في أن يصدر مثل هذا التصريح عن رجل شاهد على مدى الأعوام الثلاثة الماضية صمت المحافل الدولية في الغرب، وهي تبصر الإبادة التي يتعرض لها شعب البوسنة، ولذلك فإن أي دعوة للحوار بين المسلمين والمسيحيين من وجهة نظره لا يمكن أن توصف بالجدية أو المصداقية.

ولقد جاء تصريح رئيس علماء البوسنة في وقت تكررت فيه الدعوات للقاءات للحوار بين الأديان، أو بين ممثلين للإسلام والمسيحية حول قضايا ذات اهتمام مشترك، مثل حقوق الإنسان والبيئة والتعايش السلمي بين الأمم وما شابهها، وكانت آخر المحاولات في هذا المجال ندوة دعت إليها الأكاديمية الإيفانجليكية في ألمانيا، وهي مؤسسة كنسية بروتستانتية، للحوار بين عدد من المفكرين والفقهاء المسلمين، ومن يقابلهم في الكنيسة البروتستانتية حول عدد من القضايا منها: فلسفة الدولة، وحقوق الإنسان، والضوابط الأخلاقية في الممارسات الاقتصادية، ومسؤولية المسلمين والمسيحيين تجاه السلام العالمي، ومفهوم العدالة والكمال، وكان من المفترض أن تعقد الندوة في مدينة إيزرلون في الفترة من الثالث إلى الخامس من حزيران (يونيو) 1994 م.

وكان الاتفاق المبرم مع الأكاديمية المنظمة للمؤتمر أن يختار الطرف المسلم من يراه مناسبًا من مشاركين، على أن تختار الكنيسة من تشاء من المسيحيين، ثم ما لبث المنظمون أن تراجعوا عن الاتفاق تدريجيًا، بأن طلبوا أن يكون لهم حق دعوة بعض المفكرين ممن يمثلون فكرًا مختلفًا لا يقره عامة المسلمين، كدعاة العلمانية من المسلمين، وطرحوا أسماء منهم: نصر أبو زيد- الذي أفتى الأزهر بردته لجرأته على القرآن والسنة- ونوال السعداوي- التي طالما كافحت باسم تحرير المرأة من أجل إقصاء القوانين التي تقوم على الشريعة الإسلامية في مجال الأسرة والأحوال الشخصية- وقد تفجرت قبل الندوة بأسبوع أزمة جديدة حول أحد المفكرين الإسلاميين المدعوين للقاء، وهو الدكتور حسن الترابي.

فبضغط من مجموعة المعارضة السودانية التي يكاد يسيطر عليها متمردو الجنوب «وهم بروتستانت»، والشيوعيون السابقون، أرادت الأكاديمية استثناء الدكتور الترابي من اللقاء، بحجة علاقته بنظام الحكم القائم في السودان، ولما أصر الجانب الإسلامي على دعوة الترابي، سعت الأكاديمية إلى تحويل اللقاء إلى مناظرة بين الترابي والمتمردين الجنوبيين ومن ناصرهم من شيوعيي الشمال، فانهارت الندوة، وأعلن رسميًا عن إلغائها، وذلك أن الهدف المعلن منها هو التحاور بين المسلمين والمسيحيين حول القضايا المهمة المدرجة على جدول الندوة، وليس إجراء مبارزة أو مناظرة لا دخل لها بالحوار وأهدافه.

ويقول مصدر مقرب من الطرف المسلم المشارك في تنظيم الندوة: إن مشكلة الغربيين- بشكل عام- أنهم لا يودون الاعتراف للمسلمين بحق اختيار من يمثلهم أو يتحدث عن فكرهم، بل يريدون أن يستمروا في اختيار من يرونه مناسبًا ليتحاور معهم، وبذلك يتحول الأمر كله إلى حوار طرشان لا يغني ولا يسمن من جوع، فكما أن المسلمين لا يفرضون على الكنيسة من يمثلها، فلا أقل من أن يكون للطرف الإسلامي حق اختيار من يمثله في الحوار.

لقد أدت المواقف السلبية تجاه ما يجري في البوسنة- وكذلك الفوقية التي يتعامل بها المسيحيون الغربيون مع الفكر الإسلامي- إلى حالة من الإحباط وخيبة الأمل لدى بعض من كانوا يعلقون الآمال على إمكانية نشأة منابر مستنيرة للحوار بين الطرفين، وفي الوقت الذي يتقارب الفاتيكان- بقدر لم يسبق له مثيل في تاريخ المسيحية- مع اليهود وكيانهم الصهيوني في فلسطين، لدرجة إعداد صيغة ستعمم على المسيحيين في أوروبا، يقرون بموجبها بالذنب تجاه ما تعرض له اليهود على أيدي النازيين، فإن الحوار بين المسلمين والغربيين يصطدم بعقبات كؤودة.

ومازالت المحافل الأمريكية في واشنطن مشغولة بقضية التأشيرة التي تقدم بطلبها الشيخ راشد الغنوشي- المفكر الإسلامي المعروف، ورئيس حزب النهضة التونسي المنحل- بعد أن تلقى دعوة للمشاركة في ندوة فكرية، كان من المفروض أن تعقد في شهر مايو «أيار» 1944م في جامعة فلوريدا الأمريكية، ومنشأ الأزمة تقدم عدد من أعضاء مجلس الشيوخ بطلبات إلى وزير الخارجية الأمريكي وارن كريستوفر بالحيلولة دون منح الغنوشي تأشيرة زيارة؛ لأنه مناهض للسامية، وورد على لسانه في أكثر من مناسبة الدعوة إلى الجهاد، وهؤلاء الأعضاء الأربعة- وكلهم من أبرز نشطاء اللوبي الصهيوني الذي يكاد يكون المتفرد في إدارة دفة الأمر في عهد كلينتون- هم: ألفونس داماتو، وهانك براون، وجيسي هيلمز، وكوني ماك.

وعلى الرغم من أن الشيخ الغنوشي من المفكرين الإسلاميين المعاصرين المعتدلين، ومن الداعين سرًا وجهارًا إلى الحوار والتعايش والتغيير السلمي عبر المشاركة في السلطة والاحتكام إلى صناديق الاقتراع، فإن الدعاية الصهيونية- التي تخشى الانفتاح على الإسلام والإسلاميين من قبل أعداد متزايدة من المحافل العلمية والمراكز الفكرية الأمريكية- حشدت جنودها داخل مراكز صناعة القرار، ووضعت كامل ثقلها، مزورة ومتقولة لتربط المفكرين الإسلاميين من دعاة أمثال الشيخ راشد الغنوشي بشبح الخوف من الأصولية الذي بات يقض مضاجع الغربيين من أسرى الدعاية والتشويش والتشويه الإعلامي.

لا شك أن مبادئ التسامح والإخاء والتعاون التي تدعيها الحضارة الغربية تذهب عندما يتعلق الأمر بالمسلمين، ولا أدل على ذلك من استماتة الغربيين بشكل عام في الدفاع عن حق سلمان رشدي في شتم الإسلام ونبي الإسلام، بينما يعتبر الدفاع عن حق المسلمين في نصرة إخوانهم في البوسنة وفلسطين جريمة شنيعة مناهضة للسامية يمكن أن يحرم بسببها المرء من دخول بلاد كثيرة.

الرابط المختصر :