العنوان الغرب والإسلام.. افتراءات لها تاريخ
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر السبت 28-أغسطس-2010
مشاهدات 106
نشر في العدد 1917
نشر في الصفحة 40
السبت 28-أغسطس-2010
الإسلام لم ينتشر «بسيوف الفتوحات» وإنما «بالسلم والعقلانية»
عندما طلب منا التقديم للطبعة العربية لكتاب الكاردينال «هانس كينج»، الذي يحمل عنوان «مقاييس عالمية للأخلاق»، أقمنا معه حوارًا، استشهدنا فيه بالشهادات الغربية على أن انتشار الإسلام إنما تم «بالسلم» والعقل، وليس بالعنف والسيف.. وأن المسيحية الشرقية إنما تراجعت لأسباب ذاتية، وليس لأن الإسلام هو الذي محاها.
فقد كانت كل حروب الرسول ﷺ دفاعية ضد المشركين الذين حاصروا دعوته، وعذبوه هو والذين آمنوا به، وأخرجوهم من ديارهم، ثم جيشوا الجيوش، وزحفوا بها لمحاربتهم في المدينة، بعد أن هاجروا إليها .. شهدت على ذلك مواقع هذه الحروب، وشهد بذلك القرآن: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة:190).
أما ضحايا كل هذه الحروب «الدفاعية» من جانب المسلمين، و«العدوانية» من جانب المشركين.. فهم حصرًا : ٣٨٦ ضحية، بينهم ٢٠٢ من المشركين، و ۱۸۳ من المسلمين، بينما بلغ ضحايا الحروب الدينية (المقدسة) بين الكاثوليك والبروتستانت في أوروبا «عشرة ملايين» حسب إحصاء «فولتير» ( ١٦٩٤- ۱۷۷۸م) أي ٤٠% من شعوب وسط
أوروبا!!.
تلك هي حقيقة حروب «دولة» الرسول ﷺ وحقيقة واحدة فقط من حروب «كنيسة» عيسى عليه السلام!
كل حروب الرسول ﷺ ضد المشركين كانت دفاعية .. ولم تخلف سوى ٣٨٦ ضحية فقط بينهم ۲۰۳ قتلى مشركين و ۱۸۳ شهيدًا مسلمًا
شاهد عيان
أما الادعاء بأن الفتوحات الإسلامية قد محت المسيحية من الوجود في بلادها الأصلية، فإننا –ردًا على هذا الادعاء –نضع بين يدي الحقيقة إشارات إلى الحقائق الصلبة والعنيدة التي قدمها العلماء غير المسلمين عن هذه «القضية» التي تقول: إن الفتوحات الإسلامية « أنقذت النصرانية الشرقية من الإبادة الرومانية».
وبعبارة وشهادة الأسقف «يوحنا النقيوسي»، وهو شاهد عيان على هذه الفتوحات: «إن الله –الذي يصون الحق لم يهمل العالم، وحكم على الظالمين، ولم يرحمهم لتجرئهم عليه، وردهم إلى أيدي الإسماعيليين (العرب المسلمين). ثم نهض المسلمون وحازوا كل مدينة مصر.
وكان «هرقل» (٦١٠ - ٦٤١م) حزينًا. وبسبب هزيمة الروم الذين كانوا في مدينة مصر، وبأمر الله الذي يأخذ أرواح حكامهم، مرض «هرقل» ومات.
وكان عمرو بن العاص ( ٥٠ ق. هـ - ٤٣هـ / 5۷۱ - ٦٦٤م) يقوى كل يوم في عمله، ويأخذ الضرائب التي حددها، ولم يأخذ شيئًا من مال الكنائس، ولم يرتكب شيئًا ما سلبًا ونهبًا، وحافظ عليها (الكنائس) طوال الأيام.
ودخل «الأنبا بنيامين» (٣٩هـ / ٦٥٩م) بطرك المصريين مدينة الإسكندرية، بعد هروبه من الروم العام ۱۳ (أي العام الثالث عشر من تاريخ هروبه، بعد أن أمنه الفتح الإسلامي)، وسار إلى كنائسه وزارها كلها. وخطب هناك: «لقد وجدت في الإسكندرية زمن النجاة والطمأنينة اللتين كنت أنشدهما، بعد الاضطهادات والمظالم التي قام بتمثيلها الظلمة المارقون».
وكان كل الناس يقولون: هذا النفي، وانتصار الإسلام، كان بسبب ظلم «هرقل» الملك، وبسبب اضطهاد الأرثوذكسيين وهلك الروم لهذا السبب وساد المسلمون مصر..».
هكذا شهد الأسقف «يوحنا النقيوسي» على أن الفتح الإسلامي هو الذي أنقذ المسيحية الشرقية، وحرر بطركها وكنائسها وأديرتها، وحافظ عليها.
شهادة حديثة
وبعد ستة قرون من الفتوحات الإسلامية، استمرت شهادات رجال الدين المسيحيين الشرقيين، تؤكد أن هذه الفتوحات الإسلامية هي التي أنقذت المسيحية الشرقية، ولم تمحها كما يعلن المفترون أو الجاهلون..
فبطريرك السريان «ميخائيل الكبير» (١١٢٦- ۱۱۹۹م)، صاحب كتاب «الحوليات في تاريخ الكنيسة والشرق»، يقول: «لقد سب الرومان الأشرار كنائسنا وأديرتنا بقسوة بالغة، واتهمونا دون شفقة، ولهذا جاء إلينا من الجنوب أبناء إسماعيل ينقذوننا من أيدي الرومان، وتركنا العرب نمارس عقائدنا بحرية وعشنا في سلام ».
وإذا أراد الذين يمارون في ذلك شهادة أوروبية حديثة على أن الإسلام لم يمح المسيحية الشرقية، وإنما أنقذها عندما حرر أرضها من الاستعمار الروماني الذي دام عشرة قرون، وحرر ضمائر شعوب الشرق، وتركهم وما يدينون، لأنه ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة : ٢٥٦).. فإن كتابًا فرنسيًا صادرًا عن مؤسسة فرنسية متخصصة في الحضارات، «هي المعهد الوطني للدراسات الديموجرافية»، يقول: إن «نسبة المسلمين في الدولة الإسلامية بعد مرور مائة سنة على الفتوحات وإقامة الدولة الإسلامية لا تتعدى ٢٠% من رعية هذه الدولة»!! .
وإذا كانت هذه الإشارات إلى حفاظ الفتح الإسلامي كافية للشهادة على أن هذه الفتوحات هي التي أنقذت النصرانية الشرقية من الإبادة الرومانية، ولم تمحها كما يدعي البعض، فإن هناك ما لا يحصى من الشهادات الغربية، التي كتبها علماء أعلام في الفكر الغربي، تؤكد أن الإسلام لم ينتشر «بسيوف الفتوحات».. وإنما «بالسلم.. والعقلانية»!!
شهود من أهلها ...
الأسقف «يوحنا النقيوسي»: المسلمون أنقذوا المسيحية الشرقية وحرروا بطاركها وكنائسها وأديرتها وحافظوا عليها
بطريرك السريان «ميخائيل الكبير»: أبناء إسماعيل أنقذونا من أيدي الرومان وتركونا نمارس عقائدنا بحرية وسلام
«سير توماس أرنولد»: غير المسلمين نعموا جميعًا في ظل الحكم الإسلامي بدرجة من التسامح لا نجد لها معادلًا
شهادات مهمة
ولأن المقام مقام إيجاز، فإننا نقدم خمس شهادات لخمسة من أعلام العلماء والغربيين على أن الانتشار الإسلامي –التدريجي –إنما تم «بالسلم.. والعقلانية»!!
- وأولى هذه الشهادات، للاهوتي الإيطالي «الأب مراتشي» (١٦١٢ - ١٧٠٠م) الخبير في القرآن وفي العهدين القديم والجديد، ويقول فيها: «لو قارن إنسان بين أسرار الحالة الطبيعية البسيطة التي فاقت طاقة الذكاء البشري، أو التي هي –على الأقل –من الصعوبة بمكان إن لم تكن مستحيلة (العقيدة المسيحية) وبين عقيدة القرآن لانصرف عن الأولى في الحال، وأسرع إلى الثانية في ترحيب وقبول».
- وثاني هذه الشهادات، للفيلسوف الأمريكي «جون تايلور» (١٧٥٣م - ١٨٢٤م)،
ويقول فيها: «إنه من اليسير أن ندرك لماذا انتشر هذا الدين الجديد بهذه السرعة في أفريقيا وآسيا، كان أئمة اللاهوت في أفريقية والشام قد استبدلوا بديانة المسيح عقائد ميتافيزيقية عويصة، ذلك أنهم حاولوا أن يحاربوا ما ساد هذا العصر من فساد؛ بتوضيح فضل العزوبية في السماء، وسمو البكورية إلى مرتبة الملائكة، فكان اعتزال العالم هو الطريق إلى «القداسة وطهارة الرهبنة»، وكان الناس في الواقع مشركين يعبدون زمرة من الشهداء والقديسين والملائكة، كما كانت الطبقات العليا مخنثة يشيع فيها الفساد، والطبقات الوسطى مرهقة بالضرائب، ولم يكن للعبيد أمل في حاضرهم ولا مستقبلهم، فأزال الإسلام –بعون من الله –هذه المجموعة من الفساد والخرافات.
لقد كان ثورة على المجادلة الجوفاء في العقيدة، وحجة قوية ضد تمجيد «الرهبانية» باعتبارها رأس التقوى، ولقد بين أصول الدين التي تقول بوحدانية الله وعظمته، كما بين أن الله رحيم عادل يدعو الناس إلى الامتثال لأمره والإيمان به وتفويض الأمر إليه، وأعلن أن المرء مسؤول، وأن هناك حياة آخرة ويومًا للحساب، وأعد للأشرار عقابًا أليمًا، وفرض الصلاة والزكاة والصوم وفعل الخير، ونبذ الفضائل الكاذبة والدجل الديني والترهات والنزعات الأخلاقية الضالة وسفسطة المنازعين في الدين، وأحل الشجاعة محل الرهبنة، ومنح العبيد رجاًء والإنسانية إخاء، ووهب الناس إدراكًا للحقائق الأساسية، التي تقوم عليها الطبيعة البشرية... ».
- وثالث هذه الشهادات الغربية، على أن الإسلام إنما انتشر بالتفوق العقلاني وليس بسيوف الفتوحات، هي للعالم الإنجليزي الحجة سير «توماس أرنولد» (١٨٦٤- ۱۹۳۰م) والتي يقول فيها: «إنه من الحق أن نقول: إن غير المسلمين قد نعموا بوجه الإجمال في ظل الحكم الإسلامي، بدرجة من التسامح لا نجد لها معادلًا في أوروبا قبل الأزمنة الحديثة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل