العنوان الغرب اقتبس أسس يقظته من العرب والإسلام.. الحلقة الثانية
الكاتب رجاء جارودي
تاريخ النشر الثلاثاء 08-يوليو-1986
مشاهدات 56
نشر في العدد 774
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 08-يوليو-1986
- المعنى الذي حاول الاستعمار إسقاطه من النفس الإسلامية هو إظهار الإسلام كعقيدة وتربية.
- هناك قوى غربية لها أهداف ومطامع تحاول أن توقف تيار الدعوة الإسلامية
إن النهضة الغربية باعتمادها على الحضارة الإفريقية الرومانية لم تبدأ في الحقيقة في إيطاليا، ولكنها بدأت من إسبانيا قبل ذلك بفترة طويلة مع إشعاع العلم والثقافة العربيين الإسلاميين. ولكن النهضة الغربية لم تستفد من الحضارة العربية الإسلامية إلا طريقتها التجريبية وأساليبها الفنية، ولم تأخذ العقيدة التي توجهها إلى الله ولم تعتبر المحافظة على هذه العقيدة بمثابة خدمة جليلة للبشرية.
واليوم نجد أنفسنا كما كان العالم أيام الرسول عليه الصلاة والسلام حين كانت تتجابه قوتان عظميان هما الإمبراطورية البيزنطية والإمبراطورية الساسانية في إيران- وكلتاهما كانتا في طريق الانحلال- واليوم نجد قوتين عظميين هما الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي تحاولان تقسيم العالم إلى كتلتين، وتدعي كل قوة منهما لنفسها مبادئ وأيديولوجيات تتعارض مع مبادئ القوة الأخرى، بينما هما ترتكزان على نفس النموذج من الثقافة الفرعونية القديمة الذي يوصلهما إلى طرق مسدودة متشابهة تقود إلى إفلاس البشرية. في هذه الأزمة التي نتلمس فيها الغايات أو بالأحرى في غياب هذه الغايات يمكن للإسلام أن يقدم للعالم ما ينقصه، وهو معنى الحياة.
من ميزات الثقافة والحضارة الإسلامية:
1- فالإسلام دين الوحدة، وهو بذلك دين المعنى والجمال بينما يقوم عالمنا اليوم على التنافس العددي الكمي وتبدو الأحداث وكأنها محصلة قوى عمياء غاشمة للمجابهة والعنف.
2- أن القرآن يعلمنا أن نعتبر الكون وكأنه وحدة يقوم الإنسان من داخلها بالمشاركة في تمثيلية ويكتشف معنى للحياة، بينما نسياننا للخالق يجعل منا أشخاصًا يعيشون على هامش الحياة ويخضعون لحاجات ومصادفات خارجية.. لا.. إن تذكرنا لله في صلاتنا يجعلنا نفهم مصدر وجودنا وهو مصدر كل شيء في الوجود.
3- أن القرآن يعلمنا أن نرى في كل حادث وفي كل شيء آية من آيات الله ورمزًا لوجود أعلى يسيرنا، ويسير الطبيعة والمجتمع، وهدف الدين الرئيسي هو التناسق والوحدة الصادرة عن الله والعائدة إليه. ومما يجعل الإنسان إنسانًا هو اتجاهه إلى تحقيق إرادة الله. فكل شيء في هذا العالم بالتأكيد يخضع لإرادة الله، فالحجر في سقوطه والنبات في نموه والحيوان في غرائزه كلها تخضع لله، ولكن هذا الخضوع لا يتوقف على إرادتها فهي لا تستطيع أن تهرب من النواميس التي تحكمها بينما البشر وحدهم هم الذين يستطيعون.
4- ومن هنا يصبح الإنسان مسلمًا بمطلق إرادته وبمحض مشيئته واختياره، وهو يتذكر الأمر السامي الذي يجعل لحياته معنى، وهو مسئول مسئولية كاملة عن مصيره، طالما أن له مطلق الحرية في أن يرفض أو أن يخضع لإرادة الله.
لقد جاءت الرسل إلى جميع الشعوب، يدعونهم إلى أن يجددوا إيمانهم بالله وبتعاليمه، ولقد كان إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وكثير غيرهم من أنبياء الإسلام يحملون هذه الرسالة الخالدة.
٥- والعقل الذي لا يكتفي بربط سبب بآخر وينتقل من نتيجة إلى ما بعدها ليتوصل إلى النتيجة النهائية، عقل متفتح مذعن لرسالات السماء يستفيد من هدايتها ونورها، ولما كانت هذه الرسالات قد جاءت لتنير طريق العقل فهي كما ورد عنها «نور على نور».
أثر الصلاة على نفس الإنسان وعلى المجتمع:
واستجابة الإنسان لهذه الرسالات تتجلى في الصلاة، فالله سبحانه وتعالى مع عباده المؤمنين من البشر أينما كانوا، وحيثما اتجهوا وطالما استجابوا بتحركهم نحو الله. وذلك وفق ما جاء في القسم الثاني من الشهادة بالنسبة لقسمها الأول اذ أن ترتيب حركات الصلاة يتناسب مع ظهور واختفاء الكواكب ويدخل الإنسان ضمن النظام الكوني في حركات صلاته، فهي تعيد كل مستويات الوجود إلى نفس الإنسان.
إن الإنسان عندما يصلي ينتصب واقفًا كالجبال والسنابل والشجر، وهو يركع ويعود إلى الوقوف، تختفي الكواكب ثم تظهر وينحني كأغصان النخيل، أو كما تنحني المخلوقات الحية نحو الأرض وكذلك عباد الله يحنون رؤوسهم نحو مصدر الحياة.
هذه الصلاة لا تربط الإنسان بالطبيعة والنظام الشمسي فقط، ولكن تربطه مع الإنسانية بأسرها، فالقبلة في جميع أنحاء الدنيا، تشكل دوائر مركزها واحد وهي تمثل الوحدة الشاملة، ومواقيت الصلاة التي تتغير حسب خطوط العرض تتيح في كل لحظة أن يقوم شخص ويركع آخر، وتستمر حركة العبادة طيلة الوقت دون انقطاع مما يمثل استمرار العبادة حول الأرض، فاذا أردنا أن نعبر عنها بأعمال طبيعية فإن وحدة الإسلام تشمل كل العالم.
حاجة الغرب إلى الإسلام:
إن الغرب الآن بحاجة إلى الإسلام أكثر من أي وقت مضى، ليعطي للحياة معنى وللتاريخ مغزى وحتى يغير أسلوب الغرب في الفصل بين العلم والحكمة أو فصل التفكير عن الوسائل وفصل التفكير عن النتائج. فالهدف الأساسي للعلم والتقنية في الحضارة الغربية لا يعدو فكرة السيطرة، وتأمين مصالح الأفراد والجماعات والأمم. تمامًا كما تؤمّن هذه الحاجات المشتركة من غذاء وكساء وحماية من العدوان والمهاجمة.
أما العالم الإسلامي فمحركه الأساسي هو البحث عن آيات الله في الطبيعة وفي التاريخ لتحقيق مشيئة الله، دون الابتعاد عن الأسباب والنواميس الكونية.
في الغرب يجعلون الإنسان منافسًا لإنسان آخر، يحاول أن يستخدم علومه للتغلب عليه، أما في الإسلام فالإنسان خليفة الله في الأرض ليوجد فيها الجمال الذي يليق بمشيئة الله. كما أن الإسلام لا يضع حاجزًا بين العلم والإيمان، بل على العكس من ذلك يربط بينهما باعتبارهما وحدة متكاملة غير قابلة للتجزئة، ولا يفصل بين البحث عن الوسائل والنواميس وبين البحث عن النتائج والمعاني المترتبة عليها. إنه لا يفصل بين ما يعلمنا إياه الفن والاختصاص الذي يعطينا السيطرة على الأشياء، وبين عبادة المصدر الأول الذي أوجدها. وكذلك فالإسلام لا يفصل بين العقيدة وبين الاقتصاد والسياسة بل يربطهما برباط لا ينفصم، وعندما نريد أن نجسد معنى مالك كل شيء والقادر على كل شيء والعالم بكل شيء، فالله وحده هو المالك وهو وحده الآمر الحاكم العالم، وكذلك نجد أن المفهوم الإسلامي للدولة وللحق هو عكس مفهوم الدولة والحق عند الرومان، فيختلف تبعًا لذلك تعريف الملكية في الإسلام بالنسبة للحقوق، ونجد اختلافًا وتميزًا عن الحقوق في الشرائع الرومانية والرأسمالية كما تختلف مفاهيمها. فالله هو وحده المالك، وإدارة خيرات هذا الكون وظيفة اجتماعية. فاستعمال الملكية له أهداف أبعد من الفرد ومن فائدة الفرد الشخصية، وهنا يبرز التضاد بين نظرية الفردية ونظرية الجماعة الإسلامية كفكرة.
وقولنا إن الله وحده هو الحاكم يجعلنا نستبعد حكم الملوك على أساس الحق الإلهي مثل حكم لويس الرابع عشر في الغرب الذي كان «بوسويه» يقول عنه إنه وكيل الله على الأرض، كما نستبعد الديمقراطية التي ترتكز في حكمها على شخص أو حزب فقط. فنداء الإيمان عند المسلمين «الله أكبر» يفسر معنى ملكية كل شيء والقدرة على كل شيء ومعرفة كل شيء، وهذا نداء الحرية الحقيقية، لأنه تأكيد على أبعاد الإنسان السامية الحقيقية. أي أنه يستطيع «الانفلات» من ماضيه ومن غرائزه ومن طبيعته ومن عاداته، ويستطيع أن يصعدها ويردها إلى القوة الإلهية.
والإنسان وحده هو الذي يملك هذه الإمكانية للفصل، مع هذا الإرغام القديم، بين الدوافع وماضيها، وتقديم مستقبل مشرق للإنسانية.
فتاريخ البشر لا يشبه التطور الحيواني، على اعتبار أنه مسرحية قد كتبت مسبقًا بالنسبة لنا، وما علينا إلا أن نلعب فيها أدوارنا الأبدية.
والتاريخ هو تطور مستمر للإنسان مع تتابع السنين والأعوام، ولدى الإنسان إمكانية استمرار النمو الحالي الانتحاري، بحصولنا فنيًّا على أدوات إزالة كل آثار الحياة عن سطح هذا الكوكب، وإمكانية إنهاء ثلاثة ملايين من السنين من تاريخ البشر، بل إمكانية إلحاق التعفن بالتاريخ.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل