العنوان الغربة الثانية- الفدائيون الفلسطينيون في تونس... في الغربة الثانية!
الكاتب إحسان السيد
تاريخ النشر الثلاثاء 30-نوفمبر-1982
مشاهدات 57
نشر في العدد 597
نشر في الصفحة 31
الثلاثاء 30-نوفمبر-1982
«بعد مرور أكثر من شهرين على وجود ۱۲۰۰ فلسطيني بين قائد ومقاتل في تونس، تكاد المؤشرات تؤكد انصهارهم في المجموعة التونسية، فكل شيء أصبح عاديًّا هنا، ظهورهم في شارع بورقيبة، أو تردد البعض على المقاهي». وفي تصريح لوزير الداخلية التونسي إدريس قيقة قال: من يخشى أن يصيب تونس ما أصاب لبنان بسبب وجود الفلسطينيين فيها، فلا محل لخشيته؛ فهذا أمر مستحيل لأنه لا وجود لأي شبه بين تونس ولبنان.
وعن طبيعة المشكلات الموجودة في معسكر وادي الزرقة، والتي تردد ذكر بعضها في الشارع التونسي، أكد السيد إدريس قيقه وجود هذه المشكلات وقال: «طبعًا هناك مشكلات داخلية عند الفلسطينيين وهذا أمر طبيعي، فهم في حالة نفسية صعبة، فبعضهم يفكر في زوجته التي تركها، وبعضهم في أطفاله، وبعضهم في أمه العجوز. إنهم يبحثون عن الهاتف للاتصال ببيروت والخطوط أحيانًا تكون مقطوعة!».
وحول ما لوحظ في تونس من إجراءات أمنية مشددة، أكد وزير الداخلية أن موضوع حماية القيادة الفلسطينية أكبر مسؤولية ملقاة على تونس، وأن هذه الأخيرة قد اتخذت كل الإجراءات وكل الاحتياطات لذلك.
وذكر وزير الداخلية أن تونس متعاونة مع الفلسطينيين لحمايتهم، وأن هناك إجراءات قد اتخذت في الداخل والخارج، وهي إجراءات سرية لا يمكن البوح بها.
هذا ما توقعنا حدوثه وأشرنا إليه على صفحات هذه المجلة، وذلك عندما بدأت لعبة إخراج الفلسطينيين من لبنان بالتنفيذ إثر خروج المقاومة من لبنان إلى تونس وغيرها من الأقطار العربية. فقد أصبح رجال المقاومة يواجهون حربًا نفسية بطيئة بعيدًا عن أهلهم وبعيدًا حتى عن فلسطين التي يقاتلون من أجل إنقاذها وتحريرها، ونتيجة هذه الحرب النفسية لن تخرج عن أحد احتمالين: إما الاندماج في المجتمع التونسي والانسجام مع طبيعته، وهذا يؤدي إلى انشغالهم عن قضيتهم وضعف اهتمامهم بها. وأشارت إلى هذا الفريق العبارة التي نقلناها في بداية الكلام: «تكاد المؤشرات تؤكد انصهارهم في المجموعة التونسية، فكل شيء أصبح عاديًّا هنا، ظهورهم في شارع بورقيبة أو تردد البعض على المقاهي». وإما -الاحتمال الثاني- أن يعيش رجال المقاومة في حالة نفسية ضاغطة بعيدًا عن أهاليهم وأقاربهم. وكما جاء فإن الأزمات النفسية احتدت بعد مذابح مخيمي صبرا وشاتيلا، وقد روى أحد المقاتلين لجريدة «القبس» أنه بينما كان المقاتلون يشاهدون التلفزيون التونسي الذي كان ينقل صورًا عن تلك المذابح، أغمِي على أحد المقاتلين ونُقل إلى المستشفى وتبين بعدها أن هذا المقاتل شاهد بعضًا من أفراد أسرته قد ذهب ضحية تلك المذابح الوحشية. وقال هذا المقاتل إن الرؤية أصبحت قائمة تمامًا بعد المذابح، وأن مرض الكآبة قد أصاب عددًا كبيرًا من المقاتلين بسبب تلك المذابح من ناحية، وعجزهم عن فعل أي شيء من ناحية أخرى. ثم ها نحن نجد وزير الداخلية التونسي يعترف بوجود إجراءات أمنية مشددة تجاه المقاومة الفلسطينية، لكنه يحاول تفسيرها بأنها لحماية المقاومة، غير أنه يلمح بصورة غير مباشرة وغير مقصودة طبعًا إلى أن السلطات التونسية لا تخشى أن يحدث في تونس مثل ما حدث في لبنان بسبب وجود الفلسطينيين فيها، لأن هذا -كما يقول وزير الداخلية التونسي- أمر مستحيل!
على أية حال فنحن واثقون أن رجال المقاومة في تونس لو سُئلوا المقارنة بين حالهم الآن وحالهم يوم كانوا في بيروت أمام العدو وجهًا لوجه، لفضلوا دون تردد حالهم في بيروت على حالهم خارجها على الرغم مما يمكن أن يجدوه من راحة لأجسادهم في الخارج، إلا أن نفوسهم لا بد أن تظل غير مطمئنة وضمائرهم غير راضية، يشعرون أن مكانهم ليس هنا وأنهم أُقصوا إقصاءً عن الجهاد الذي اختاروه طريقًا لهم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل