; العَينُ حقّ | مجلة المجتمع

العنوان العَينُ حقّ

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 10-مايو-1977

مشاهدات 61

نشر في العدد 349

نشر في الصفحة 12

الثلاثاء 10-مايو-1977

يتحدث الناس في كل مكان عن فتوى سمعوها من التلفزيون خلاصتها «أن ما يسمى بالعين لا أصل له في الدين وهو شيء غير معقول» والناس المسلمون حين يسمعون فتوى تخالف ما عرفوه من دينهم وألفوه تجدهم يتململون ويتضايقون وينكرون ثم أخذوا يسألون أهل العلم وسألوا: هل الإصابة بالعين من الدين أوليس من الدين وهل كانت هذه الحقيقة من الزمن على خطأ فيما نعتقد وقبل أن أجيب على هذا السؤال أقول إن المسلمين في خير ما سألوا عن أمور دينهم، وتثبتوا من كل ما يلقى على مسامعهم ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (النحل:43) المسلمون في خير ما جعلوا الولاء لله والرسول -صلى الله عليه وسلم- أي إلى كتاب الله وسنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- لا للعلماء والأولياء كائنا من كانوا لأن الله يقول ﴿ اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ (الأعراف:3) والنبي الكريم يقول تركت فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وسنتي. ولعل قائلًا يقول العلماء الذين يفتون هم أيضًا يسيرون على الكتاب والسنة نعم لكنهم يصيبون ويخطئون بحكم بشريتهم يقول الإمام مالك -رحمه الله- كل إنسان يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر ويشير إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد والسؤال الذي يطرح نفسه الان: هل فتوى العلماء ملزمة لنا وهل هي دين في حقنا نتعبد الله به؟

 لا ليس كل ما يقوله العلماء دينًا في حقنا ما لم يؤيد بالدليل من كتاب الله وسنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- حينئذ يصبح دينا يلزمن الأخذ به ونائم إثمًا كبيرًا أن نحر تركناه. ومن هنا يتبين لنا إن العلماء وسائط ونقلة ينقلون للناس حكم الله ويعرفونهم به وهذه أيضــًا مهمة الرسول وسائر الرسل صلوات الله وسلامه عليهم فالرسول هو المبلغ عن ربه والعلماء ورثته يبلغون الناس أمور دينهم عن رسولهم الكريم ولكن النبي -صلى الله عليه وسلم- معصوم وغيره ليس بمعصوم.

 والحقيقة التي نؤمن بها أنه لا نبي بعد محمد إذًا فالعلماء يصيبون ويخطئون فواجبنا نحن المسلمين أن ننظر في أقوالهم فما وافق الكتاب والسنة أخذناه وما خالفهما تركناه وهذه هي نصيحتهم لاتباعهم -رضي الله عنهم- حيث يقولون بلسان واحد لا يحل لأمرئ ان يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه. وبذلك نسلم من الزيغ والضلال «ما إن تمسكتم به لن تضلوا» وما قلناه ينسحب على الأئمة الأربعة رحمهم الله فقد يختلفون في المسألة الواحدة أحدهم يجيز والآخر يمنع، أحدهم يحل والآخر يحرم في المسألة الواحدة فكيف يجتمع النقيضان في المسألة الواحدة هذا غير معقول.

إذا لا بد أن أحدهما مصيب والآخر مخطئ وقس على ذلك سائر أمور الدين ويحضرني الأن مثال يوضح ما قلناه وهو ما تبناه الإمام مالك -رحمه الله- فهو لا يرى نجاسة الكلب على أن الجمهور خلافه والدليل مع الجمهور وهو الكلب في حديث إذا ولغ إناء احدكم فليغسله سبعًا احداهن في التراب. 

فهل المالكي ملزم بهذا وهل دين في حقه مع ان الدليل مع الجمهور وهو الحديث الذي نص على نجاسة الكلب ومع كل هذا فالإمام مأجور ولو ظهر له الحق لا تبعه فهم أحرص على الاتباع منا رضي الله عنهم فواجب المسلم أن يتنقل بين الأئمة بحثًا عن الحق مدعومًا بالدليل ولا نجمد على إمام واحد إذ كلهم اخيار وفي مذاهبهم خير كثير قد يحرم المسلم إذا هو جمد على مذهب إمام واحد إذ بمجموعهم وبأمثالهم من العلماء والأئمة حفظ هذا الدين العظيم كما أخبر بذلك رب العالمين ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (الحجر:9) قلت إن الولاء يجب أن يكون لله والرسول وليس للعلماء مع الاحترام لأن العلماء بشر يخطئون ويصيبون وربما ضعف الواحد منهم وأفتى متعمدًا بفتاوى تخالف الكتاب والسنة كما سمعنا من ذلك الشيء الكثير ففي العهد التركي مثلا قالوا إنهم عطلوا الحدود بفتوى من العلماء وفي عهدنا نحن افتي عالم كبير بجواز الربا القليل وقد انهالت عليه الردود من العالم الإسلامي كلية وهذا من فضل الله ومن حفظه هذا الدين وقد رجع هذا العالم عن فتواه قبل موته بقليل ومنهم من جعل الاشتراكية والشيوعية من الدين ومنهم من أنكر أن يستجيب الله الدعاء مخالفين بذلك نص الآية الكريمة وهكذا. فلو أخذنا ديننا من العلماء لضاع الدين ولكننا نأخذ ديننا من مصادره النقية كتاب الله العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ومن سنة نبيه الكريم صلوات الله وسلامه عليه فقد حفظهما الله من التغيير والتبديل فأي محاولة للنيل من كتاب الله وسنة رسوله تبوء بالفشل الذريع وأي متلاعب بهذين المصدرين يقصمه الله ويمزقه شر ممزق فهما محفوظان بحفظ الله إلى أن يرث الأرض ومن عليها ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (الحجر:9) وعلى ضوء الكتاب والسنة نجيب على السؤال.

روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين وفي صحيحه أيضا عن أنس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رخص في الرقية من الحمه والعين والنحلة وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- العين حق وفي سنن أبي داوود عن عائشة -رضي الله عنها- قالت كان يؤمر العائن فيتوضأ ثم يفتسل منه المعين وروى مالك -رحمه الله- عن ابن شهاب عن أبي امامة بن سهل ابن حنيف قال رأي عامر بن ربيعه سهل بن حنيف يغتسل فقال والله ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة قال فلبط سهل فأتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عامرًا فتغيظ عليه وقال علام يقتل أحدكم أخاه إلا بركت؟ اغتسل له، فغسل عامر وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وواخلة إزاره في قدح ثم صب عليه فراح مع الناس وهناك أحاديث وآثار عن السلف أعرضت عنها اختصارًا وهذه الأحاديث على كثرة رواياتها ربما بلغت حد التواتر عن صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكيف ننكر العين وهذه النصوص الصريحة أمامنا كالشمس في رابعة النهار يقول أحد الأئمة -رحمه الله-: من رد حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهو على شفا هلكة. وما الباعث على رد هذه الأحاديث وهي صريحة بوجود عائن ومعين. وصفة ذلك أن ينظر المسلم إلى ما يعجبه من أخيه من نفسه أو ماله أو نحو ذلك ثم لا يذكر الله على ذلك فتكون الإصابة بالعين ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ (الكهف:39) ﴿يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ۖ (يوسف:67) والرسول الكريم يقول: «علام يقتل أحدكم أخاه ألا بركت» أي قلت تبارك الله ما شاء الله.

فذكر الله إذن يحفظ من العين.

قال أناس وهم الذين أنكروا العين هذا شيء غير معقول وهذه أدهى وأمر من سابقتها تحاكم النقل إلى العقل الله ينزل على لسان رسوله ليبلغ العباد شريعته ونحن نقول هذا شيء غير معقول لا تصدقه عقولنا. هذه العبارة لا ينبغي أن يقولها مسلم.

 هذه العبارة تشبه ما يقوله بعض من الشيوعيين والملاحدة الذين لا يؤمنون بغيب ولا بنقل لا يؤمنون إلا بما يقع تحت حواسهم يريدون أن يلمسوا ربهم بأيديهم وتراه عيونهم تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا فكيف تصدر هذه العبارة من مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر ومن أركان الإيمان الإيمان بالغيب ﴿الم ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ(البقرة:1-2-3)  فالملائكة غيب والجن غيب والجنة غيب والنار غيب وعذاب القبر غيب ونعيمه غيب ولكننا نؤمن بكل ذلك لأنه أنزله ربنا في كتابه وقاله رسولنا الكريم وحيا عن ربه والعين من ضمن هذه المغيبات من حيث الخبر ولكن العين ايضا وواقع يعرفه الخاص ويذكر شيء محسوس والعام وأصيب بها أناس كثير عن جابر يرفعه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- إن العين لتدخل الرجل القبر والجمل القدر فماذا بعد الحق إلا الضلال ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (ق:37) هذا ولابن القيم -رحمه الله- بحث طويل في هذا الموضوع في كتابه زاد المعاد صفحة ١١٦ و ١١٧ من الجزء الثالث فمن أحب أن يراجعه فإن فيه فوائد عظيمة من ذلك أنه يقول إن العائن الذي لا يذكر الله حين ينظر إلى المعين إنما تنبعث منه سهام مسمومة لا ترى تصيب المعين وقد وجدت هذه الخاصة في بعض الأفاعي ويعرف ذلك كثير من العرب فهناك بعض الحيات يصيبك سمها بمجرد نظرها إليك. وسواء صح هذا أو لم يصح فنحن نؤمن بكلام ربنا وبكلام رسولنا -صلى الله عليه وسلم-. ونقول سمعنا وأطعنا والحمد لله رب العالمين.

 

الرابط المختصر :