العنوان العولمة والتجربة الروسية
الكاتب منير شفيق
تاريخ النشر الثلاثاء 13-أكتوبر-1998
مشاهدات 71
نشر في العدد 1321
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 13-أكتوبر-1998
عندما اندلعت الأزمة الاقتصادية في الدول التي كانت تسمى النمور الآسيوية، استنادًا إلى تطورها الاقتصادي، لم تستطع النمور أن تبقى نمورًا، وكاد البعض يسميها «الأرانب».
جاءت أزمة النمور أكبر منها، وذات دلالات أبعد من حدود بلدانها، وكان صوت الرئيس الماليزي مهاتير محمد الأعلى في الإشارة إلى دور المضاربين الدوليين في الأزمة وتفاقمها، لكن مال كثير إلى تأديبها بأسباب داخلية صرف، وفي مقدمتها الفساد وسوء الإدارة، ونقصان الديمقراطية.
وهكذا بدلًا من أن تقرأ تلك الأزمة باعتبارها نتاج النظام الاقتصادي العالمي، وعلى التحديد باعتبارها إفرازًا لنظام العولمة داخل إطار ذلك النظام. اتجهت القراءة إلى البحث في أسباب داخلية، وما أكثرها دائمًا.
ثم تتالت الأزمات لتعصف بروسيا، وتطل على عدد من دول أمريكا - اللاتينية، ولم تترك البورصات العالمية بعيدًا عن هزاتها حتى بدأ الحديث على نطاق عالمي - عن العولمة ونظرياتها الاقتصادية، باعتبارها المسؤولة عن تداعي الأزمات، فبينما كان يصورها المروجون لها اتجاهًا عالميًا حتميًا، لا يقاوم، ولا مفر منه، وراحوا يدعون دولنا إلى التكيف وإياها وفقًا لشروطها. بل التسليم لها كما يسلم الميت المغسله طفقت تتعالى الأصوات الآن، بحثًا - عن خيارات أخرى، وبدأت العولمة تواجه نقدًا صارمًا باعتبارها نظامًا تدميريًا لا يحقق تقدمًا، وبخاصة للشعوب التي رزحت تحت الاشتراكية، أو الشعوب العالم.
ليس هنالك من نموذج لما تريده العولمة الأمريكية من الدول الأخرى مثل النموذج الروسي، هذا النموذج الذي خرج من الماركسية - اللينينية الاشتراكية، لينهج اقتصاد السوق، ويتبع مفهوم الإصلاح وفقًا لنصائح الإدارة الأمريكية، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، فكانت النتيجة العملية، وخلال ثماني سنوات من الاندفاع بهذا الاتجاه، كارثية على الاقتصاد والإعلام، والواقع الاجتماعي بأسره، فقد انطلقت القوى المتنفذة في الدولة، وفي السوق، تبحث عن الثراء بكل سبيل، وترعرعت مافيا خطيرة راجت تهدد أمن المجتمع، وتتحول إلى قوة مالية، تعبث في السوق بلا رادع ووجد كل ذلك دعمًا من المستثمرين الأجانب، ولا سيما من الصهاينة الذين راحوا يمكنون لأقرانهم من اليهود الروس ليبسطوا نفوذهم على الإعلام ومراكز القرار في الدولة، وبهذا تحول السوق إلى غابة بكل ما تحمل الكلمة من معنى، الأمر الذي دفع بعشرات الملايين إلى وهدة الفقر والبطالة، وأدى بالدولة إلى أن تصل حافة الإفلاس، وأوقع العجز في المصانع والمناجم حتى عجزت عن دفع أجور العمال لشهور متتالية.
بكلمة.. إنها الكارثة تضرب في كل اتجاه، وإذا بالإصلاحات تعني إفساد كل شيء، حتى بدأت الحرب الأهلية تذر بقرونها، فكانت أزمة سياسية راعبة وازمة اقتصادية خانقة، وازمة اجتماعية مدمرة، لكن على الرغم من كل ذلك راح كلينتون في زيارته الأخيرة لروسيا ينصح بمواصلة طريق الإصلاحات، وبتناول الدواء نفسه الذي أوصل الوضع إلى حشرجة الموت، وما كان موقف صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بمختلف عن التأكيد على ضرورة تجرع الدواء نفسه، أي الانتقال من الكارثة إلى كارثة أشد.
من هنا كان لا بد من وقفة ناقدة للعولمة ونظرياتها التي لا تصلح في إنقاذ الاقتصاديات المريضة، بل تؤدي بها إلى مزيد من التهلكة، فبدأت إرهاصات الرد في البحث عن خيارات بديلة، وإذا لم يكن الخيار هو الاشتراكية، فهذا لا يعني انعدام الخيارات، فالعالم لن يكون أبدًا نظامًا اقتصاديًا واحدًا في كل البلدان، فلا بد له من أن يكون متعددًا ثقافيًا واقتصاديًا وإعلاميًا واجتماعيًا، كما لا بد من أن تتضافر جهود الغالبية من دول العالم لبناء نظام اقتصادي عالمي أكثر توازنًا وعدالة، نظام لا يراعي مصلحة دولة واحدة فقط، بل كل الدول.