; العَوْلمة.. مظاهرها ومخاطرها: تزايد ظواهر الاستبعاد والتهميش | مجلة المجتمع

العنوان العَوْلمة.. مظاهرها ومخاطرها: تزايد ظواهر الاستبعاد والتهميش

الكاتب عمرو عبدالكريم

تاريخ النشر الثلاثاء 29-سبتمبر-1998

مشاهدات 80

نشر في العدد 1319

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 29-سبتمبر-1998

قضايا فكرية

  • الاتجاه لمنح الاقتصاد الأولوية على سائر القطاعات ينذر بكارثة، فالاقتصاد لا يمكنه أن يشكل سبب كينونة المجتمع ولا أن يعطي معنى لوجود الإنسان.

إذا كان العجز في التكيف مع مقتضيات العولمة في الاتحاد السوفييتي السابق قاد النظام إلى عملية تدمير ذاتي، فإنه في عالم الديمقراطيات الغربية فرض تفعيل أيديولوجية الليبرالية الكلاسيكية التي تقوم على حرية القطاع الخاص وتحرير رأس المال وإلغاء رقابة الدولة على الحياة الاقتصادية.أما في البلدان النامية (العالم الثالث والعالمين الإسلامي والعربي) فإن محاولات التكيف مع سياسات السوق- ما سمي برامج التكيف والإصلاح الهيكلي- زاد من حدة تصدعات النظم السياسية على مختلف المستويات، ولعل أهمها المستوى الاجتماعي، حيث يتم تهميش القسم الأكبر من المواطنين؛ إذ إن إقامة قطاع اقتصادي تنافسي ومندمج في السوق العالمية يترك عمليًا بقية الاقتصاد بلا موارد، وينتج عن ذلك بطالة تتجاوز نسبة ٢٠٪ في أكثر هذه البلدان، وتتخطى نسبة الذين يعيشون دون عتبة الفقر حاليًا ٤٥٪.[1]وتكشف الإحصاءات الاجتماعية تردي مستويات معيشة الأغلبية الكبيرة لبني البشر وازدياد التفاوت الاجتماعي، ولم تعد البطالة دورية تتصاعد وتهبط مع دورة النشاط الاقتصادي وإنما أصبحت متأصلة في الهيكل الاقتصادي ذاته لكل الدول الرأسمالية الكبرى، أي أن البطالة صارت أزمة «بنيوية» في هيكل الاقتصاديات الغربية.أما في دول العالم الثالث فلم يعد هناك شعور بالأمان الاجتماعي والاقتصادي، بل إن الإحساس بالضياع وعدم الاستقرار بات شرطًا دائمًا للحياة.ولعل ذلك هو ما تفرضه عملية العولمة المعاصرة، التي من أهم ملامحها طغيان قوانين التبادل العالمي المفروضة من جانب المراكز الصناعية الكبرى على قوانين واحتياجات الاقتصاد المحلي للدول الوطنية وإخضاعها بالكامل.

استقطاب اقتصادي حاد:

وقد أكد تقرير برنامج التنمية للأمم المتحدة عام ١٩٩٦م على أن العالم شهد خلال الخمس عشرة سنة الماضية استقطابًا حادًا من الناحية الاقتصادية، استقطابًا بين الدول وبعضها والبعض الآخر، واستقطابًا داخل كل دولة على حدة، كما حذر التقرير من أن استمرار الاتجاه الحالي للاستقطاب في القرن القادم سيضعنا بإزاء صورة عملاق عالمي غريب على نحو بشع يتجاوز كل الحدود ومغاير لكل ما هو طبيعي بسبب حجم التفاوت البشري الاقتصادي.

وهذه الاتجاهات ليست مستمرة فقط، بل إنها تتسارع، ففي ۲۲ من أبريل ۱۹۹۷م نشرت شركة ميريل لينش الاستشارية والمالية «جيميني» دراسة توضح أن ثروة أغنى أفراد العالم- حوالي ٦ ملايين مليونير- ارتفعت إلى ١٦ تريليون دولار عام ١٩٩٦م وتوشك أن تصل إلى ٢٤ تريليون دولار مع نهاية هذا القرن، وهذا المبلغ يعادل مجموع دخل ۲٫۳ مليار إنسان (الأفقر في العالم) مضروبًا في ثلاث مرات.[2]

ولعل ذلك مبعث سيادة نمط الخطاب الاقتصادي واعتباره مفتاح الحل لكل المشاكل المستعصية والمتراكمة، واعتبار الاقتصاد كل شيء وهو الأساس، وأن على بقية القطاعات أن تكيف نفسها مع مقتضيات الخطاب الاقتصادي، وهذا الاتجاه ينذر بكارثة، لأن الاقتصاد لا يمكنه أن يشكل سبب كينونة المجتمع ولا أن يعطي معنى لوجود الإنسان، وإذا ما كان التحكم بآليات السوق هو الشرط الأول لإدارة اقتصادية جيدة فإن التحكم السياسي بالاقتصاد هو الشرط الأول لإقامة نظام اجتماعي قابل للحياة، إنه لمن اختصاص السياسة أن تلبي تطلعات المجتمعات وتحدد نظام أولوياته، والتصدي للبطالة والفقر والتفاوتات، وهذا هو شرط تكوين مجموعة اجتماعية متماسكة ومتضامنة ومتجاوزة لعدوانيتها.[3]

إن أخطر ما في العولمة من زاوية أبعادها الاجتماعية أنها تفرض على الفرد الراغب في الاندماج فيها- إن كان الفرد يملك قدرًا من حرية الاختيار- أن يقوم بعملية تكييف «عميقة» لاتجاهاته وقناعاته ونمط تفكيره مع قيم وطريقة التفكير التي تتطلبها تفاعلات العولمة. 

ولأن كثيرًا من شعوب المعمورة ما زالت ترفض إنسان نيتشه- الفيلسوف الألماني الشهير- السوبرمان الذي لا يعبر عن جوهر إنساني بقدر ما يعبر عن المادية الدارونية- فإن ذلك هو مثار الصراع على المستوى الخارجي وسبب التصدع على المستوى الداخلي، لأن الولايات المتحدة باستخدامها آليات العولمة تقوم بإعادة تنظيم الذاكرة الجماعية لشعوب الأرض وتغيير قيمها ورموزها ونظرتها للإنسان والكون والحياة لتتطابق مع أمة لا تاريخ لها ولا ذاكرة، بل إن عمرها في الحياة لا يتعدى المائتي عام.

تركز الثروة وحتمية البطالة:

إن النتيجة الحتمية لعملية تقليص عدد الفاعلين في النشاط الاقتصادي على المستوى العالمي هو تركز الثروة في أيدي أقلية من البشر وفي هذا المجال يقدر بعض الباحثين الاقتصاديين أن ما لا يزيد على خمس عشرة شبكة عالمية- مندمجة بهذا القدر أو ذاك- هي التي تشكل الفاعل الحقيقي في مجال السيطرة على السوق العالمية، وأن أصحاب هذه الشبكة هم السادة الفعليون للعالم الجديد، عالم العولمة. [4]كما يؤدى تركيز الثروة إلى تحويلها إلى مصادر للنفوذ وخلق السياسات، ففي تقرير الأمم المتحدة المشار إليه آنفًا ذكر أن ٣٥٨ مليارديرًا من كبار الأثرياء في العالم يحصلون على ربح صاف قدره ٧٦٠ مليار دولار سنويًا، أي ما يعادل دخل ٤٥٪ من سكان العالم.[5] أي أن ۲۰٪ من كبار أغنياء العالم يقتسمون فيما بينهم ۸۰٪ من الإنتاج العالمي.والنتيجة الاجتماعية لهذا التركيز المفرط للثروة على الصعيد العالمي تعميق الهوة بين الدول وبين شرائح المجتمع الواحد، ليس فقط بين الطبقات بل أيضًا بين الفئات داخل الطبقة الواحدة، وبين الفصائل والأفراد داخل الفئة الواحدة، ومن ثم فإن أهم النتائج المباشرة للعولمة-على هذا الشكل- هي تعميم الفقر، وهي نتيجة حتمية لتعميق التفاوت، وذلك أن القاعدة الاقتصادية التي تحكم اقتصاد العولمة هي تخفيض تكلفة الإنتاج بفضل التكنولوجيا والمعالجات الجديدة وعن طريق الاستغناء عن العمال وتسريحهم «البطالة» وإفقار قطاعات أوسع من القوى العاملة.إن أربعين من أقوى بنوك العالم يمكن أن تدك كل الصناعات الوطنية ولا يبقى بعد أن ينقشع دخان المعركة سوى جيوش المتعطلين «١٤٪ نسبة البطالة في العالم العربي ومطلوب ٢,٥ مليون فرصة عمل سنويًا لإبقائها عند مستوياتها»[6]، وبعد أن كان النمو الاقتصادي في الماضي يخلق فرص العمل، فإن النمو الاقتصادي في إطار اقتصاد العولمة والليبرالية المتوحشة يؤدي إلى تخفيض فرص العمل بل وإلى جعلها في حدها الأدنى، وذلك أن أكثر القطاعات الاقتصادية رواجًا «الإلكترونيات- الاتصال- المال» لا تحتاج إلا إلى عدد قليل من العمالة، وذلك بفضل التقدم التكنولوجي الهائل، فتصغير الحجم Down Sizing هو الكلمة السحرية في مجتمع العولمة حتى وصل الأمر إلى تشغيل بعض العاملين في الإدارة أو في المعلومات وما يتصل بها من منازلهم بتوفير حاسوب للموظف في بيته متصل بحاسوب الشركة وفي إطار هذا العمل عن بعد Telework يتلقى الموظف التعليمات على شاشة الحاسوب الذي يستخدمه بالطبع في إعداد الرد. ثم يرسل الرد إلى المقر بالطريقة نفسها.[7]ومن هنا تطالب هذه الشركات العمال بأن يتسموا بالمرونة، فعليهم أن ينسوا العمل حتى التقاعد في الشركة نفسها، أو في المكان نفسه، ولكن الوجه الآخر لتلك المرونة هو عدم استقرار فرص العمل وتغليب نوع من العمل العارض، والخطر الأساس هنا يكمن في اهتزاز نظام الضمان الاجتماعي القائم كله على عمالة مستقرة، وستظل نتيجة العولمة النهائية متوقفة على هذا القدر الذي ستبديه الشعوب في المقاومة، ولن تكون العولمة أبدًا قدرًا مقدورًا، ففي البدء كانت الممانعة.إذا كانت أهم ملامح العولمة السيطرة على المعرفة والمعلومات وتجاوز الصناعات الإلكترونية الدقيقة التي استنفدت أموالاً طائلة في بناء شبكات الاتصال الأرضية إلى صناعات بالغة التعقيد والتقدم تعتمد على التحكم في الفضاء وإدارة الاتصالات من خلال أقمار صناعية، فإن أهم سماتها وجود منظومة رأسمالية عالمية متحكمة في مختلف مكونات تلك العولمة تتمثل في ثلاثة تكوينات أساسية:

أولها: الدول الرأسمالية الكبرى وتحديدًا الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون.

ثانيها: المؤسسات الاقتصادية العالمية مثل صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والجات.

ثالثها: الشركات متعدية الجنسية. 

هذه المكونات الثلاثة مجتمعة تفرض على العالم نمطًا واحدًا من أنماط الحياة والعولمة، تتسم فيه العلاقات الدولية بعدد من الآثار السلبية من وجهة نظر الدول الضعيفة أهمها: 

1- تهميش الدول النامية، لأن قواعد التعامل تفرضها الدول المتقدمة «القواعد يفرضها القوي ويخضع لها الضعيف».

2- التعامل بمعايير مزدوجة، حيث تتم عملية التحرير الاقتصادي بسرعة في المجالات التي تهم الدول المتقدمة وتحقق من خلالها مكاسب كبيرة مثل تحرير الصناعة وتكنولوجيا المعلومات، أما المجالات التي تهم الدول النامية، ويمكن أن تحقق من خلالها مكاسب، فتحريرها يتم ببطء، بل وتضع الدول المتقدمة أمامها عقبات وضغوطًا مثل ما يحدث في قطاعات تحرير المنسوجات والزراعة وحرية انتقال العمالة.

3- تفرض الدول المتقدمة الالتزامات العديدة على الدول النامية وتطالب بتنفيذها، وفي الوقت نفسه تقوم الدول المتقدمة بالتملص من التزاماتها تجاه الدول النامية.إلا أن الأمر يختلف إلى حد كبير من زاوية مختلف شعوب العالم الثالث بما فيها العالم العربي والإسلامي، إذ إن محاولة اللحاق بركب سوق العولمة الواسع لن تقتصر متطلباته على تعلم اللغة الأجنبية وعلوم الكمبيوتر وتعلم البرامج والعمل على شبكة الإنترنت بل لا بد على الفرد الراغب في الاندماج في تلك المنظومة وأسواق عملها من أن يقوم بعملية تكييف لاتجاهاته وقناعاته ونمط تفكيره.إن هذه الأدوات والوسائل التي يراد لها أن تساهم في تنميط البشر وإعادة إنتاجهم على صورة الرجل الغربي «وبخاصة الأمريكي» والمرأة الغربية «وبخاصة الأمريكية»، يمكن أن تكون أدوات مساعدة في إبقاء التنوع الإنساني من خلال طرح نموذج العالمية في مواجهة نموذج العولمة، كما أن نفاد المعلومات يمكن أن يساهم في عرض الأفكار الصحيحة على هؤلاء الذين يحولون إلى أدوات استهلاكية في الغرب. فمعرفة الناس والاطلاع على أحوالهم، والسير في الأرض هي قيم إسلامية عليا تجعل التعارف وسيلة لالتقاء الحضارات وإدارة التفاهم بين الشعوب وليس من قبيل أدوات الهيمنة الحالية، كما أن التصدي لأخطار العولمة لا ينتهي عند التنديد بها، باعتبارها خطرًا خارجيًا، وإنما يبدأ حقيقة بالبحث عن أسباب تلك القابلية للاستعمار «كما سماها الأستاذ مالك بن نبي يرحمه الله»، ومعالجة جذور الضعف الكامن في بنية مجتمعاتنا العربية والإسلامية بشكل يجعلها قادرة على المواجهة والتصدي لأخطار تلك العولمة، ويزيد من فعاليتها وقدرتها على الاستفادة مما تتيحه العولمة من فرص وما أكثرها لو أحسن استغلالها والانتفاع من إمكاناتها.

بين العولمة المفروضة والعولمة الطوعية:

إذا كانت تعقيدات الأوضاع المعاصرة التي تعيشها مجتمعاتنا تفرض أقدارًا من قبول العولمة حتى على من يرفضها، فإن أخطر أنواع العولمة هي تلك العولمة الطوعية التي يدخل فيها الفرد باختياره وبملء إرادته، إذ إنها عولمة لا شعورية تلقائية يصل فيها المرء باختياره إلى الانهزامية والاستلاب في مواجهة النموذج الغازي، ولعل ذلك هو ما يقرره ابن خلدون في مقدمته أن المغلوب مولع بتقليد الغالب.لكن مع ذلك ينبغي أن نفرق بين هزيمة الجيوش وانكسار الأمم والشعوب، إذ إن الأولى في بعدها العسكري تعبير موجز عن طبيعة الحروب، فالمعارك إن هي إلا كر وفر أما انكسار الأمم وهزيمة الشعوب فهي القاصمة.ولعل ذلك ما تعلمنا إياه تجربة حروب الفرنجة (الحروب الصليبية) فعلى الرغم مما حققته تلك الحروب خلال غزواتها المتعددة ومكوثها في بلادنا بين القرنين السابع والتاسع للهجرة الموافق للقرنين الثاني عشر والثالث عشر للميلاد، فقد استطاعت تلك الحملات البربرية أن تعمل السيف في رقاب مئات الألوف، واستطاعت أن تمزق وتجزئ وتفسد في الأرض، ولكن الشيء الذي لم تستطع أن تفعله هو تخريب النمط العقدي الفكري الاجتماعي الحضاري ذي الطابع الإسلامي للبلاد، الأمر الذي أبقى السلطة الفرنجية خارج المجتمع، على الرغم من أن سيوفها وخناجرها تغلغلت في داخل المجتمع، لقد أثبتت تلك التجربة أن الإسلام حين يبقى في قلوب الناس وفي شرايين حياتهم يشكل حالة مقاومة مستمرة تجعل الاحتلال أمرًا ملفوظًا ومؤقتاً مهما بلغت سطوته ووصلت درجة قوته. ولعل هذا ما يفسر موقف نابليون حين اجتاح مصر بجيوشه، فقد وجد نفسه في وجه «صدفة» مغلقة لم يستطع أن ينفذ إلى داخلها، ولهذا تظاهر بإعلان إسلامه كذبًا حتى يجد له مكانًا في الداخل ليجعل حكم السيف أمرًا قابلًا للاستمرار وهكذا كل محتل- حتى في ظل العولمة- لا بد له من تحطيم مقومات المجتمع الأصلي، ثم استحداث مجتمع آخر مكانه، وذلك لأن السيطرة العسكرية غير ممكنة ما لم تحطم تلك المقومات (العقدية والحضارية) وتحل محلها مقومات التبعية من خلال إقامة المجتمع الاستهلاكي التابع، وبهذا تستمر التبعية بإعادة إنتاج نفسها، وساعتها تدخل الشعوب في مضمار العولمة الطوعية التي لا فكاك منها إلا أن يشاء الله شيئًا.

[1] برهان غليون العولمة وخطر الانفجار مقترحات بناء خيارات بديلة شؤون الأوسط العدد ٥٢ يونيو ١٩٩٦م ص ٧٣.

[2] نبيل زكي، أيديولوجية الهيمنة على العالم أوراق الشرق الأوسط العدد ۲۱ مارس- يونيو ۱۹۹۸م، ص ۳۳.

[3] برهان غليون مرجع سابق ص ٧٦.

[4] د. محمد عابد الجابري، قضايا في الفكر المعاصر بيروت مركز دراسات الوحدة العربية، ۱۹۹۷م، ص ١٤٠.

[5] نبيل زكي، مرجع سابق، ص ۳۲.

[6] المرجع السابق، ص ۳۸.

[7]  د. إسماعيل صبري عبد الله الكوكبة، مرجع سابق، ص ٩٦.

الرابط المختصر :