; العولمة: أسماء.. ولا مسميات | مجلة المجتمع

العنوان العولمة: أسماء.. ولا مسميات

الكاتب حسام الدين السيد

تاريخ النشر الثلاثاء 22-سبتمبر-1998

مشاهدات 71

نشر في العدد 1318

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 22-سبتمبر-1998

قضايا فكرية

حتى حركات التمرد على السائد والمسيطر من اتجاهات ما بعد الحداثة.. وحتى حركات التحرر الثوري لم تقدم جديدًا ولم تكن أكثر من تنويعات على ما هو سائد بالفعل.

الطوفان المعلوماتي الداهم يمنع التفكير.. ويؤدي لتضليل فعلي أكثر مما يؤدي إلى تنوير حقيقي.

كلما رفعنا رجلنا لنمتطي صهوة الجواد، صادفنا كبوته! مكتوب على العرب التأقلم بدلًا من التعلم، واللحاق بدلًا من السبق.. مكتوب عليهم أن يؤمنوا بيقين الرواسخ أن البقاء للأقوى، وينكروا تمامًا أن الله ينصر من ينصره، وأن «الضعيف فيكم قوي عندي حتى أخذ الحق له»!!

ما جرت الأخبار حولنا ولا تدفق شلال المعلومات كطوفان نوح، إلا لتأكيد هذه المعاني لنا، وترسيخ مفهوم العولمة كقدر محتوم، وشبح كنهه غير معلوم، نأخذه كما هو وننسى ما عندنا من إنشاء!، لنكون عمليين وناجحين راشدين، وإلا فالسوق يدهسنا، وشلال المعلومات يغرقنا، والغريب أن يحدث كل هذا في «القرية» أعنى القرية الكونية التي تضاءل حجم المكان وشكل الزمان فيها، بل تغيرت طبيعته ومفهومه وأصبح الدال لا يعبر عن المدلول.. ومن هنا نبدأ التناول الذي نريد أن نطرحه لمفهوم العولمة.

تصغير الكوكب الأرضي:

علاقة ارتباط سببي أثبتها التاريخ فصارت حقيقة واقعة، كلما زادت قدرة وسرعة تداول المعلومات صغر العالم في إدراكنا، وأصبح -نظريًا- متقارب الأنحاء مترابط الأجزاء، وصرنا نراه تحت الضبط والسيطرة ويمنحنا القدرة على الاستشراف والتنبؤ، من اكتشاف النار والعجلة، وصولاً إلى الهندسة الوراثية والاستنساخ، وبينما يحدث هذا كان «السوق» هو المجال الذي تبرز فيه هذه الحقيقة، فهو مكان التلاقي، وخلق الحاجات، وتبادلها وإشباعها، وتحقيق الثروة، واستمرار السيطرة، والروح التي تدفق الحياة في جسد السوق هي المعلومات.

بالتوقف قليلاً أمام هذين المتغيرين نستطيع أن نلحظ الحالة المزمنة في التاريخ البشري من الرغبة في تصغير حجم الكوكب الأرضي، وضمان السيطرة عليه، واستحالة كل ما هو مجهول إلى معلوم، وكل ما هو ظن إلى يقين، وكل ما هو روح وإحساس إلى علم تجريبي محكم.. آية ذلك تتجلى في إطلالة عابرة على زمن مضى، فلم يكن اختراع المطبعة على يد «يوهان جوتنبرج» في منتصف القرن الخامس عشر «١٤٥٦م» كافيًا وحده لتصغير العالم، وعولمته. المطبعة ساعدت على التداول السريع للمعلومات والمعرفة، لكنها كذلك وفقاً للعالم الكندي «مارشال ماكلوهان» أورثت البشرية نمط التفكير السطري، حيث التلقي عن طريق قفزات متتالية بتتالي السطور للخروج في النهاية إلى نتيجة نهائية، هي حصيلة تتالي وتراكم المعلومات المجزأة في سطور متتابعة، وتراجعت لذلك الثقافة الشفهية والمصورة، التي تتميز بالإدراك الكلي الشامل، والتلقي عن طريق التخيل، والتصور المسبق لا التتالي المجزأ، ومن ثم تميزت الثقافة الشفهية على السطرية، بوجود اللامرتي والأسطورة والخيال، وهي أشياء لا تستقيم مع الطبيعة الجديدة للعالم المراد عولمته وتصغيره.

أهلت المطبعة إذن العالم لنمط مختلف من الثقافة والتفكير والإدراك، ومثلت حدًا فاصلًا في تراجع الاعتماد على البشر لنقل المعرفة، وصارت الآلة هي الوسيط، مما مهد الطريق لمفهوم حياد ثقافة المجتمعات وقابليتها للتداول وتراجع الشعور الحاد بالخصوصية، ولم يستغرق الأمر سوى سنوات ليصبح هناك فكر عالمي، وأدب عالمي، وصادف هذا ما يسميه الأوروبيون عصر الرينيسانس «أو النهضة» فأصبح النموذج الأوروبي يعادل -إلى حد ما في ذلك الوقت- ما هو عالمي، على الأقل في العناصر القابلة للتبادل والتداول من الثقافة، مثل الأدب والفنون بأنواعها، صار العالم أصغر بالإدراك.

تنميط حياة البشر:

تصاغر العالم بالفعل من خلال السوق، مع تنامي الرأسمالية التجارية، وتغير أنماط الإنتاج نتيجة تغير قدرات الاتصال وتناقل المعلومات والبضائع عبر البحار، تولد الإحساس بالحجم المختلف للعالم، ومع نشاط التجارة أصبح الوصول إلى نقاط بعيدة في الخيال، حقيقة قريبة على أرض الواقع، ترابطت مصالح العالم وتشابكت، وأصبحت الثورات الاجتماعية وتململ العبيد من الإقطاع، ومشكلات الهيمنة الكنسية على حرية المجتمعات، وتداعي الممالك الإسلامية، وتلاقي الحضارات، وتبادل الثقافات.. أصبح ذلك كله واقعاً حققه السوق عندما تشابكت المصالح، وتدانى الكوكب الأرضي في نقطة وقوف حاسمة، عندما صادفت الرأسمالية التجارية المطبعة!

الثورة الصناعية التي اتفق الجميع على أنها علامة في تاريخ البشرية، لم تكن فقط قفزة هائلة في تسارع المعلومات، وانقلابًا في نمط الإنتاج، بل استمراراً لتصغير الكوكب الأرضي، والأهم في هذه المرحلة تنميطه، حيث اتسعت الأسواق، وتسارعت حركة التصنيع وتبادل السلع، وفي ظل هيمنة رأسمالية كان من الضروري أن تكون السلع متداولة على أكبر نطاق ممكن، ولأنها مصنعة فهي متشابهة ونمطية، واستدعى هذه تنميط الحاجات البشرية، وإعادة صياغتها لتتشابه كلها في الشرق كما في الغرب.

لم يكن هناك أنسب من شعارات الثورة الفرنسية «الحرية - الإخاء - المساواة» للقبول في أنحاء المعمورة باعتبارها قيم محل اتفاق الثقافات المختلفة، ومع الثورة الأولى للاتصالات «الراديو - التليفون» كانت الشعارات أكثر قابلية للتسويق حتى بعد زوال زمانها وانكسار الثورة نفسها! لكن مفهوم الدولة القومية والمجتمع الصناعي كان قد ترسخ، وصار بفضل الهيمنة الرأسمالية، واستغلال الشمال الصناعي للجنوب الفقير، النموذج الوحيد المطروح باعتباره قرين النجاح، ولا للتساؤل حول مدى نجاح الدولة القومية وتلبيتها لحاجات الشعوب المتعطشة بالفعل للحرية والمساواة، لكنها لم تحظ بشيء كثير إلى الآن بسبب فقهاء السلطة تارة، وفلاسفة السوء الذين زينوا الشعارات وأعلامها، وجعلوا الدولة دين، والسلطة إلهاً، والعالم قرية!!

تشابه المختلفات:

حتى الخلاص الشيوعي.. والثورة البلشفية - وهي محطة أخرى في تاريخ البشرية. كانت الحتمية، وقولبة العالم في نموذج وحيد ناجح من وجهة نظرها، حتى النمط السائد في تنظيراتها الفلسفية عند هيجل ثم ماركس، وحتى في ممارساتها العلمية على تنوعها واختلافها الحاد بين لينين وستالين وماو وتيتو، فالمرحلة الخامسة النهائية من الحل الشيوعي، لا تتحقق إلا بتحول العالم إلى قرية كونية تتلاشى فيها الحدود والسلطة، وقد استخدمت السلطات الشيوعية ألة الاتصال «الميديا» المريعة بشكل عكسي لتحقيق طرحها الاقتصادي وخلق سوق آخر مستقل عن السوق الرأسمالي القائم، وتطلب هذا خلق احتياجات مختلفة ونسق تدفق معلومات أخر - اعتمدت على الإذاعة السلكية والاتصال الجمعي المحدود - وستاراً حديدياً لمنع التدفق الاتصالي من الجانب الآخر، وأصبح هناك نموذجان متناقضان في الشكل «اشتراكي مقابل رأسمالي» متفقان في المضمون «إلغاء التنوع وتوحيد العالم وتصغيره تحت السيطرة»، حتى الترجمات العربية لهذه الفكرة حملت على عاتقها المفهوم نفسه بسذاجة نادرة، وكان الشعار المرفوع هو تذويب الفوارق بين الطبقات، ومع ذلك حدث الشيء وضده، حدثت سيولة في المجتمع واستقطاب حاد بين الطبقات، واختفى تنوع الثقافات بفعل تشويهها.

يدفعنا هذا للتوقف عند مفهوم فاعل في طريق تصغير الكوكب الأرضي، وهو اتجاه الحداثة، وهي فكرة غربية أوروبية المنشأ والممارسة انتشرت كالنار في الهشيم على امتداد المعمورة، دون مناسبة، سوى عدم وجود نماذج أخرى قوية للتحقق في ذلك الوقت، وفي ظل الهيمنة الاستعمارية، كان المضمون الفعلي للحداثة ينتظم على ثلاثة محاور: التصنيع والترشيد والتنميط، فالمجتمع الناجح، مجتمع الوفرة، هو المرشد الذي يتحول كل فرد فيه إلى جزء من حلقة الإنتاج، والإنتاج يجب أن يكون في هذه الحالة قادراً على خلق أوسع سوق ممكن وبأقل تكلفة، لذلك فهو نمطي متشابه، وانتقلت عدوى الحداثة للفن والأدب والثقافة، وأصبح النموذج المثالي الرشيد «لماكس فيبر» هو المبتغى والمحتذى.. حالة ولدت في العالم قوليته وعولمته، وأصبح القانون هو البقاء للأقوى وفق «نيتشه» من يومها ولدت القاعدة، وزادت رسوخًا كلما زادت انتشارًا بفضل ثورة الاتصال والميديا، الحياة صراع والبقاء للأقوى، والعولمة تقتضي تنميط الإنسان الرشيد ليصبح وحدة موظفة في نسق الإنتاج الصناعي، ويكون كل شيء قابلاً للتداول والتثمين وفقاً لقانون السوق «العالمي» الذي يخلق نفسه.

مُسلّمات دون مناقشة:

حتى نهاية الحرب العالمية الثانية كان السوق على هذه الحال، هو المسيطر والموجه للعلاقات والثقافات، وحتى حركات التمرد على السائد والمسيطر من اتجاهات ما بعد الحداثة والمستقبلية، وحتى حركات التحرر الثوري، كانت تنويعاً على ما هو سائد، فمفاهيم مثل التقدم والتطور والتنمية. كانت قد ترسخت وأصبحت لا تحمل إلا شكلًا واحدًا هو القفز المستمر إلى الأمام، وتطوير الاتصال لتسريع إيقاع الحياة فتتقارب المسافات من أجل مزيد من السرعة والتصغير واستعلاء السوق.

لم تواجه حركات الرفض والتغيير ولا حتى الاتجاهات المتمسكة بخصوصيتها الثقافية هذه المفاهيم الراسخة، ولم تناقشها، بل كان من يجرؤ على انتقاد طريق التطوير هذا يتهم بالظلامية والتخلف، وصار الشعار هو مواكبة الركب، ومسايرة العالم، ومزيد من التكنولوجيا، مزيد من النهضة، كيف؟ وأين؟ وماذا...؟ لا وقت عند أحد لا للسؤال ولا للإجابة، فالمعلومات تتدفق بما لا يسمح بهذا الترف!

بعد الحرب العالمية الثانية كانت قوى جديدة بازغة تدرك المتغيرات الفاعلة «السوق والتدفق المعلوماتي»، ولرغبتها في الركوب على ظهر العالم كان عليها أن تشعل السباق، فتم التنظير للاتصال والإعلام كعلم مستقل مع مطلع الخمسينيات وتغيرت نظريات وقوانين السوق لتكسبه مزيداً من السرعة والفاعلية، ونشطت البورصات، لتتحول الثورة إلى سلعة وتصبح النقود نفسها سلعة، وشهدت وسائل الاتصال ونقل المعلومات قفزات وطفرات يعجز عن وصفها القلم، ويقف دونها الخيال، لن تكون أخرها شبكة الإنترنت المرعبة.

المسلمون مكان المفعول:

لم أقصد من كل ما سبق استعراض تطور الفكر البشرى فيما يتعلق بالعولمة، فهو أمر يحتاج لمساحات أكبر، ولا أريد إثبات أن العولمة أو الكوكبة ظاهرة ضاربة في التاريخ، فليس هذا همي هنا، بل أريد العكس تمامًا، فما نواجهه اليوم ونسميه «عولمة» وتعقد له المؤتمرات والندوات والحلقات، وتقوم على مفاهيمها سجالات فكرية تصل للمعارك.. كل هذا من أجل أمر فات وانقضى!

فمن الواضح وفق ما سبق أن العالم لم يجنح يوماً للتقارب والتكتل، بل كان الهم الأهم التفتيت لكل ما هو كل، فتصغير الكوكب لا يتم إلا بالتجزيء، الأمر الآخر أن الضجيج اللفظي الذي نراه يصلح لعالم ما قبل الحرب العالمية الثانية، وكل الجدل الدائر لو أبدلت تاريخه بخمسين عامًا للوراء لكان أوفق وألين.. فما نواجهه الآن ليس فوضى كما يراها «سمير أمين» المفكر الماركسي المعروف ستكون نتيجتها النهائية حال الاستقرار انهيار الرأسمالية البغيضة لتحل محلها الاشتراكية الجميلة -والتعبيرات من عنده بالنص- فكلا الاتجاهين الآن يتشكلان بالأسماء نفسها ومضمون مختلف تماماً عما الفناه عبر التاريخ، ولا أحسب أننا نخضع لتخطيط محكم وإدارة مستعلية مسيطرة توجهنا كما تشاء وتدير «العولمة» لصالحها فقط مثلما يرى ذلك «صادق العظم» وإذا سلمنا مع «فرانسيس فوكوياما» بأننا في نهاية التاريخ، أو مع «صمويل هنتنجتون» بأن الأيديولوجيا قد انتهت -كنتيجة للتحديث المستمر وثورة الاتصال- وأننا نواجه صراعًا محتملًا للحضارات، في ظل إعادة صنع النظام العالمي، نكون بذلك قد سلمنا بالمنظومة نفسها العدمية الصدامية التي ترى الحياة صراعًا مستمرًا البقاء فيه للأقوى، وهو ما نكفر به لأننا ندعو لفكرة إعمار الأرض والاستخلاف فيها، أما المدخل الأكثر هزلًا وفكاهة في تناول مسألة العولمة فهو الفتاوى الشرعية الرسمية وغير الرسمية التي تصدر من إعلام المجتمعات المسلمة بأننا مع العولمة مادامت ليست ضد الإسلام، وما دمنا نحافظ على أخلاقنا قلا خوف علينا ولا تثريب! -كذا بالنص-، وهو كلام كارثة يضمن استمرار المسلمين والعرب في وضع المفعول به!

مع امتداد التاريخ في القرون الخمسة الماضية حافظ المسلمون على هامشيتهم في عملية تصغير الكوكب، باليقين كان هذا طبيعيًا بل وحتميًا في وقت ما، لأن الرؤية الإسلامية نقيض هذا التفتيت والترشيد والتسويق للإنسان وحاجاته، والعمران في الإسلام قائم على تكافل المستضعفين مع الأقوياء لا صراعهما، بالتالي ابتعدت المجتمعات الإسلامية وعلماؤها ومفكروها عن هذا الإصرار الغربي المتعمد على تسريع الإيقاع وتصغير المسافة وتعظيم الربح، لكن حتى عندما اكتشف المسلمون أن من جاور الحداد اكتوى بناره، وأن ما يجري في العالم يصيبهم، حافظوا على موقعهم بجدارة، متلقين متأقلمين.. لاحقين.. مفعول بهم.. لا فاعلين.

أسماء ومسميات:

ما نواجهه الآن شيء غير مألوف، وربما غير معروف. أخطر ما فيه على الإطلاق أن الأسماء التقليدية للأشياء لم تعد تدل بالفعل على مسمياتها، فالسوق لم تعد تجارة ولا حتى شطارة، وكل الظواهر التي نشهدها فيه ليس لها علاقة بالمفهوم المستقر عن السوق، لقد تغول وأصبحت قوانينه خارج نطاق السيطرة.

فمع أول يوليو ١٩٩٨م، وبعد ٣١٩ عامًا من العمل تغلق واحدة من أقدم البورصات في العالم أبوابها، حيث عقدت بورصة الشاي العالمية في لندن آخر جلسة لها يوم ٢٩ من يونيو، لتختفي بعد ذلك إلى الأبد، وقد أنشئت البورصة عام ١٦٧٩م، وكانت تعقد جلسة كل أسبوع لتحديد أسعار الشاي على مستوى العالم، هي إذن نموذج مثالي للمفهوم السائد عن العولمة، وشهدت أيام ازدهار كبيرة عندما كانت سفن الشاي القديمة تأخذ وقتًا طويلاً إلى أن تصل إلى أسواق الشاي والقهوة، لكن مع تسارع عملية التجارة عبر الإنترنت والبريد الإلكتروني فإن البورصة واجهت مشاكل بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، دفعت المسؤولين عنها في النهاية إلى إغلاقها، السوق يغيّر جلده.. ويأخذ شكلاً آخر ومع ذلك مازلنا نسميه سوقاً، فلا ندرى له اسمًا أخر، واليد الخفية للسوق التي تحدث عنها «أدم سميث» قبل قرنين أصبحت الآن ظاهرة لا اسم لها بعد.

ينسحب الأمر نفسه على الجناح الآخر للعولمة، أعني الإعلام، والاتصال، والميديا، وتدفق المعلومات، فالطوفان المعلوماتي الداهم المتسارع يمنع التفكير، ويؤدي لتضليل فعلي أكثر، مما يؤدي إلى تنوير حقيقي، أهم أسباب هذه الحالة أن المعلومات تعطى في حالة من الجفاف، أي المعلومة الصغيرة الحالية فقط دون نسقها ودون إطارها الذي تدور فيه، ونتيجة التدافع المعلوماتي، لا يوجد وقت عند أحد للبحث عن السياق.

ومع ذلك مازلنا نسمي هذا ثورة المعلومات والاتصالات، ونسمي الأجهزة أدوات إعلام.. هل عندنا أسماء أخرى؟!

الدولة كذلك في ظل العولمة تأخذ شكلًا مازلنا نسميه الدولة، لكنها في ظل اتجاه تفتيت البنى التقليدية لكل شيء الذي نعيش في ظله، تحولت إلى منسق أو مسهل للأنشطة التي تدور على أرضها أكثر من كونها دولة بمفهوم الدولة القومية الحاكمة، أصبحت وسيطاً، سمساراً، سلطة تحكم باسم السوق، ويتنامى ما يسمى المجتمع المدني في ظل التغيرات الحالية، ليصبح هو الوكيل عن الشعب في حقوقه لا الدولة، ومع ذلك مازلنا نسمي ما نعيش في كنفه دولة وسلطة مع أن كل التعريفات لا تنطبق عليها إنها أزمة تسمية، بل هي أزمة إدراك وتفاعل مع الظاهرة الخارقة، لأن السحر انقلب على الساحر، والسعي الحثيث لتصغير الكوكب الأرضي، أدى إلى تلاشيه وإلى التعامل مع عالم متوهم لا سبيل لحقيقة ملموسة فيه، مادام الانشطار النووي لعولمته قد بدأ، فما شهده التاريخ على مر قرونه الأخيرة عالم، وما نعيش فيه منذ مطلع التسعينيات عالم آخر تمامًا.. كلنا يتحدث عن العولمة وفق هواه، فمن يرى فيها معادل الطغيان يرى، ومن يرى فيها الهيمنة الغربية يرى، ومن يرى فيها المستقبل يرى، ومن يراها سوقًا مفتوحة، ومن يراها قرية كونية.. هي كالفيل الذي تحسسه العميان، فوصفه كل واحد حسب الجزء الذي تحسسه من جسم الفيل، وإن امتازت العولمة على الفيل بأنها غير ملموسة أصلًا.

البحث عن أرض:

لم يمض سوى أسابيع على انفضاض المونديال الفرنسي لكرة القدم، وكان «جواو هافيلانج» رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم «السابق» يقول في كأس العالم بإسبانيا عام ١٩٨٢م: «إن بطولات كأس العالم للفرق المحترفة، وليست للهواة، ولابد من أن تفوز الفرق الكبيرة من أجل نجاح البطولة، وإلا فإننا لن نجد مئة دولار نقتسمها «أرأيت»، ساعتها كان يبرر هافيلانج بهذا القول فضيحة التآمر بين ألمانيا والنمسا ضد الجزائر.

في بطولة فرنسا لعام ١٩٩٨م كرر «جوزيف بلاتر» الرئيس الجديد لاتحاد الكرة الدولي المعنى نفسه، الذي صار مبدأ، حتى المنافسة الحرة العلنية صار لها شكل أخر وتحكمها قوانين أخرى إن صح أن نسمي هذه قوانين.

نحن أمام عالم مختلف غير الذي نعرفه، أو حتى نتصوره، الأكثر خطورة فيما نشهده هو هذا الجهل بما نواجهه، نرفضه أو نقبله، لكننا لا نعرفه، ونعترف بأن كثيراً ممن يتصدى للأمر يسقط عليه تخيلاته، ولا يتعامل معه بمنهج الظواهر المألوفة إذا نجحنا في إعادة تعريف الأشياء وتسميتها بما يناسبها، ساعتها لن يكون خيار المواجهة هو التقوقع بالرفض، ولا الذوبان بالترحيب.. بهدوء نبدأ في الاستقراء لأجزاء ومكونات الظاهرة دون تصور حتمي مسبوق لنفهم، فإذا فهمنا.. تعلمنا، ربما لمرة نادرة في التاريخ نفعلها.

الرابط المختصر :