; العودة إلى اللاسلم واللاحرب! | مجلة المجتمع

العنوان العودة إلى اللاسلم واللاحرب!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 12-فبراير-1974

مشاهدات 90

نشر في العدد 187

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 12-فبراير-1974

«نظرية» تفريغ الغضب في الهواء

 «ونظرية» استغلال حاجة المحرومين

 التمرد العسكري في الأردن  اقترن بخبر مليء بالإثارة والخبر لا يتعلق باشتراك البدو في التمرد ولا باحتجاج بعض وحدات الجيش على «حصة» الفلسطينيين في الوزارة الأردنية.

فهذا كله أقل إثارة من الخبر إياه، الخبر يقول: إن مرتبات الجيش قد زيدت كمحاولة لإثنائه عن تمرده.

هذا خبر مزلزل وليس مثيرًا فحسب.

 لأنه يربط القضايا الكبيرة والحاسمة ببضعة جنيهات أو دنانير! والخبر يشكل - مع غيره من الإجراءات الاقتصادية في العالم العربي - يشكل نظرية خطيرة وهي: استغلال حاجة المحرومين إلى المال والمعيشة الآدمية الطبيعية، استغلال هذه الحاجة في تعليق اهتمام الناس بهذا الجانب وحده.

الخبز مقابل التفريط في الأوطان وهذه الظاهرة لا تفسر وقائع الحاضر وحده وإنما تمتد لتلقي أضواء على الماضي.

بمعنى أن حرمان الشعوب - طويلًا - من حقوقها الإنسانية في الغذاء والمسكن والعلاج قصد به إيصال الشعوب إلى حافة المجاعة الشاملة والإفلاس التام  حتى إذا لم يكن بينها وبين مقبرة البؤس سوى خطوات فتحت أمامها كوة  تبصر من خلالها اللقيمات وبينما هي مشغولة بتناول اللقمة وابتلاعها يبرم مصيرها.

ويقضى الأمر حين تغيب تيم *** ولا يستأمرون وهم شهود

إن المعيشة الكريمة للشعوب حق لا منحة وإيجاد العمل وتوفير الحاجات هو واجب الحكومات وإلا فلماذا تحكم وتتحدث باسم الشعوب؟

أما استغلال حاجات الناس فلا، لأن مقايضة من هذا النوع  تمثل أسوأ مظاهر الاستغلال الإنساني قديمًا وحديثًا.

نقول هذا لنصل إلى إبراز معنى إسلامي  يوضح الموقف ويعطي حياة الناس  قيمة ووزنًا.

إننا الآن لا نجد مجالًا أنسب من هذا المجال للحديث عن «الزهد».

إن الزهد المطلق في الحياة الدنيا ممنوع شرعًا ولكن الإسلام دعا إلى الزهد في مجالات عديدة منها :

 ١ - أن تكون المعيشة من حرام.

٢ - أن يكون الرغد أو الحرص على الدنيا سببًا في القعود عن الجهاد.

٣ - أن تكون المعيش مقايضة، يأخذ فيها المسلم لقمة الخبز مقابل تفريطه في عزة الإيمان وشموخ اليقين، هنا في هذا المقام يسوق القرآن العظيم حشدًا من الآيات البينات، تنقي نفس المسلم من الحرص على الدنيا وتطهر روحه من التعلق بحياة الخزي والهوان.

▪        ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (الحديد: ٢٠)

▪        ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ (محمد: ٣٦). ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۚ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ (محمد: ٣٦ ).

▪        ويقول القرآن في اليهود : ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ﴾ (البقرة: ٩٦).

●     وإلى جانب التلهية الاقتصادية هناك تلهية أخرى تتمثل في أحداث جانبية تشغل الرأي العام وتصرفه عن القضية الكبرى وهي الصراع مع العدو.

ودفع السخط أو الغضب النبيل إلى قنوات جانبية، أصبح هو الآخر «نظرية متكاملة» تستقطب الاهتمام العام وتضغطه وتحوله تحويلًا مسيرة ومصبًا وتنفيسًا.

●     لقد أغرق الإعلام العربي -الساذج والماكر معًا - اهتمام الأمة قصة أمين وهيكل وقصة شبكة تجارة الرقيق الأبيض بفنانيها . وفناناتها.

علي أمين جاء، علي أمين راح، قابل، كتب، عين في النادي الأهلي، و . و.

هيكل ذهب هل سيصمت هل سيكتب، ما هي ردود فعله؟ لماذا ذهب؟

وإيغالًا في التفاصيل اللاهية، راح الإعلام العربي يفلسف القصة،

 وانبرت الأقلام للجدال، من هو أقرب إلى أمريكا؟ علي أمين أم هيكل؟

لا.. علي أقرب.. لا بل هيكل أقرب.

على هذا النحو يدور الجدال العقيم والقصة على هذا النحو تؤذي مصر من جانبين.

▪        تؤذيها لأنها تتحدث عن الولاء لأمريكا وكأنه شيء طبيعي ومشروع  وإن الاختلاف يدور حول درجة القرب فحسب !

▪        والقصة تؤذي مصر لأنها تشغل الأمة بمسألة هي في المرتبة المليون في سلم ترتيبات الأسبقيات والاهتمامات.

 ومصر لا تزال تعاني الاحتلال ولا يزال العدو معسكرًا فوق رمال سيناء.

●     وقصة شبكة تجارة الرقيق الأبيض بتعاريجها المثيرة وسعها الإعلام العربي واحتلت أنباؤها صدر الصحافة العربية.

إن النقد في حدود معقولة - ينبغي أن يكون لكن إغراق الناس في أخبار كهذه في وقت تواجه فيه أمتنا حاضرًا خطيرًا ومستقبلًا مرعبًا.

هذا التصرف ينقل الموضوع من الرغبة في الإثارة الإعلامية إلى تبني «نظرية» تصريف الغضب البناء في الفراغ وتبخيره في الهواء.

إن أفيون كيسنجر يجب ألا يخدرنا لحظة من نهار أو ليل.

فبينما نشاهد تلك الظواهر الآنفة في واقعنا نشاهد جبهة العدو وهي تتربص بنا وترسخ أقدامها في أراضينا.

▪        يوم الجمعة الماضي قالت جولدا مائير: إن إسرائيل متمسكة إلى الأبد بالجولان لأنها تعتبره جزءًا من «إسرائيل» وأن بناء المستعمرات في الجولان مستمر» .

▪         في الأسبوع الماضي شغل لبنان بقضية احتلال جديدة وهي إقبال شركات أوروبية بطريقة نشطة ومذهلة على شراء الأراضي في جنوب لبنان وهذه الشركات في ظاهرها أوروبية وفي حقيقتها يهودية صهيونية تريد الاستيلاء على جنوب لبنان« بطريقة سلمية» والمضي قدمًا في فرض الطوق اليهودي .

▪         في الأسبوع الماضي قالت وكالة أنباء « ايتيم »اليهودية إن الخطط قد بدأت لبناء بلدة يهودية في القطاع الجنوبي من مرتفعات الجولان وقالت الوكالة: إن دائرة تنظيم المدن تعكف على إعداد خطط بنساء هذه البلدة التي يتوقع أن تتراوح نفقاتها بين ۱٥ و ۱۸ مليون جنيه استرليني ۱۸۰ مليون ليرة يهودية.

▪        ولقد انتهت قوات الاحتلال من إنشاء قاعدة عسكرية بالقرب من مدينة الخليل وتستعد لإنشاء قاعدة عسكرية في غزة تنفيذًا لخطة الأمن الجديدة! هل هذا وضع يسمح بالتلهي؟

▪        إن الأحداث أكدت أن العدو لن يتخلى عن أطماعه أبدًا وليس أمام العرب إلا استدراك الموقف قبل فوات الأوان، إن أفدح من الخطأ التمادي فيه .

فالتمادي يحول الاجتهاد الخاطئ إلى سلوك مستمر الطريق أو يبصره ولكن يمضي في الطريق الآخر نحو النتيجة المظلمة.

●     لقد اتضح أن العدو وافق على فك الارتباط  في قناة السويس لإنقاذ قواته المعزولة غرب القناة من الهلاك وللعودة لحالة اللاسلم واللاحرب وللدخول في مساومات جديدة .

●      واتضح أن أمريكا لم تسهر الليالي  وتتنقل بين القارات - في شخص وزير خارجيتها - وتعمل على فك ارتباط القوات لم تفعل ذلك -أساسًا - إلا من أجل رفع الحظر عن النفط .

وتصريحات كيسنجر العلنية لم تترك مجالًا للاستنتاج في يوم ٦/٢/١٩٧٤ أدلى كيسنجر في واشنطن بالتصريح التالي:

«إن التقدم الذي تم تحقيقه في الشرق الأوسط منذ حرب أکتوبر مبعثه جهود الولايات المتحدة الدبلوماسية وحدها، وإن الإبقاء على حظر النفط يجب أن يفسر بأنه شكل من أشكال الابتزاز ولا يمكن أن يؤثر على موقفنا المقبل في ميدان السياسية الخارجية في الشرق الأوسط» وقال كنت أعتقد أن التقدم في المفاوضات سيؤدي إلى رفع الحظر .

 هذا هو تصور هنري كيسنجر للقضية في هذه النقطة.

فك الارتباط  وبعده يرفع الحظر عن النفط.

 فإن رفع العرب الحظر النفط  فقدوا أمضى سلاح استراتيجي  ووقعوا فريسة لخداع أمريكا واليهود وإن لم يرفعوا الحظر هددهم كيسنجر بالانحياز «!» إلى الكيان الصهيوني!

وكما قلنا في افتتاحية العدد الماضي يجب أن يظل الحظر مفروضًا على النفط .

 ونقول اليوم: النفط وحده لا يكفي .

يجب العودة إلى السلاح وإذا كان وقف إطلاق النار قد تحكم فيه الروس والأمريكان لأنهم هم الذين يمدون الحرب في طرفيها بالسلاح - هكذا يقال - فإن هذه الحجة قد تبددت وكسر احتكار الروس والأمريكان للسلاح، إن فرنسا تعرض السلاح مقابل النفط وكذلك بريطانيا وثمة دول أخرى كثيرة تدفعها حاجتها الملحة للنفط مقايضتنا بالسلاح، إننا نرفع أصواتنا وننادي للمرة الألف.

●     لا ترفعوا الحظر عن النفط

●     وعودوا إلى السلاح .

●     وخذوا حذركم فإن العدو يتربص ويستعد.

●     وانسحبوا من مخادعات السلام ولا تخافوا من حرب عالمية ذرية أو نووية  فإذا ضحى الروس ببلادهم من أجل الباطل وإذا ضحى الأمريكان ببلادهم من أجل البغي فلا مانع من أن تضحوا بكل شيء في سبيل الحق.

الرابط المختصر :