; العواصم الغربية تريد التعلم من الزلزال الفرنسي | مجلة المجتمع

العنوان العواصم الغربية تريد التعلم من الزلزال الفرنسي

الكاتب يحيى أبو زكريا

تاريخ النشر السبت 03-ديسمبر-2005

مشاهدات 55

نشر في العدد 1679

نشر في الصفحة 38

السبت 03-ديسمبر-2005

تزدحم الدول الأوروبية بملايين المهاجرين الذين وفدوا إليها من الدول الفقيرة والنامية، بحثًا عن لقمة العيش وفرص أحسن للحياة.

وفي الدولة الأوروبية الواحدة يوجد مهاجرون من مختلف الانتماءات العرقية والدينية؛ فقسم من المهاجرين تعود أصوله إلى العالم العربي والإسلامي، وآخر تعود أصوله إلى الدول الإفريقية وأمريكا الجنوبية وغيرها من الدول الفقيرة. وما يجمع بين هؤلاء المهاجرين هو انتماؤهم إلى دول عاجزة اقتصاديًّا وتنمويًّا. صحيح أن بعض المهاجرين الذين وفدوا إلى أوروبا فروا من بلادهم لأسباب سياسية، وحصلوا على حق اللجوء السياسي وبالتالي حق الإقامة الدائمة، إلا أن عدد هؤلاء محدود، ويبقى مصطلح اللاجئ الاقتصادي هو الذي يميز معظم المهاجرين في الغرب.

وعلى الرغم من أن ظاهرة الهجرة إلى الغرب قديمة وترتبط أحيانًا باحتلال بعض الدول الغربية للعالم الثالث، حيث هاجر كثير من المستعمرين -بفتح الميم- إلى الدول المستعمرة -بكسر الميم- بحثًا عن العمل، إلا أنهم ظلوا مهمشين ويعيشون على هامش المجتمع في مختلف الصعد السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية وحتى السكنية والعمرانية.

والمشكلة لم تكن تكمن في هؤلاء المهاجرين الذين بذلوا ما في وسعهم للانخراط في المجتمع الغربي والأوروبي، بل إن المشكلة وفي أحايين كثيرة كانت تكمن في المجتمع الأوروبي نفسه الذي نجح في إزالة جدار برلين الشهير بين الألمانيتين الشرقية والغربية، لكنه لم يتمكن من إزالة الجدار العازل بينه وبين المهاجرين الوافدين الذين أصبحوا وأولادهم مواطنين غربيين يفترض دستوريًّا أن يتمتعوا بنفس حقوق المواطنين الأصليين.

وعن هذه المشكلة تقول منى سالين وزيرة الاندماج السابقة في السويد: «إننا صرفنا ملايين الكرونات (الكرونة هي العملة السويدية الرسمية) لإقناع المهاجرين بضرورة الاندماج في المجتمع السويدي، وكان من المفترض -تقول الوزيرة السويدية- أن نفعل العكس، أي أن نصرف هذه المبالغ الطائلة على السويديين لإقناعهم بضرورة قبول المهاجرين واستيعابهم» انتهى كلام الوزيرة السويدية.

  • عزل المهاجرين

وإذا كانت ظروف المهاجرين تختلف من دولة أوروبية إلى أخرى، إلا أن المشكلات التي يعاني منها مهاجرو فرنسا هي عينها المشكلات التي يعاني منها مهاجرو السويد والدانمارك وبريطانيا وبلجيكا وغيرها من الدول الأوروبية.

فالمهاجرون في الدول الغربية لم يعزلوا من أسواق العمل والخرائط الإعلامية والساحات السياسية الرسمية والمعارضة والمؤسسات الرسمية والمشاهد الثقافية والأدوار الصغرى والكبرى في تفاصيل الحياة الغربية، بل عُزلوا عمرانيًّا أيضًا، حيث أصبحت لهم أحياؤهم الخاصة ومحافظاتهم الخاصة وعماراتهم الخاصة التي فر منها كل المواطنين الأصليين الذين لا يستسيغون العيش في محيط اجتماعي تقطنه أغلبية مسلمة أو عربية أو إفريقية أو تركية وما شابه.

وهذه الظاهرة موجودة في أقصى جنوب أوروبا كما في أقصى شمالها؛ فالمهاجرون في فرنسا يقطنون في أحياء فقيرة ومعزولة تمامًا كما كان يسكن أجدادهم في البيوت القصديرية والأكواخ الخشبية غير المضاءة بالكهرباء، وهم الذين شيدوا أجمل العمارات والأحياء الفرنسية.

وفي السويد، فإن أحياء روزنفورد في جنوب السويد وغوتسندا في وسطها ورنكبي المتاخمة للعاصمة السويدية ستوكهولم تكاد تكون حكرًا على المهاجرين الذين أصبحوا يقطنون في كانتونات معزولة اجتماعيًّا عن المجتمع السويدي. وفي مشهد أحد الأفلام السويدية يقول ممثل سويدي: «الصديقة هنا السويد، وهناك روزنفورد»، في إشارة إلى المنطقة السكنية التي يقطنها مهاجرون من تركيا والعراق وفلسطين ولبنان والصومال وإرتيريا وغيرها، ولسان حال الممثل السويدي شيء وحي روزنفورد ذو الأغلبية المهاجرة شيء.

  • المشهد يتكرر

والمشهد نفسه يتكرر في دول الاتحاد الأوروبي؛ حيث بات المهاجرون معزولين بثقافتهم ولغتهم وعاداتهم وتقاليدهم في كانتونات خاصة. ويشير أصحاب شركات البناء الخاصة والمشرفون على سياسة الإسكان إلى أن المهاجرين كلما سكنوا في عمارة أو حي يقطنه مواطنون غربيون أصليون، بدأ هؤلاء بمغادرة العمارة أو الحي لعدم تحملهم العيش مع الآخر العربي والمسلم والإفريقي والإنسان الثالثي -نسبة إلى العالم الثالث- بشكل عام.

وقد تحولت هذه الكانتونات المعزولة إلى جزر منفصلة عن الواقع الأوروبي وخارجة عن إطار الاهتمام الرسمي، وحتى الرسميون الغربيون لا يترددون على هذه الكانتونات إلا في مواسم الانتخابات في محاولة لشراء أصوات المهاجرين من العرب والمسلمين بوعود سرعان ما تتبخر بعد الانتخابات.

  • البطالة تطحنهم

وتفتك البطالة بالمهاجرين إلى درجة أن عدد البطالين المهاجرين بلغ في معظم الدول الأوروبية أكثر من ثمانين بالمائة، والعدد الضئيل الذي تسنى له العمل يعمل في قطاع التنظيف وغسل الصحون ورعاية العجزة وإلباسهم الحفاضات، وهو العمل الذي يقرف منه الأوروبي نفسه، ونصف هؤلاء يعملون بالأسود، أي غير مسجلين في دوائر الضمان، ولا يملكون حقوق العامل الرسمي في التعويضات والعطلة السنوية والعطلة المرضية وغير ذلك.

وهذه الحالة هي التي جعلت بعض الباحثين الغربيين يقولون: إن المهاجرين في الغرب مواطنون من الدرجة الثانية وهم يعيشون على الهامش ويعيشون بفضل الضرائب التي يدفعها الغربيون لحكوماتهم، وهم يشيرون بذلك إلى المساعدات الاجتماعية التي يتلقاها البطالون المهاجرون.

كما أن الاستطلاعات الغربية كشفت أن أسواق العمل في الغرب عنصرية بالأساس، ولا تقبل أصحاب الأسماء العربية والإسلامية والأجنبية بشكل عام أو ذوي الشعر الأسود، وهي التسمية التي تطلق على المهاجرين في بعض الدول الغربية.

وأغلبية المهاجرين محرومون من العمل في القطاع الخاص حيث يفضل أرباب العمل الخاص أبناء وطنهم الذين يتقنون لغتهم وعاداتهم وثقافتهم، ومحرومون من العمل في القطاع العام الذي يعطي الأولوية دومًا للمواطنين الأصليين.

وقد لجأت صحيفة سويدية شهيرة هي جريدة داغينس نهيتر أو أخبار اليوم باللغة العربية إلى حيلة ذكية لكشف عنصرية أسواق العمل في السويد، وكلفت أربعة شباب منهم سويديان أصليان وسويديان من أصول مهاجرة ويحملان أسماء أجنبية ويملكان مؤهلات علمية أفضل من التي يحملها السويديان الأصليان، وكلف الشباب الأربعة بالاتصال بأسواق العمل وأصحاب الإعلانات عن الوظائف الشاغرة من خلال مكاتب العمل والصحف، فكانت النتيجة أن حصل السويديان الأصليان على عمل فيما رفضت طلبات السويديين من أصول مهاجرة رغم أن مؤهلاتهما العلمية أفضل بكثير من مؤهلات نظيريهما السويديين.

وإذا كان الجيل الأول من المهاجرين راضيًا بقسمته كما يقال: نظرًا لأن مستواه التعليمي محدود للغاية، فإن الجيل الثاني من المهاجرين من الجيل الثاني والثالث حصلوا على مستوى تعليمي رفيع، ويحمل أبناء الجيلين أرقى الشهادات العلمية، ومع ذلك لم يجدوا مكانهم في خريطة أسواق العمل، ورغم اجتهاد الجيل الثالث كثيرًا في سبيل تأكيد ذاته وجدارته إلا أنه ظل ملفوظًا اجتماعيًّا وسياسيًّا وثقافيًّا.

والحثالة التي تحدث عنها وزير الداخلية الفرنسي هي التي أوصلت فرنسا إلى أعلى المستويات على صعيد الرياضة وحتى الثقافة. أليس زين الدين زيدان أحد أبناء الأحياء الفقيرة في فرنسا ولولاه لما حظيت فرنسا بلقب بطل العالم في كرة القدم؟ وهناك الآلاف من أمثال زيدان في مجالات أخرى غير الرياضة.

  • تعقد الملفات

وفي أوروبا، فإن الرسميين فيها ولدى الحديث عن التشكيلات الوزارية عقب الانتخابات يرفض الكثير منهم تولّي حقيبة وزارة الهجرة والاندماج لتعقيدات ملفاتها والإخفاق الذي مُنيت به سياسة الاندماج في أوروبا على مدى سنوات عديدة.

وبعد الأحداث الفرنسية التي تعد الأولى من نوعها في تاريخ فرنسا وأوروبا بدأت الحكومات الغربية تعيد قراءة ملفات الهجرة والمهاجرين على أمل تحقيق اندماج حقيقي للمهاجرين في المعادلة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، للحيلولة دون انفجار الوضع في أي لحظة، خصوصًا أن ما يعاني منه مهاجرو فرنسا من بطالة وتهميش وعنصرية هو عينه ما يعاني منه مهاجرو الدانمارك والنرويج والسويد وبريطانيا وبلجيكا وإسبانيا وفنلندا وغيرها.

لقد بات العديد من المهاجرين في الغرب يعانون من عقدة المساعدة الاجتماعية أو الشحاذة الحضارية كما يسميها المهاجرون أنفسهم؛ فالشحاذ في العالم العربي يمد يده ويصرخ: الله يا محسنين.. والمهاجرون من عرب ومسلمين وأفارقة في الغرب يعبئون طلبًا كتب أعلاه المساعدة الاجتماعية ويسلمونه لدوائر المساعدات الاجتماعية في الغرب التي لا تعطي هذه المساعدة فورًا بل تحقق مع طالبها في تفاصيل حياته وتملي عليه شروطًا قاسية حيث يصبح المهاجر طالب المساعدة عبدًا لهذه المؤسسة الاجتماعية التي ترسم له برنامج حياته على مدار السنة وقد تجبره على ممارسة عمل يتنافى مع اختصاصه من قبيل تنظيف المراحيض وتغيير حفاضات العجزة في دور العجزة مقابل هذه المساعدة الطفيفة التي تسميها المؤسسات الاجتماعية: مساعدة الأكل أي لشراء الحاجات الغذائية للمهاجر.

  • معاقون اجتماعيًّا

وعدم قدرة المهاجر على إنتاج لقمته جعلت الغربيين في كل الدول الأوروبية يتعاملون معه كمعاق اجتماعيًّا واقتصاديًّا؛ وهو الأمر الذي يفجر الغضب النفسي لدى معظم المهاجرين الذين ضاعت سني حياتهم في أروقة مؤسسات المساعدات الاجتماعية.

وفي الوقت الذي تقدر فيه هذه المساعدة بحوالي 200 دولار أمريكي للفرد الواحد وإلى 300 دولار أمريكي في الشهر، فإن الفرد الأوروبي العامل يجني شهريًّا أكثر من 2000 دولار أمريكي؛ وهو الأمر الذي وسّع الفارق الطبقي بين المهاجرين الأوروبيين والمواطنين الأصليين.

وفي الوقت الذي لا يقدر فيه المهاجر أن يشتري حاسوبًا لابنه أو الثياب الجديدة من المحلات الحديثة، بل يذهب إلى محلات الثياب البالية ومحلات الثياب المستعملة لشراء النعال والثياب، فإن المواطن الأوروبي يقتني ثيابه من أرقى المحلات.

وهو الأمر الذي كشفت عنه دراسة سويدية عندما أوضحت أن أبناء المهاجرين محرومون من أشياء كثيرة وهم في حالة فقر دائم في دولة الرفاهية...

ودرءًا لتكرار الزلزال الفرنسي تسعى الدول الغربية إلى تفادي الأسباب التي أفضت إلى هذا الزلزال، ولذلك فقد فتح سياسيوها نقاشًا موسعًا مع المهاجرين لطرح قضاياهم وهي فرصة أمام المهاجرين لتصحيح وضعهم وخروجهم من دائرة الشحاذة الحضارية إلى دائرة الفعل الحضاري.

الرابط المختصر :