; العنف قراءة نفسية- اجتماعية- سياسية | مجلة المجتمع

العنوان العنف قراءة نفسية- اجتماعية- سياسية

الكاتب سمير شطارة

تاريخ النشر الثلاثاء 05-مارس-1996

مشاهدات 99

نشر في العدد 1190

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 05-مارس-1996

الإسلام يهذب الطبيعة البشرية دون أن يكبت شيئًا من نوازعها الفطرية.. لكن حينما تبتعد البشرية عن المنهج الإلهي وترسخ قواعد الظلم والقهر ينقلب الإنسان من كونه حملًا وديعًا ليصبح وحـشًـا كـاسـرًا وثورة عاتية.

العنف قديم قدم الوجود البشري، وهو قائم في قصص الأولين وفلسفاتهم وأساطيرهم المتعلقة بنشأة الكون، وفي حركة الإنسان لدفع الظلم وإقامة العدل من خلال الاحتجاج والرفض والثورة.. فمنذ أن اختفت القواعد الطبيعية في علاج المشاكل لتحل محلها قواعد مفروضة بفعل أدوات القهر والتعسف والاستغلال، ظهر العنف إلى الوجود من أجل إعادة العدل إلى وضعه الطبيعي بالمفهوم الإنساني القيمي الأخلاقي كبديل عن الوسائل الأخرى المرجوة مثل الحوار والنقاش.

إن صانعي القرار الذين يسيطرون على ثروات الأمة وعلى زمامها في جميع نواحيها السياسية والاقتصادية والقانونية، هم القادرون على صنع قانون يحميهم ليكون بمثابة برج عال أو سلاح حاد ضد أي شخص يريد أن يرفع صوته ليناوئ الظلم.. إن قانون التعسف والقهر هو الذي أوجد العنف في خريطة العالم السياسي، وهو الذي ذلل كل موجود لخدمة أصحاب القرار السياسي.

هناك اختلاف كبير في النظرة إلى العنف وتحديد مواصفاته ومدلولاته وأعراضه ومشروعيته، ويصل حد الاختلاف إلى درجة انعدام الموازين في المواقف والأحكام.. فقد يطلق على من يدافع عن ماله وعرضه وأرضه وحقوقه الإنسانية إرهابيًا، بينما نجد في الوقت نفسه نياشين تقلد لمرتكبي المجازر الجماعية ومبيدي الشعوب وقد أخرجوا أيضًا من دائرة الإرهاب والعنف.. وصدق الشاعر في وصف حالهم: 

قتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفر *** وقتل شعب أمن قضية فيها نظر 

من هنا كان لا بد من تعريف العنف ودوافعه وخلفياته النفسية.. فظاهرة العنف تحتاج من الباحثين في شتى الفنون والمعارف إلى رصدها ودراستها بتأن وتؤدة، وفي هذه الدراسة المتواضعة سوف نتناول العنف من بعض النواحي النفسية والاجتماعية، والسياسية، بعيدين قدر المستطاع عن مشروعيته وأحكامه.

تعريف العنف:

من خلال استقراء المعاجم والحالات التي يطلق عليها مصطلح العنف والكتب التي عالجت هذه الظاهرة، يمكنني أن أعرف العنف فأقول: هو استعمال للقوة- مدمرة كانت أم غير مدمرة- سيان قام به فرد أو جماعة، وسيان كانت هذه الجماعة منظمة أم عفوية، وسيان كذلك وقع ضد أفراد أو جماعات، لتغيير وضع معين أو سلوك معين.

الدوافع وأنواعها:

لقد انكب علماء النفس على دراسة النفس البشرية، وكان من أهم ما أولوه اهتمامهم هو دراسة دوافع الإنسان، فالدوافع كلمة يقصد بها في علم النفس البواعث الذاتية الداخلية التي تؤثر بصورة مباشرة في السلوك وتوجهه وجهة معينة لكي يشبع بواسطتها حاجات هذه الدوافع، فالدوافع طاقة كامنة في الكائن الحي تحدد له أهداف سلوكه وتمهد له طريق إشباع حاجاته، ويبقى الكائن الحي في حالة توتر واضطراب سلوكي حتى يتم إشباع الدافع والحصول على الهدف، حيث يهدأ السلوك الوظيفي وينتهي التوتر لتبدأ الدورة مرة أخرى بدافع آخر يحدد طبيعة السلوك الوظيفي بصورة أخرى.

أما أنواع الدوافع فقد قسمها علماء النفس إلى ثلاثة أقسام رئيسية: 

1- الدافع الفسيولوجي «العضوي»: وهو الجانب الفطري في الإنسان ومثاله الجوع والعطش والجنس والأمومة وغيرها ...

٢- الدافع السيكولوجي «الاجتماعي»: وهو الجانب المكتسب، فالإنسان يكتسب كثيرًا من الأخلاقيات والعادات والطباع من مجتمعه، ومثاله تحقيق الذات. 

3- الدافع اللا شعوري: وهذا الدافع مصدره منطقة اللاشعور في الإنسان، والسلوك الوظيفي فيه يأتي تلقائيًا وعلى غير ترتيب وإعداد مسبق، ومثاله ردة الفعل والسلوك الذي ينتجه من يضع يده على صفيح ساخن.

الذي يهمنا في هذا المجال تصنيف «العنف» في أي الأقسام هذه يمكن إدراجه.. هل العنف سلوك مكتسب أم فطري، فقد اختلف علماء النفس في ذلك إلى ثلاثة أقسام:

الأول: أنه شعور فطري، وتبنى هذا الرأي فرويد حيث قال: العنف والعدوان سلوك فطري، وهو رد فعل على تعاليم الكنيسة التي حرمت الأخذ بالثأر، فقررت السلبية لدى الشخص وأوصته أن «من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر، ومن نازعك الثوب فأعطه الرداء أيضًا».. وأكد فرويد أن رد العدوان وحب الانتقام من الأعداء نزعة فطرية لا جدال في وجودها بين البشر، وكبت هذه النزعة كبتًا كليًا يؤدي إلى المهانة والخزي، مما يؤدي إلى تعقيد النفس البشرية، وينسحب هذا من الأفراد إلى الأمم.. وقد وافقه بعض العلماء في هذه المسألة. 

الثاني: أنه سلوك مكتسب، على أن نقيضه سوف يعطي فكرة تشاؤمية عن الطبيعة الإنسانية، إذ إنه يبدو من خلال الرأي الأول أن الإنسان ميال إلى العدوان وإيذاء الآخرين.. ومن هنا أكد أصحاب هذا الرأي النواحي الخيرة والطيبة والروح التعاونية في الطبيعة البشرية.

الثالث: ومال فيه أصحابه إلى الجمع بين الرأيين حيث قالوا إن تركيبة الإنسان وتكوينه  مزيج من الخير والشر كما قال تعالى: ﴿وَهَدَینَـٰهُ ٱلنَّجدَینِ﴾ (سورة البلد: 10)، واختيار الإنسان لأحد الاتجاهين راجع إلى عوامل كثيرة مثل التربية والبيئة والظروف الاجتماعية والثقافية الدينية.. فكان العنف عندهم فطري مكتسب.

درج علماء الأنثروبولوجيا الاجتماعية على تعريف التنظيم السياسي بأنه ذلك الذي يعنى بكيفية ممارسة القوة والتحكم فيها.. وبنفس الكيفية النظر إلى الدولة في ضوء وجود قواعد منظمة لاستخدام القوة، وهذه القواعد تتخذ أشكالًا مختلفة وتطبق لأغراض متباينة.. فقد تستخدم لمواجهة الأفعال الضارة، وقد تستخدم في حل الصراعات التي تنشأ بين مختلف أطراف المجتمع.. ويرتبط بذلك كله مفهوم على درجة كبيرة من الأهمية ألا وهو «الثورة»، فالمعنى الشائع عن الثورة هو معنى واسع بحيث يغطي أشكالًا عديدة لاستخدام القوة قد لا تبدو قانونية، ولكنها تهدف في نهاية أمرها إلى إحداث التغيير السياسي.

ومن هنا نستطيع استخدام مفهوم الثورة للإشارة إلى مجموعة من الأحداث تستخدم فيها القوة بنجاح للإطاحة بحكومة أو نظام سياسي معين، وإذا فشلت الثورة أطلق عليها «تمرد» أو «عصيان مسلح»، أو «انتفاضة».. وعلى الرغم من أن هناك اختلافات لغوية واضحة بين هذه المفاهيم إلا أن معانيها قد تتداخل في بعض الأحيان. 

ولعل من أشهر الثورات على الساحة السياسية هي «الثورة الفرنسية التي حدثت في أواخر القرن الثامن عشر، إذ إن آثارها تعددت حدودها الإقليمية، فكانت بحق أم الثورات.. فقد شكلت علامة بارزة في الفكر السياسي.. ثم عقبتها «الثورة الروسية» التي كان لها الفضل الأكبر في تعميق معنى الثورة وديناميتها.. ثم شهر العالم المعاصر استراتيجيات ثورية جديدة فرضها تعقد المتغيرات القومية والعرقية والدولية من ناحية وتنوع الأيديولوجيات والأساليب النضالية من ناحية أخرى، ولعل حرب العصابات كانت أوضح مثال يعبر عن ذلك، فلقد ظهر هذا النوع من الحروب من خلال اليأس والمعاناة لا من خلال القوة والسيطرة.. وإذا ما عاودنا النظر في التراث النظري المعاصر الذي يتناول فيه الثورة، فإننا نجد أن هناك أربعة مواقف فكرية متميزة تنطلق منها الثورة: 

الموقف الفكري الأول: ينطلق من مفاهيم وتصورات اقتصادية، فالثورة ظاهرة اجتماعية لها أسباب اقتصادية.. قال ماركس: «إن الثورة تنجم عن زيادة البؤس وانتشار الفقر»، وخالفه توكفيل حيث قال: «إن الثورة تنشأ عن زيادة الرخاء»، مستندًا في ذلك إلى حركة الشباب في العالم الغربي، في حين يستند الرأي الأول إلى دراسة حال الدول النامية التي أدى بها الفقر والبؤس إلى إحباطات متزايدة نتيجة عجز الحكومات عن تحقيق الآمال الاجتماعية لدى الشعوب.

الموقف الفكري الثاني: وينطلق من أن الثورة ظاهرة اجتماعية، وكان هذا الموقف هو الأكثر جمودًا من الناحية النظرية، حيث عجز رواده عن ربط الحركات الثورية بأسبابها الاجتماعية.

الموقف الفكري الثالث: أن الثورة تستند إلى إحساس الفرد بالاغتراب عن المجتمع الذي يعيش فيه، ولقد درس علماء الاجتماع هذه الحالة وأقروا أنها قد تكون سببًا يؤدي إلى إحداث ثورة، غير أن علماء السلوك ناقشوا هذا الموقف واستخلصوا أن أصحاب هذه النظرة طرحوا معنى الثورة كحالة من حالات المرض الاجتماعي، لذلك فإنهم لم يتعاملوا معها بأنها قد تسهم في تغيير الواقع السياسي الصعب.

الموقف الفكري الرابع: ينطلق من أن الثورة ظاهرة سياسية تتعلق أساسًا باستبدال القوة السياسية المتغطرسة أو الظالمة أو غير القادرة على سيادة الناس، ويمثل هذا الموقف أرسطو وميكافيلي وغيرهما، ونتيجة لذلك يمكن تفسير التحولات الاجتماعية في ضوء المعنى السياسي للثورة.

العنف في العالم الإسلامي:

للإسلام نظرة خاصة في النفس البشرية، فأهم ما يتميز به الإسلام أنه يأخذ الكائن البشري على ما هو عليه، حيث لا يحاول أن يفسره على ما ليس من طبيعته، وإن كان في الوقت نفسه يسعى لتهذيب هذه الطبيعة دون أن يكبت شيئًا من نوازعها الفطرية، لكن حينما نبتعد عن المنهج الإلهي وترسخ قواعد الظلم والعسف والاستغلال وتمارس يوميًا عبر قنوات قانونية وشرعية من قبل من تخولهم قوتهم القانونية ونفوذهم السلطاني الانطلاق في ظلم الناس واستعبادهم والبطش بكل صوت معارض.. عندما سيصل الطرف الآخر إلى أقصى درجة من الكبت، مما يضطره إلى تحرير نفسه من كل سيطرة ديكتاتورية، فيتحرر فكريًا وعاطفيًا من سلطان النظام القائم، وينقلب من كونه حملًا وديعًا ليصبح وحشًا كاسرًا وثورة عاتية لا تحمل بين دفاتها إلا كل أعمال العنف والخراب، وعندها يلغي تلقائيًا من ذهنه القيم والمبادئ التي تعلمها وتربى عليها، بل ويتعدى ذلك إلى تشكيل نمط سلوكي حياتي يصعب معه استخدام أي نوع من أنواع التفاوض أو الحوار أو النقاش. 

لقد برزت مشاكل من هذا النوع في العالم الإسلامي، وقد ساعدت الحكومات على انتشار العنف بصورة كبيرة.. فعلى سبيل المثال نجحت الحكومة المصرية في سحب بعض الجماعات الإسلامية إلى استنزاف واستنفاد جميع جهودها في مثل هذه الأعمال التي تتعدى في بعض الأحيان كونها عنفًا يمارس ضد النظام لتكون إجرامًا فظيعًا لضرب الآمنين الأبرياء.. ولقد كسبت الحكومة بذلك كسبًا سياسيًا وجماهيريًا.

كما برز العنف أيضًا بأقصى صورة في الجزائر، حيث تعدى مقارعة أصحاب السلطة إلى قتل المدنيين حتى وصل بهم الهوس إلى قتل بعض رجالات الحركة الإسلامية، والتفنن في ذبح الأبرياء إمعانًا في إرهاب الناس وتحقيق الذات.

ففي المثالين تقارب وتباعد، حيث إن كلا الطرفين اعتمد على العنف كبديل للتفاهم مع الحكومة.. غير أن العنف في مصر كان مقابلًا للعنف الصادر من الحكومة، بينما هو في الجزائر بدأ كذلك حتى أخذ يبتعد شيئًا فشيئًا إلى أن وصل بهم إلى درجة الهوس أو المرض النفسي الاجتماعي.

خلاصة القول.. إن العنف لا يلد إلا عنفًا.. والذي يساعد على استمرارية العنف هو استخفاف الحكومات بعقول شعوبها، ولكننا نربأ بأبناء الحركات الإسلامية أن يستدرجوا لمثل ذلك.. فلا بد من التريث قليلًا في الحكم بصواب العمل الفوضوي الذي لا يكون إلا رد فعل معاكس دون تخطيط أو بصيرة، بل لا بد من دراسة المعطيات الآنية والتصرف وفقها، آخذين الاعتبارات أن تغيير المنكر يأتي على حسب القدرة والاستطاعة وحسب المصلحة كذلك، فإذا كانت الحركة الإسلامية غير قادرة- في الوقت الحالي- على التغيير، فقد تأتي ظروف مواتية في المستقبل تتمكن حينها أن تحدث تغييرًا اجتماعيًا وسياسيًا ودستوريًا .

أهم المراجع

١- «العنف السياسي.. فلسفته، أصوله، أبعاده» تيدهندريش، ترجمة عبد الكريم محفوظ- عيسى طنوس- دار المسيرة طبعة ١٩٨٦م. 

٢- «علم الاجتماع السياسي»، المفاهيم والقضايا، الدكتور السيد الحسيني، دار المعارف طبعة ١٩٨٤م.

٣- «العنف ضرورته ومحاذيره»، نصر المبروك، المنشأة العامة للنشر والتوزيع، طرابلس طبعة ١٩٨٦م.

٤- «بحوث في علم النفس نظرة علمية إسلامية الدكتور عبد المعطي بركات». 

5- «علم النفس»، وزارة التربية والتعليم، إدارة المناهج العلمية- طبعة ۱۹۹۱م، اليمن. 

٦- «الإنسان بين المادية والإسلام»، الأستاذ محمد قطب، دار الشروق، الطبعة ۱۹۸۲م. 

7- مجلة «المجتمع» الكويتية العدد «1171».

[1] باحث أكاديمي مقيم في إسلام آباد باكستان

الرابط المختصر :