العنوان العمل الدعوي العام.. المنهج والضوابط (۲) من (٥) الركائز الأساسية
الكاتب د. حمدي شعيب
تاريخ النشر الجمعة 06-أغسطس-2004
مشاهدات 64
نشر في العدد 1612
نشر في الصفحة 56
الجمعة 06-أغسطس-2004
تحديد قضية واحدة يجتمع الناس عليها.. إشعال روح التحدي وتفعيل الحوار مع الآخر.. ركائز مهمة للعمل العام
تناولنا في الحلقة الأولى أهمية الخروج إلى الناس وتبليغهم رسالة الله، وأوضحنا أن من أهم أسباب النجاح في ذلك.. الوصول إلى المدعوين في الوقت والمكان المناسبين.
ثم نأتي إلى الحديث عن ركائز العمل العام، وهي محاولة متواضعة لبحث ضوابط منهجية في فقه الخروج إلى الناس:
الركيزة الأولى: تحديد قضية مرحلية واحدة:
وذلك بإعلان الهدف المرحلي المصيري الواحد وهو تكوين الرأي العام المناصر، وإعلان حالة التعبئة العامة حوله، وهذا من شأنه أن يثمر الرغبة العارمة عند كل فرد، بخطورة مرحلية القضية، ومصيريتها، فتصبح شغله الشاغل.
ومن هنا تتوحد الجهود فيثمر الهدف المرجو.
وتدبر ما ورد في قصة طالوت وجالوت: عندما توحد الرأي حول هذه القضية المصيرية: ﴿ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ (البقرة:٢٤٦) لقد كانت حالة التعبئة العامة للأمة حول قضيتهم المصيرية من الانضباط والنظام بحيث دعت الكبراء لينوبوا عن الجميع، ويتحدثوا باسمهم، فتوجهوا جماعيًا إلى نبيهم - وقيل إنه شمويل أو صمويل الذي أتى بعد موسى عليه السلام - كمجموعة على نفس الرأي، وطلبوا منه عليه السلام، أن يختار لهم عن طريق الوحي قائدًا يجتمعون حوله، وهذا يبين مدى التربية أو الشدة التي أوصلتهم إلى وحدة في التوجه إلى قائدهم وزعيمهم، فلم يتفرق شملهم، وكذلك في طلبهم أن يعين عليهم ملكًا واحدًا يقودهم.
وكانت حالة التعبئة العامة، كذلك من الفهم العميق، بحيث تمثلت في رغبتهم العارمة في الجهاد في سبيله سبحانه، لا في سبيل غايات أخرى.
وكم من مآس أودت بأمتنا، من جراء عدم الانضباط، ومن جراء الخلل في فقه الجهاد، ثم من جراء التفرق بين قيادات شتى، وتحت رايات متعددة: مما أدى إلى الفشل المرة تلو المرة في اقتطاف ثمار النصر حتى راجت مقولة:
«الإسلاميون بذل وجهد وتضحيات، ولا ثمرة!!!»
الركيزة الثانية: إشعال روح التحدي
وذلك بإيجاد الإرادة الجماعية حول هذه القضية وهي تكوين رأي عام إسلامي مناصر، وجعلها قضية تحد مصيرية، أو قضية مرحلة تعبر بالفكرة كل محاولات الحصار والتغييب.
وهذه الركيزة يلزمها أن يستشعر كل فرد خطورة قضية المرحلة، وعنف التحدي وهو محاولات تجفيف منابع الدعوة بشريًا، واقتصاديًا وثقافيًا، وسياسيًا، وإعلاميًا.
وهي عبارة عن مرحلة قدح الشرارة.
وتدير ما ورد في قصة طالوت وجالوت، عندما يحدثنا مطلعها: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ ( البقرة : ٢٤٧) فالعجيب أن تأتي المبادرة إلى العمل والجهاد في سبيل الله، والتحرك الحماسي الفائر والدعوة للاستنفار العام، من قبل الملأ: ونحن نعلم أن القرآن يعني بالملأ أنهم أشراف القوم وقادتهم ورؤساؤهم وساداتهم، فهم إذن البارزون في المجتمع وأصحاب النفوذ فيه.
وهذا ما يبين أن قضية خطر هؤلاء العمالقة الذين غلبوا بني إسرائيل على أمرهم، قد زاد حتى هدد مصالح هؤلاء الأشراف، فأخرجوا من ديارهم، وحيل بينهم وبين أبنائهم، وأخيرًا أخذ التابوت منهم، فانفصمت عروتهم وذلوا؟.
وما يعنينا في هذا الملمح التربوي، أن قضية الجهاد قد أصبحت حديث الشارع، ولسان حال الأمة، وتم إعلان حالة التعبئة الجهادية العامة، فوصلت الفكرة إلى كل الطوائف واتسعت القاعدة المؤمنة بالقضية، فالتحرك للجهاد، يجب أن يتميز بضوابط منها اتساع قاعدة الفكرة، وجماعية التحرك بها، ثم وحدة التوجه والانقياد لقيادة واحدة، لأن الخطوة الأولى في مواجهة أي عدو هي إرادة القتال، والتصميم عليه، وقد انبعثت هذه الإرادة لدى الملأ، واستطاعوا أن ينشروا هذه الروح العالية في صفوف أبناء الأمة، لتصبح إرادة جماعية.
أما في قصة ذي القرنين، فإن أهم ملمح نراه من خلال جولته الثالثة: وهي خطته لبعث تلك الأمة العاجزة من وهدتها.
حيث جاءت هذه الخطة النهضوية الحضارية بكل معالمها وركائزها، حسب السياق القرآني المبدع، في آخر جولات ذي القرنين، وأطولها في سياق القصة، لتبين معالم منهجية لورقة عمل يجب أن ترتكز عليها أي حركة تغييرية نهضوية حضارية، لإنقاذ أي أمة تعاني من حالة التردي والوهن الحضاري.
وأهم ما جاء في هذه الخطة إشعال روح التحدي.
وذلك عندما أوجد مشروعًا مصيريًا، وقضية تحد قومية)، تواجه الخطر الخارجي، ثم أشعل فيهم روح التحدي: ﴿ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95)﴾ (الكهف).
وهذا هو السبيل لتجميع كل فئات وتيارات الأمة، وذلك من شأنه أن يلملم شعث هذه الأمة المريضة، فتتجمع كل قواها، وتستدعي كل إمكاناتها الذاتية لمواجهة هذا الخطر الخارجي.
ومن خلال هذه الركيزة تتناسى كل فئات الأمة كل مشكلاتها الداخلية، وتضع في أول سلم أولوياتها هذه القضية المصيرية.
لقد أحسن هذا المجاهد الرباني استغلال هذه القضية القومية، وجعلها مشروع أمة، وقضية تحد، وذلك لتحريك الجميع من حوله، وطلب مشاركة القوم، وحرك هؤلاء الكسالى الاتكاليين ليعملوا معه بقوة.
فهو لن يأتي بالمعجزات، ولكن عندما تتحرك الجموع ويتوحد الشارع على قضية واحدة، ويدورون جميعًا قيادة وأفردًا حول محور واحد، فذلك من شأنه أن يأتي بما يشبه المعجزات في عرف التغييرات الاجتماعية.
الركيزة الثالثة: تفعيل الحركة الحوارية مع الآخر:
وذلك بتبني مبدأ حق الآخر في التعبير عن رأيه، وفي الحوار.
وهذا من شأنه أن يمنع الاتجاهات الإقصائية لرأي الآخر داخل كل التيارات.
وهو ما يسمى تفعيل أو تنشيط حركة التدافع الفكري.
فلابد من حرية الرأي وحرية الحوار، وذلك لأن العملية الانتقائية للأفكار، تمر عبر حرية الرأي والحوار، في مرحلة هي أشبه ما تكون بعملية الصراع السلمي للآراء والأفكار: وهذه صورة من صور حركة التدافع الحضاري الشاملة، التي جعلها الحق سبحانه من السنن الإلهية التي تفرز الأبقى والأصلح في كل شيء سواء أفكارًا أو آراءًا أو أفرادًا أو أممًا، فإذا توقفت تلك العملية التدافعية الحضارية المختلفة الصور كان الفساد، وهذا من فضله سبحانه من أجل ديمومة واستمرارية العملية الاستخلافية الإعمارية في الأرض: ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251)﴾ (البقرة).
وفي عصرنا هذا تسمع الكثير عن الندوات والحوارات التي تنظمها مراكز توجيه الفكر، والتي تقوم عليها رموز علمانية، والواجب أن يحسن أبناء التيار الديني، استغلال هذه المبادرات لأنهم في حاجة لكسر طوق الحصار على الأفكار، وتشجيع الحركة الحوارية، لأنهم الأقدر والأعلى بفكرتهم الربانية، فهي الوحيدة القادرة على كسب العملية الانتقائية للأفكار تحت ضوء حرية الرأي.
والتفاعل مع مبادرات الحوار، هي العلامة التي تفتح باب الأمل في ترسيخ قضية قبول الآخر.
وتدبر كيف أن القرآن الكريم قد أشار في غير موضع إلى هذه القضية، في الحوارات الكثيرة التي تضمنتها آياته الكريمة، وحق الآخر في المناقشة والتعبير عن رأيه، ويكفينا في هذا المقام مجرد الإشارات السريعة، إلى بعض منابر الحوار فتدبر حوار إبليس اللعين مع الحق سبحانه ( الحجر : ٤٤.٤٢ و ص : 7٥-8٥) ثم في حوار موسى ، عليه السلام . مع السامري (طه: 95-98) وحوار الهدهد مع سليمان عليه السلام (النمل: 20-28) وحوار أصحاب النار مع أصحاب الجنة (الأعراف : 44-51).
وتدير هذا الحوار الذي أورده الإمام محمد ابن إسحاق بن يسار في معرض تفسير سورة (فصلت) قال: حدثت أن عتبة بن ربيعة - وكان سيدًا - قال يومًا وهو جالس في نادي قريش - ورسول الله ﷺ جالس في المسجد وحده.. يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورًا لعله يقبل بعضها فتعطيه أيها شاء ويكف عنا؟ (وذلك حين أسلم حمزة رضي الله عنه ورأوا أن أصحاب رسول الله ﷺ يزيدون ويكثرون فقالوا : بلى يا أبا الوليد، فقم إليه فكلمه، فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله ﷺ فقال: يا بن أخي إنك منا حيث علمت من السلطة في العشيرة، والمكانة في النسب، وإنك أتيت قومك بأمر عظیم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها، قال: فقال رسول الله ﷺ: «قل يا أبا الوليد أسمع »
وتدبر ما ورد في قصة صاحب الجنتين، كيف بادر الرجل الكافر بالحوار:﴿ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ ﴾ ( الكهف (٣٤).
ولقد قبل الرسول ﷺ، وقبل الرجل المؤمن دعوات الحوار تلك من باب أن وجود جسور في العلاقات من شأنه أن يثمر الحركة الحوارية بين التيارات لأن حرية الرأي تعتبر الركيزة التي تنشط حركة تمحيص الأفكار وتنقيتها، فتمر في عملية تفرز أصوب وأصلح وأشمل الآراء، وأكثرها واقعية وقبولًا من رجل الشارع العادي.
وحينما تتاح حرية الرأي في مستوى الإعلان والحجاج، فإن العقل ينفتح على الرأي المخالف والمعطيات المضادة، وتتم في نطاق الحوار المقابلة بين الآراء فيسقط الضعيف ويصح القوي، أما الكبت والمنع من التعبير والمحاورة فلا يثمر إلا الانغلاق على الرأي الواحد والتشبث به والتعصب له، فلا يكون العقل ناظرًا إلى الأمور إلا من زاوية واحدة قد تخطئه الحقيقة أحيانًا كثيرة، ولا غرو حينئذ أن ينمو التعصب للآراء والتشبث الأعمى بها في كل مناخ تصادر فيه حرية التعبير، وأن تنمو المرونة العقلية وتقبل التصويب في كل مناخ تشيع فيه هذه الحرية، وما أروع التربية النبوية في هذا الخصوص، فقد انتهجت نهج الانفتاح على مضادات الآراء بما أتاحته من حرية القول والاحتجاج والنقد، وقد اتخذ النبي ﷺ شعارًا له: أشيروا علي أيها الناس.
وحتى لو شعرنا أن الكافر قد فتح باب الحوار من باب التشفي في صاحبه، ولكننا رأينا فيما بعد كيف أن المؤمن وبذكاء عجيب وثقة، ومن باب (لست بالحب والحب لا يخد عني): قد قلب المائدة عليه وعلى أفكاره في أدب وحجة بالغة، وكسب جولة تصويب الأفكار.
وحرية الرأي أو حرية الحوار، إنما تدل على صحة المناخ الاجتماعي السائد، وهو الدعامة التي تصنع الأحرار وتعمل على تفعيل وتنشيط عوامل الوحدة الفكرية عند الأمة.
وحرية الرأي سواء على المستوى الخارجي أو على المستوى الداخلي: هي قضية يجب أن تؤخذ بجدية داخل أي مؤسسة دعوية كانت أو أسرية: تحاول المشاركة في المشروع الحضاري المنشود: الذي من أهدافه وثوابته: هي محاولة تنقية العقلية المسلمة من آثار المناخات الاستبدادية: وهي الأمراض الفكرية، التي تكاثرت جرائمها في أروقة العقليات المكبوتة، فأثمرت عقلية العوام، وطبيعة القطيع، ونفسية العبيد.
الهوامش:
المنهج التربوي للسيرة التنويرية، التربية الجهادية؛ منير الغضبان، ص 30.
تفسير القرآن العظيم؛ ابن كثير، طبعة دار المعرفة بيروت، ص 4/ 98-99.
دور حرية الرأي في الوحدة الفكرية بين المسلمين: د. عبد الحميد النجار، طبعة المعهد العالمي للفكر الإسلامي، سلسلة أبحاث علمية (6) 61..
المصدر السابق، ص 51.