; العملات العربية: قصور من ورق! | مجلة المجتمع

العنوان العملات العربية: قصور من ورق!

الكاتب عبد الله موسى

تاريخ النشر الثلاثاء 04-أكتوبر-1988

مشاهدات 75

نشر في العدد 885

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 04-أكتوبر-1988

● تراجع العملات العربية المستمر أمام الدولار الأمريكي أهدر القوة الشرائية لهذه العملات وزاد في حدة أزمة الديون.

● الليرة اللبنانية في مقدمة العملات المنهارة.

عندما كان للمسلمين حضارة وقوة، أصبحت دنانيرهم المسكوكة وعليها كلمات: «لا إله إلا الله، محمد رسول الله»، صيغة موحدة ومقبولة للتعامل الاقتصادي من أقاصي الشرق في أطراف الصين إلى أقصى الغرب في العالم القديم كسويسرا، وحتى أطراف السويد، ثم حيث توجد سيبيريا اليوم.. فقد كان الدينار الإسلامي أوثق وأفضل في التعامل من العملات المحلية في تلك البلاد. كانت قوة العملة الإسلامية تعكس قوة ومتانة الاقتصاد في العالم الإسلامي وتعبيرًا عن المتعة والعِزة التي تمتع بها المسلمون آنذاك.. لقد غطى التعامل بالعملة الإسلامية حوالي ٥٠٪ من العالم المعروف وقتها، يوم لم تكن وسائل مواصلات واتصالات حديثة ولا بنوك!

ترى هل حافظ الأحفاد على تراث الأجداد؟

عبد الرحمن عبد الله يناقش في تقريره الاقتصادي التالي هذه المسألة:

عندما انتهت الحرب العالمية الثانية كانت بريطانيا العظمى «سابقًا» مدينة للحكومة المصرية بحوالي 400 مليون جنيه إسترليني. أما التعامل بالجنية المصري فقد كان أفضل من الجنيه الإسترليني داخل مصر، وأما خارجه فكان يقف على قدم المساواة مع العملات العالمية الأخرى. بل إن الجنيه المصري كان أعلى من الجنيه الإسترليني بقليل عشية ٢٣ يوليو ١٩٥٢ عندما استلم الضباط الأحرار السُلطة في مصر. إلا أن الأهم أن الفائض الاقتصادي المصري كان كبيرًا ولم يكن هناك ديون. الليرة السورية كانت في الخمسينات تعادل دولارًا أمريكيًا واحدًا تقريبًا.

وقبل الحرب اللبنانية الأهلية كانت الليرة اللبنانية الواحدة تساوي نصف دولار أمريكي تقريبًا أما الدينار العراقي فكان قبل دخول العراق للحرب مع إیران يساوي ۲٫۸ دولار أمريكي.

أما الآن فالوضع يختلف تمامًا..

فالجمهورية المصرية بعد ٢٠ سنة من الاشتراكية و١١ سنة من الانفتاح الاقتصادي و٣٦ سنة من الحُكم العسكري، مدينة للمغرب بحوالي 44 ألف مليون دولار أمريكي فيما أخذت قيمة الجنيه المصري في الانخفاض حتى صارت أقل من 10 سنتًا أمريكيًا، وسوء الوضع الاقتصادي فيها قد الجأها إلى مجموعة «نادي باريس» لإعادة جدولة ديونها المدنية غير العسكرية.

أما الدينار العراقي فبسبب ظروف الحرب فقد صارت قيمته تساوي ٧٠ سنتًا فقط.. 

كما أن تراجع هذه العملات المستمر أمام العملات الأجنبية القوية وفي مقدمتها الدولار الأمريكي قد أهدر القوة الشرائية لهذه العملات وزاد في حدة أزمة الديون التي تعاني منها تلك البلاد.

كما أصبح هذا التدهور عائقًا في وجه التنمية الاقتصادية الضرورية لاستمرار حياة شعوب تلك البلاد بصورة صحية وسليمة تمكنهم من تلبية أساسيات الحاجة البشرية للمأكل والملبس والمسكن والعمل دون معاناة ومشقة شديدين.

إن السلع الأساسية في كثير من دول العالم الثالث ومعظمها من مجموعة الدول الإسلامية والعربية، مفقودة من الأسواق الحرة معظم الوقت. ومعظم هذه البلدان يتعامل بنظام البطاقة التموينية الذي عرفته أوروبا أيام الحرب العالمية، حيث يخصص لكل فرد من أفراد الأسرة حصة شهرية من المواد الغذائية الضرورية كالأرز والسكر والسمن. إلا أن المشكلة أن هذه الحاجات الأساسية لا تتوفر باستمرار في مراكز التوزيع التي تشرف عليها الدولة، إما بسبب العجز المالي أو بسبب فساد الإدارة والمسؤولين الذين يشرفون على تطبيق النظام. 

أما خبز الدقيق وهو المادة الأساسية للعيش في معظم أنحاء العالم، فبالكاد يكون متوفرًا لمواطني تلك البلدان طوال الوقت. وغالبًا ما يقضي المواطن أكثر من 40٪ من وقته في طوابير التموين وطوابير الخبير التي يتسابق إليها الجميع في الصباح الباكر قبل نفاذها.

وبعكس دول الشمال التي تمتاز أسواقها بوفرة وتنوع السلع، فإن دول الجنوب وفي مقدمتها العالم الإسلامي والعربي تعاني من ندرة السلع وانعدام بعضها الآخر. 

كما أن رواتب الموظفين الحكوميين في تلك البلاد لا تكاد تكفي لمتطلبات الحياة الآخذة أسعارها في الارتفاع، أما زيادات الرواتب الحكومية والتي تأتي متأخرة دائمًا -لو توفرت- فإنها تظل أقل بكثير من معدلات التضخم المتسارعة الصعود. وفي كثير من المجتمعات يضطر الزوج والزوجة إلى العمل المستمر دون بلوغ الحد الأدنى من كفاية الحاجات الضرورية للأسرة.

وقد أثر هذا الوضع الاقتصادي بالغ السوء على القيم الأخلاقية والاجتماعية في تلك البلاد، حيث أصبح الإثراء السريع هَمّ كثير من الخريجين الذين ضربتهم البطالة حتى لو كانت الوسيلة غير مشروعة وتتعلق بالنصب والاحتيال والاتجار بالمخدرات. أما صورة الثراء الفاحش فترتبط في أذهان الموظفين بأكل اللحم والدجاج يوميًا والذهاب إلى العمل بسيارة خاصة، بدل وسائل النقل العام القديمة والمزدحمة جِدًّا.

لماذا كان هذا التدهور في الاقتصاد وفي قيمة العملات العربية؟ لعل أهم هذه الأسباب يعود إلى التالي:

1- النظام الاقتصادي الاشتراكي: فالنظام الاشتراكي الذي ثبت فشله حتى في أشد الدول تحمسًا للنظرية الماركسية قد تم تطبيقه غصبًا في البلاد العربية دون خبرة ودراية بمساوئ هذا النظام. بل إن صور التطبيق كانت نسخة باهتة ومشوهة لأشد الدول الاشتراكية فشلًا في الاقتصاد. 

2- سوء الإدارة الاقتصادية: فلندرة الخبرات الإدارية الحديثة الجيدة، ولعدم تمكنها من الوصول إلى مراكز التأثير والقرار، تفشى سوء الإدارة وانعدم التخطيط السليم والتنفيذ الجيد للخطط الاقتصادية إن كان هناك أي خطط في الأصل.

3- الديون: فقد أسهمت الديون الكثيرة والباهظة في مضاعفة العبء على كاهل الميزانيات السنوية في كل دولة في تعطيل التنمية وبناء الخدمات الأساسية التحتية في كل بلد وجعلها تفتقد حتى الطعام. 

4- التدخل الغربي: أما عن طريق التخريب السياسي والاقتصادي المباشر أو المخابرات، أو عن طريق رفع أسعار السلع والخدمات المستمر لنهب ثروات الدول النامية إضافة إلى الابتزاز المستمر لهذه الدول والضغط على حكوماتها لشراء الخامات بتمن بخس.

ومع استمرار مسلسل تدهور العملات العربية تتساءل في قلق ونحن نعيش جميعًا على هذه الأرض إلى أين يؤدي بنا هذا الانهيار المستمر في الاقتصاد؟

الرابط المختصر :