العنوان العمال السوريون بين إهمال بلادهم والعنصرية اللبنانية
الكاتب مروة مقدسي
تاريخ النشر السبت 14-مايو-2005
مشاهدات 74
نشر في العدد 1651
نشر في الصفحة 36
السبت 14-مايو-2005
قصص دامية على لسان شهودها.. بين القتل وحرق الممتلكات والتهديد اليومي
شكلت مسألة العمال السوريين، الفئة الهاربة من الفقر في سوريا، مادة صحفية وإعلامية دسمة للمطبوعات والتلفزة العربية التي ذهبت لتصوير مآسي هؤلاء المقهورين العاملين في لبنان بعد الأحداث التي تعرضوا لها إثر الاغتيال البشع لرفيق الحريري.
فكان 14 فبراير الماضي سببًا لاغتيال بعض العمال السوريين البائسين في لبنان أيضًا، والذين وصل عددهم إلى ثلاثين عاملًا قتلوا بطرق مختلفة، ولم يسمح للإعلام بأن يصل إلى تغطية تلك الحوادث لأنها تستثنى من تقارير الأمن العام اللبناني اليومي ولا نعلم لصالح من، ومن لم يقتل منهم هدد إن لم يرحل ويترك الأراضي اللبنانية.
وسنورد فيما يلي جزءًا يسيرًا من الأحداث التي تعرض لها بعض العمال في الآونة الأخيرة، وتجدر الإشارة إلى أن كثيرًا منهم تعرض للتهديد والضرب لكن سرعان ما لملم بقايا إنسانيته المهدورة بين الإهمال السوري له والاستهتار في المحافظة على حقوقه، وبين المعاملة العنصرية اللبنانية على أساس الفرق بين الجاهل «العامل السوري الفقير» وبين الناطق الرسمي «رب العمل اللبناني» بلغة الغرب «الكلاس»، لذلك فإن إحصاء المتضررين من الحوادث هي عملية شبه مستحيلة، وهذه بعض القصص على لسان أصحابها.
صباح يوم السبت 12 مارس، استيقظت مجلة «الطريق الجديدة» على جريمة ذهب ضحيتها السوري يوسف موسى موسى «43 عامًا»، إذ عثر عليه جثة هامدة ومصابًا بأربع عشرة طعنة من آلة حادة في أنحاء مختلفة من جسمه، وممددًا على الرصيف أمام محله، وتبين أن المعتدين سرقوا من القتيل مبلغًا من المال مقداره 800 ألف ليرة لبنانية هي «غلة غربته» وهربوا، واستفرد مجهولون بالسوري إياد جهاد صالحة «31 عامًا» المكلف بحراسة «فيلا» في بلدة بعلشميه في قضاء بعبدا، وقتلوه من دون أن يسرقوا ليرة واحدة أو تحفة واحدة أو يعبثوا بمحتويات هذه الدار الضخمة، واكتفوا بالتفتيش عن ضالتهم الذي كان غارقًا في دمائه أمام أعينهم بعدما أثخنوه بثماني رصاصات من مسدس من عيار 6 ملم، توزعت على أنحاء مختلفة من جسمه وذلك يوم الثلاثاء 12 نيسان / أبريل.
ومن نجا من الطلقات النارية أصيب بالآلات الحادة، كما هو حال السوري محمود محمد همام «22 عامًا» الذي طعنه ثلاثة أشخاص كانوا يستقلون سيارة من نوع «هيونداي» من دون لوحات بسكين في جسمه في محلة باب الرمل البحصاص في طرابلس عند الساعة التاسعة من مساء السبت في 2 نيسان، وشهروا في وجهه مسدسًا حربيًا وسلبوه مبلغ 350 دولارًا أمريكيًا.
ولم يكن حال السوري كمال أسعد الحسيني «23 عامًا» أفضل مساء السبت في 2 نيسان أيضًا، بعد تعرضه للطعن بسكين على يد مجهولين في محلة سد البوشرية «قضاء المتن الشمالي»، وقد فروا على متن دراجات نارية إلى جهة مجهولة.
الناجون من القتل
ومن أسعفه حظه بالنجاة من الاعتداءات الجسدية، عومل بطريقة أنظف يدًا وضميرًا، فالقيت في وجهه، أو أمام دكانه الصغير، رسائل تهديد تحذر من مغبة البقاء على الأراضي اللبنانية تحت طائلة الموت، كما حصل مع عدد من العمال السوريين في بلدة عكار العتيقة، وذلك يوم السبت 19 آذار، إذ عثروا على رسالة موضوعة أمام منشرة خشب تطالبهم بالرحيل فورًا، فيما تهجم شبان في بلدة حكر الشيخ طابا في عكار على عمال سوريين وهددوهم بالموت إن لم يرحلوا إلى بلادهم.
ومساء يوم الأربعاء في 9 مارس، رمى مجهولون مواد ملتهبة على شاحنة لنقل البضاعة كانت متوقفة تحت جسر «الشفروليه» في قرن الشباك «قضاء بعبدًا» لمجرد أنها تحمل لوحة سورية، فاحترقت حمولتها بالكامل، ثم انهالوا بالضرب والركل على سائقها السوري، وألقى مجهول قنبلة يدوية على العمال السوريين مجيد حسن الكضيب «25 عامًا» ومنجد حسن الكضيب «23 عامًا»، وحسين محمد المسي «24 عامًا»، الذين كانوا موجودين ليل الجمعة السبت في الأول من نيسان في ورشة بناء في بلدة بتلون «قضاء الشوف»، ولم تسفر عن وقوع إصابات بشرية.
وعند الساعة الحادية عشرة من مساء يوم الخميس في 31 آذار ألقى مجهولون قنبلة صوتية على منزل يستأجره عمال سوريون في محلة عين مرفق «قضاء بعبدا» من دون أن توقع إصابات في صفوفهم، كما شب حريق في غرفة يقيم فيها عمال سوريون في بناية نزل غازي في محلة التبانة في طرابلس وذلك يوم الخميس في 21 آزار.
والأمثلة كثيرة ومؤلمة لاعتداءات استهدفت من هم بمثابة المناضلين من أجل اللقمة الحلال والعيش الكريم والذين تركوا عائلاتهم لتوفيرها، فوقفوا أمام عربة خضار حطمت لهم وهي كل ما امتلكوه في حياتهم، وأما عمال البناء والزراعة فمن أصل 10 دولارات كانوا يقبضونها يوميًا أو ربما أقل، ينفقون منها نزرًا يسيرًا على ما يسد جوعهم، ويؤمن لهم تقاسم السكن في غرفة ذات شروط معيشية سيئة ولا ينطبق عليها أي مقياس من مقاييس الإنسانية، مع عدد كبير من رفاقهم قد يصل إلى 8 أفراد في الغرفة الواحدة.
كما لم توفر الاعتداءات السوريين الذين كانوا يقصدون لبنان للزيارة، فكانت ترمى عليهم الحجارة وتكسر نوافذ سياراتهم، وقال لي أحد سائقي البولمانات التي كانت فيما مضى تكتظ بالعمال وباللبنانيين وبالسوريين في ذهاب إلى سوريا وعودة، إن شبانًا رموه بالبيض وبالبندورة، وإن سوق المواصلات مات، وبعد أن كان كل نصف ساعة يسافر بولمان إلى حلب، الآن إذا أتينا فإننا ننتظر لليوم الثاني حتى نعود بعشرة ركاب، فلم يعد هناك عمال يتنقلون وتقريبًا انقطعت العلاقات بين الشعبين.
ولا بد من الإشارة إلى أن تاريخ العلاقات الاقتصادية بين لبنان وسوريا وتوافد العمال يعود إلى الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، لكن مع انتهاء الحرب اللبنانية وفتح الحدود بدأت تتزايد أعداد العمال باطراد، وقد وصلت إلى أوجها في السنوات الخمس الماضية، والبعض يقول عن وجود ما يفوق المليون عامل سوري، يعملون في مختلف القطاعات، وعدا البناء والزراعة فقد امتدت إلى بيع الخضار والصحف والعمل في المقاهي وحراسة الأبنية، لكن إحصاءات أخرى تؤكد أن نسبتهم لم تتجاوز الـ 400 ألف أو 500 ألف على أبعد تقدير توزعوا على مختلف المناطق اللبنانية.
وبعض الإحصاءات دلت على وجود 70000 لبناني يعمل في سوريا في قطاعات كبيرة كالاتصالات والمكننة وغيرها، وهي وظائف ذات رواتب عالية، كما أن بعض رجال الاقتصاد أبدوا تخوفهم على تأثر حوالي 100000 لبناني لديهم مشاريع في سوريا ويجنون منها الأرباح الطائلة.
ولا يمكن أن نلقي بالأخطاء التي ارتكبت بحق تلك الفئة على كاهل الدولة السورية وحدها التي لم تؤمن لهم مجالات للعمل، فسوريا تمنع الاستثمارات الخارجية وبالتالي فإما أن يكون هناك بعض المنشآت الصناعية الخاصة التي تستوعب عددًا محدودًا من الأيدي العاملة الكبيرة من سكان القرى نسبة إلى سكان المدن أو منشآت الدولة التي لا تستوعب ربع الأيدي العملة السورية.
وفي الغالب فإن ابن المدينة لا يأتي للعمل في لبنان إلا في قطاعات أعلى من المجالات التي يعمل فيها ابن القرية من البناء والنجارة والزراعة والصيانة بأنواعها، إنما يتوافد من المدن أصحاب التجارات الصغيرة لتسويق بضائعهم الرخيصة والتي تكون ذات جودة عالية وأسعار متواضعة، هذه البضاعة التي اشتكى منها حوالي 30000 لبناني منهم صاحب ورشة أو معمل صغير، في مقابل استفادة عشرات الآلاف من اللبنانيين من الفئة الفقيرة والمتوسطة الذين لن يستطيعوا شراء البضاعة اللبنانية باهظة الثمن أصلًا، وهذه هي المعادلة الحياتية، فمن الصعب إرضاء جميع الأفراد، فإذا عاش الغني في بلادنا يموت الفقير كمدًا.
وليس كل ما يقال عن العمال السوريين من أنهم استولوا على فرص العمل في لبنان صحيحًا، لأنه وببساطة الحرفة التي يقوم بها السوري العامل في لبنان لا يعمل فيها اللبنانيون.
هذا بالإضافة إلى مهارة اليد العاملة السورية ورخصها، والعمل يحتاج إلى قوة بدنية يتمتع بها السوريون وتجعلهم يقومون بالأعمال دون تلكؤ، بينما العامل اللبناني لا يستطيع تحمل ساعات العمل الطويلة ويقضي بقية يوم العمل بين التدخين وتناول الطعام!!
هذا كله يضاف إلى قلة اليد العاملة اللبنانية أساسًا، وفي قطاع البناء الذي تصور أكثر من غيره وأدى ذلك إلى جمود معظم المشاريع، بسبب عودة 85% من العاملين السوريين فيه إلى البلد الأم علها تحتضن ألامهم وتنهي مأساتهم في المعاملة التي يلقونها مقارنة مع بقية الجنسيات العاملة في لبنان، فالسوري هو الوحيد الذي فتحت له دولته أبوابها للرحيل والعمل دون أن تضمن ولو جزءًا من حقوقه في العلاج على سبيل المثال إن وقع من على إحدى الرافعات التي يعمل عليها، ويأتي بعده قطاع الزراعة الذي يشكو معظم المزارعين من رحيل العمال الذين تقدر نسبتهم بـ90% من العاملين فيه، وهذا يشمل بقية القطاعات التي لا يمكن للبناني أن يعمل فيها، إذا ليس صحيحًا أن هذا البائس المسحوق في كل مكان يتوجه إليه يأكل لقمة اللبناني.
وإذا نظمت العمالة بين البلدين - التي كان من مصلحة أصحاب رؤوس الأموال والمشاريع اللبنانيين عدم تنظيمها لأنها ستكلفهم إجازات عمل وإقامات واشتراكات وضمانات لا يدفعها رب العمل للسوريين لذلك يعتبره أرخص يد عاملة - سيكون ذلك من صالح العامل الفقير كي يحترم جهده على الأقل في بناء لبنان ما بعد الحرب، وإن كان التذمر في لبنان من أن ملايين الدولارات تذهب إلى سوريا، فإنها أجر هؤلاء الذين يعملون دون ملل فتراهم بسطاء يحبون رب العمل وإن قال لهم كلمة حلوة يفتخرون في اليوم التالي أمام رفاقهم في جلسة شاي أن صاحب العمل يحبهم!! هذا هو العامل السوري في لبنان.