; العلم المفقود | مجلة المجتمع

العنوان العلم المفقود

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 27-يونيو-1978

مشاهدات 184

نشر في العدد 401

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 27-يونيو-1978

وجدته جالسًا في المسجد النبوى الشريف بعد أداء الفريضة، حوله بعض الشباب، عليه سيماء الصالحين ونقرأ في وجهه علامات المجاهدين.

سلمت فرد السلام واستأذنت في الجلوس فأذن لي فجلست فإذا بمجلسه يسوده الوقار وإذا بقلبي يتجه نحوه .. أردت أن يحدثني، أردت أن أتشرف بتلقي شيء من العلم عنه مشافهة، وإن كنت قد تلقيت العلم منه من خلال كتبه ومحاضراته المسجلة.

وبينما أنا أفكر في ذلك عنّ لي سؤال يتعلق بمحاضرة قالها في الشام عقب خروجه من السجن الذي كتب الله له فيه الخير الكثير ووفقه إلى تفسير لكتابه العزيز يثلج صدور المؤمنين، ولست الأن بصدد ذلك، ولكن جرني إلى ذلك تعبير الشيخ عن المنح وكونها مطوية في المحن.

في تلك المحاضرة كان يتحدث عن مقامات السير في دين الله وعدهـــــا خمسة: الإسلام، الإيمان، الإحسان، التقوى، الشكر، وبيّن أن تلك مراتب، وأن كل مقام يقود إلى الذي يليه، وأعلى تلك المقامات كلها هو الشكر وهو أندرها بين أناس ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾، وهو المقام الذي كان فيه نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، فقد بيّن ذلك حينما كان يقوم الليل حتى تورمت قدماه فتقول له السيدة عائشة رضى الله عنها: أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: «أفلا أكون عبدًا شكورًا».

 بين الشيخ في محاضرته تلك المقامات الخمسة وأدلتها وكيف أنه يجب على المسلم أن يأخذ حظه من تلك المقامات كلها.

 وكان نهاية الوجه الأول من الشريط وقف عند بيان الدليل على أن الإحسان يوصل إلى التقوى ولعل المسجل -جزاه الله خيرّا- فاته ذلك حينما غيّر وجه الشريط فكان سؤالي هو: ذكرتم في محاضرتكم التي بينت فيها مقامات السير في دين اللـه الأدلة التي تبين كيف أن كل مقام يوصل إلى الذي يليه وأريد بيان الأدلة على أن مقام الإحسان يوصل إلى مقام التقوى؟

سكت الشيخ برهة ثم قال: وجهات النظر تختلف في هذا الموضوع ..

ثم ساق الدليل كما يلي: الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 21) هذه الآية بينت أن عبادة الله توصل إلى التقوى - اعبدوا ربكم .. لعلكم تتقون، والنبي صلى الله عليه وسلم بين أن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك..

بما أن عبادة الله توصل إلى التقوى وبما أن الإحسان هو عبادة الله بكيفية خاصة، فالإحسان إذن يوصل إلى التقوى ..

- قلت للشيخ جزاك الله خيرًا، هذا الذي كنت أسأل عنه والحمد لله الذي أعانني على سماع الجواب منك، عاد الشيخ فتنهد ثم قال يا بني هذا العلم قد فقد اليوم ولم يعد العلماء يعتنون به كالسابق؛ ففي الحديث: «أول علم يرفع من هذه الأمة علم الخشوع» إن العلماء يعتنون بشيئين هما العلم والعمل وينسون شيئا ثالثًا هو الحال الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابة حين أدائهم لتلك الأعمال التي تقربهم من الله عز وجل وهذا من الأهمية بمكان.

إن الله حدد مهمات النبي صلى الله عليه وسلم في كتابه المجيد فقال: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 151) إن هناك معنى زائدًا غير العلم والعمل هـو التزكية هو تطهير القلب والنفس مما يعتريهما من أدران حتى يصبحا في حالة يدّعي القلب وقتها بأنه سليم والنفس بأنها مطمئنة.

قلت هل أفهم من هذا أن هذه الحال هي روح العمل؟

قال: لا: روح العمل الإخلاص لله تعالى، وذلك شيء من الحال وليس كل الحال، إنه مع ذلك الرغبة والرهبة والخوف من الله وحده والخشوع والخضوع واطمئنان القلب... إلخ.

ثم أضاف الشيخ: الكتاب والسنة قد بينا ذلك ووضحاه، ولكن العلماء قليلًا ما يطرقونه ويبينونه للناس بصفاء ونقاء؛ لذلك وجدنا بعض الصوفية يدّعون أن هذا العلم هو عندهم، وإذا تكلموا عنه احتوى كلامهم على الغث والسمين والصحيح من القول والزائف، وقلما تجد صوفيًّا يتكلم بكلام يقبله العلماء والفقهاء..

إن الأمة بحاجة إلى هذا العلم وأن يبينه العلماء المخلصون بأدلة مقبولة وفقه عميق.

واستطرد الشيخ: قائلا: تجد كثيرًا من المتحمسين لهذا الدين يشكون من فقدهم لهذا الحال، وإذا بالواحد منهم إذا وجد الرجل العالم انطرح بين يديه وأخذ يشكو مما يعانيه ومما يجده في قلبه أحيانًا من وساوس. هذا العلم يصلح القلوب وينيرها، العلم بحالة النفوس وكيفية نقلها من حالة إلى حالة أحسن إلى حالة الطمانينة، هذا العلم قد بين في الكتاب والسنة إلا أن القلة من العلماء هم الذين يتحدثون عنه بفهم ويدللون عليه بصدق لذلك يكاد يكون مفقودًا بالفعل.

وهنا وجدت نفسي مضطرًا لأن أسأل هذا السؤال: ما هي أهم الكتب التي عنيت بهذا العلم؟

فأجاب الشيخ: هما مدرستان مدرسة الغزالي ومدرسة ابن القيم، وليس واحد منهما بمعصوم من الخلل أو الزلل، والمطلوب أن يقرأ الإنسان وعقله معه فيأخذ الحق الذي معه دليله ويترك الباطل الذي لا دليل عليه، وهكذا ينتفع بما فيه نفعه ويتجنب ما قد يضره ولا ينفعه.

 وهنا سأل شيخ آخر كان معنا: أي كتب ابن القيم عنيت بهذا الأمر. مدارج السالكين أم هناك كتب أخرى له تتحدث عن هذا الموضوع؟

أجاب الشيخ: في الحقيقة لا يكاد ابن القيم يغفل هذا الأمر فلا تجده في أي كتاب من كتبه إلا ويعرج فيه على هذا المعنى؛ فمدارج السالكين وطريق الهجرتين والوابل الصيب وكتاب الروح وغيرها في كل منها حديث لابن القيم عن هذه المعاني، وإن كان كتاب الروح -كما يقال- ألفه في أول الطلب.

بعد الإجابة على ذينك السؤالين المعارضين -عاد الشيخ للكلام عن ذلك العلم الذي يهتم بالقلوب وتحويلها فبين أنها- الحالة الذي تحدث عنها - مرتبطة بالإيمان وأنه لا يمكن لأحد أن يهون من أمرها فالله سبحانه وتعالى يقول مثلا: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 175)، ويقول: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (النحل: 51)، ويقول: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (التوبة: 13). ويذكر لنا مثالًا على اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بهذا العلم وعلى أن القلوب قد تتغير في لحظة مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (الأنفال: 24) فيذكر لنا الحديث الذي يرويه الإمام مسلم عن أُبي كعب رضي الله عنه في اختلافه مع بعض الصحابة في قراءة القرآن حينما رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وصوب الجميع في قراءاتهم، يقول أبي: فسقط في صدري من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية، فلما رأى ما قد غشيني ضرب في صدري ففضت عرقًا وكأنما أنظر – إلى الله عز وجل فرقًا –11- هكذا يصف أُبي رضي الله عنه وهو من الصحابة الأجلاء -ما وقع في نفسه وهكذا يلاحظ النبي صلى الله عليه وسلم فتكون معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم إذ يزول ما في صدر أبي -رضي الله عنه - بمجرد ضربة في صدره وإذا به في مقام الإحسان وكأنما أنظر إلى الله فرقًا.

ثم قال الشيخ لقد أحسست هذا في نفسي؛ فقد كان لنا بعض المشايخ
إذ جلسنا معهم لا نخرج إلا وقد ازددنا يقينًا وإيمانًا، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء..

ما أن أتم الشيخ حديثه حتى كنت على يقين من ضرورة التنبيه على هذا العلم ونشره بين الناس وخاصة الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى. بعد هذا الحوار المفيد ودّعت الشيخ وأحسست بشعور خاص وجعلت أفكر في كلام الشيخ وأنا أخطو نحو باب المسجد النبوى وإذا بالدموع أحسها حارة في جفوني، أحسست فعلًا بحالة خاصة تمنيت أن لو كان كل مشائخنا بهذه المثابة إذا جلسنا معهم قذفوا في قلوبنا مثل هذه الشحنات من الإيمان التي تتحول بفضل الله مباشرة إلى سلوك قويم يحمي صاحبه من الوقوع في حمأة الرذيلة ويسمو به إلى أوج الكمال ما أمكن.

وبمجرد أن عدت إلى المنزل رأيت أنه من الواجب عليّ أن أقيد هذه الخواطر؛ خشية من أن تقع في شبكة النسيان، وأملًا في أن ينفع الله بها من يطلع عليها، فتنالني وتنال الشيخ دعوة صالحة من رجل صالح، والله ولي التوفيق.

الرابط المختصر :