; العلمانيون .. ومشكلة اللغة المزدوجة | مجلة المجتمع

العنوان العلمانيون .. ومشكلة اللغة المزدوجة

الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود

تاريخ النشر الثلاثاء 06-سبتمبر-1994

مشاهدات 65

نشر في العدد 1115

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 06-سبتمبر-1994

·       العلمانيون يقفون مع أعداء الأمة في خندق واحد في هجومهم على الإسلام ورفضهم لمعطيات العقيدة والشريعة.

·       إسحاق بار موشيه رجل الموساد الإسرائيلي، يدافع عن سعيد العشماوي لكتابته ضد الإسلام والخلافة الإسلامية.

 مشكلة المثقفين العلمانيين تكمن في ولائهم المريب لأعداء الإسلام، ورفضهم الغريب لمعطيات العقيدة والشريعة.. وهذه المشكلة لا تعبر عن نفسها فيما يكتبون وحسب، ولكنها تظهر من خلال كتابات الأعداء عنهم، وتعاطفهم الطبيعي مع أفكارهم، واحتضانهم للكثيرين منهم في مجالات عديدة وبخاصة في المجال الإعلامي، واستدعائهم للمؤتمرات والندوات التي تعقد في أماكن شتى داخلية وخارجية والإغداق عليهم بالجوائز والأوسمة والزيارات والمحاضرات، وفي الوقت ذاته فإن نظراءهم من أصحاب التصور الإسلامي يواجهون بالكثير من الجهامة والمحاصرة والتشنيع والتشهير والهجاء المقذع.

منذ مدة كتب أحدهم يستنفر الفريق العلماني لتحديد المواقف، وإعلانها صراحة مع حث الفريق على الرفض الضمني لأي حوار مع الجانب الإسلامي أو التفاهم معه بروح العلم والبحث والإقناع، وكان من حيثيات دعوته أن الفريق العلماني هو صاحب المستقبل لأنه منفتح ومتجدد وابن عصره وزمانه، أما الجانب الإسلامي، فمنغلق ومتعصب وجامد، ولا يقبل بالحوار أو التعدد. وبالرغم من موضوعية الردود على هذه الدعوة المتشنجة الظالمة، فإن القوم يستمرون في منهجهم ضاربين عرض الحائط بكل قيمة موضوعية وفكرية تصب في خانة التفاهم والحوار البناء.

العلمانيون يتوددون للأعداء.. ويحاربون الإسلام

ولا ريب أن أي عاقل لا بد أن يتساءل عما تثيره المفارقة الراهنة في لغة الفريق العلماني حيث تتودد هذه اللغة إلى الأعداء، وتحاول –بقدر الطاقة– أن تناقشهم في إطار من التهذيب والرقة والأدب الرفيع بل تخضع لمقولاتهم وإرادتهم في الوقت الذي تستخدم فيه الهراوة الغليظة أو "النبوت" في حوارها مع الجانب الإسلامي.. بل قل مع العقيدة والشريعة.

حقيقة الأمر، تؤكد على أن القوم يريدون أن يقيموا عالمًا خاصًّا بهم، قد يسمونه الإسلام أيضًا، دون أن يلتزموا بالثوابت أو ما أجمعت عليه الأمة منذ 14 قرنًا.. ولعل أقرب الأمثلة على ذلك، ما قاله أحدهم عن وجود أخطاء نحوية في القرآن الكريم قام الحجاج بن يوسف الثقفي بتصحيحها. وذكر صاحبنا أن الحجاج صوب 13 خطأ ومعنى ذلك ببساطة أن القرآن الكريم ليس معجزًا كما اتفقت على ذلك الأمة، وكما أثبت إعجازه الواقع العملي والفعلي منذ نزوله حتى اليوم... ومعنى ذلك ببساطة أيضًا، أنه ليس وحيًا نزل من عند المشرع الأعلى –جل جلاله– أي إنه بلغة أعداء الإسلام من أصحاب العقائد الأخرى موضوع ومكتوب بمعرفة النبي ﷺ، ومن ثم يصل صاحبنا إلى غايته بهدوء شديد في تقويض أركان العقيدة والشريعة، ويصر القوم بعدئذ على تلقيبه "بالمفكر الإسلامي"، وتناديه إذاعات لندن وإسرائيل، ومونت كارلو باللقب ذاته، وإن راجعه أحد في مقولاته صرخ بأعلى صوته: إنهم يهدرون دمي، ويفتون باستحلال قتلي.

هكذا تبدو لغة العلمانيين في مفارقتها ومنهجها، بل في قسوتها على الجانب الإسلامي من خلال مصطلحاتها المعروفة ومزاعمها المزيفة: "التقدم"، "الاستنارة"، "التعددية"، "حق الآخر"..... كنت أتصور أن تكون هذه اللغة –بالرغم من الخلاف الفكري– موجهة إلى العدو المشترك الذي لا يفرق في عدوانه وإجرامه بين إسلامي وعلماني، ولكنه عند الضرورة يأتي على الجميع، ولكن القوم –كما ذكرت من قبل– يؤثرونه بالمودة والرقة والخضوع لمزاعمه وإرادته، وكان طبيعيًا أن يؤثرهم العدو بشيء من الرضا والحظوة.. وأقصد هنا بالعدو –العدو اليهودي– الذي يحتل فلسطين والقدس والجولان وجنوب لبنان ويفرض إرادته وهيمنته على الجميع إلا الشهداء والمجاهدين.

رجل موساد يدافع عن فيلق علماني

في كتابه الذي نشرته جريدة "الأحرار" اليومية مؤخرًا "ابتداء من 4 مايو 1994م" والمسمى "مصر في قلبي" يتحدث "إسحق بارموشيه" المتحدث باسم سفارة العدو اليهودي في القاهرة في الثمانينات كثير من الحكايات والمفارقات عن الفريق العلماني الذي تخصص في مهاجمة الإسلام والحركة الإسلامية بوصفهم أصدقاء حميمين. ما قاله "موشيه" لم يتعرض –حتى اليوم– للنفي أو التكذيب من جانب شخص واحد ممن ذكرهم في كتابه، وهو ما يعني أن ما قاله صحيح، وبخاصة أنه يتكلم من داخل هؤلاء الأشخاص – أقصد من داخل بيوتهم وأسرهم، فقد كان صديقًا للجميع، ليس على المستوى الشخصي أو الخارجي، ولكن على المستوى العائلي أو الأسري.. وهؤلاء الأشخاص من القلة القليلة التي ارتضت أن تجاهر بصداقتها لأعدائنا التاريخيين. يذكر "إسحاق بارموشيه" –وهو رجل موساد– في حقيقة الأمر أن من بين أصدقائه المصريين الذي توثقت صلته بهم عبد الستار الطويلة، عبد العظيم رمضان، محمد سعيد عشماوي، أنيس منصور، فرج فودة، صفوت عبد الحليم، إبراهيم الورداني، حسن عبد المنعم وزوجته أميرة كامل، يوسف شوقي، حسين أحمد أمين.

يستنكرون دولة الإسلام.. ويؤيدون دولة التوراة

من ينظر إلى هذه المجموعة يجد معظمها عنيفًا في حملته على الإسلام والمتدينين ويكتشف أن الرابطة التي تضمهم هي الانتماء للنمط الغربي والكراهية للتصور الإسلامي بالفعل أو النشأة.. ولا يعنينا هنا من يعيشون وفق المنظور الأوروبي، ولكن يعنينا من جعلوا كفاحهم موجهًا ضد التصور الإسلامي والمجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية، في الوقت الذي لا يستنكرون فيه وجود الدولة اليهودية والمجتمع اليهودي والتصور اليهودي.. إن دولة العدو اليهودي لا تخافت باعتمادها التوراة أو شريعة موسى عليه السلام أساسًا للدولة والمجتمع وتخضع حكومتها لما يمليه الحاخامات وما يقوله الكتاب المقدس، ولا تجد غضاضة في توقف الحركة والمواصلات يوم السبت، ولا يخجل رؤساؤها من اعتماد الطاقية اليهودية ويرفضون الطعام غير اليهودي، بل يفرضون في زياراتهم للخارج تقديم الطعام اليهودي "الكوشير" إلى غير ذلك من مظاهر تعني أن الشريعة اليهودية –وفق تفسير الحاخامات– هي التي تحكم دولة العدوان في فلسطين. إن كتابنا العلمانيين الذين لا يكفون عن هجاء الإسلام وتفسيره تفسيرًا مزاجيًا يخضع للهوى لا تستلفتهم الظاهرة اليهودية وهي تشن الحرب ضد المسلمين باسم التوراة. وتتوسع في الأرض الإسلامية باسم التوراة وتقتل المسلمين في المساجد باسم التوراة وتقيم حياة المجتمع اليهودي باسم التوراة.

ولم يكن من الغريب أن يلفت انتباه "إسحاق بارموشيه" ما كتبه أحدهم في تفسير الإسلام تفسيرًا مزاجيًا، فقد أغدق "موشيه" الكثير من المدائح على هذا التفسير العجيب الذي يجعل الإسلام مجرد ديكور في حياة المسلم، لا شأن له بالمجتمع أو السياسة أو غيره، ثم يترافع رجل الموساد عن صاحبنا مرافعة حارة تفتقد الأساس الموضوعي والمعرفي.. ولكنها مرافعة عن صاحب قلم يخدم التفكير اليهودي المعاصر –ولو بطريقة غير مباشرة– حيث إن القوة الوحيدة القادرة على مقاومة الهيمنة اليهودية المتوحشة هي الإسلام بتصوراته وقيمه، وأولها الجهاد.... وبالطبع، فإذا ما ذهبت هذه القوة أو حددت إقامتها الجبرية.. فتستطيع الدولة اليهودية العدوانية أن تنتفش وتنتشر وتنتصر دائمًا.

رجل الموساد في مرافعته يتهم الصحوة الإسلامية اتهامات شتى وعديدة، ويتحدث عن احتكارهم الكلام عن الدين وتزويره (؟؟)، ولم يقدم مثالاً واحدًا على ما يقول، وإن كان ينقل عن أحدهم أن ما يجري في الجوامع وفي الإذاعة والتلفزيون يخدم مزوري الدين في حالات كثيرة وأن موجهي الصحف والإذاعات وشبكات التلفزيون يقعون بسهولة في شباك الإخوان المسلمين (الأحرار: 19/5/1994م).

الموساد تمتدح التفسير الماسوني للإسلام

ثم ينتقل رجل الموساد في مرافعته العدوانية بأن ينقل عن المستشار الصديق مؤلف "الإسلام السياسي" مقولات وأفكار إخوان الصفا مثل قوله: "... حدد إخوان الصفا (...) الرجل المسلم الكامل في أنه ينبغي أن يكون عربي الدين (؟) عراقي الآداب، عبراني المخبر، مسيحي المنهج، شامي النسك، يوناني العلم، هندي البصيرة، صوفي السيرة، ملكي الأخلاق، رباني الرأي إلهي المعارف". ثم يعلق رجل الموساد على ذلك بأن إخوان الصفا يحددون المسلم الحقيقي بذلك الذي يكون إنسانًا عالميًا، ينفتح على كل الحضارات ويتقبل كل المعارف، ويتفهم جميع الشرائع، ويأخذ بنصيب من كل نهج – وذلك في مقابل ما يسمى الأصولية الإسلامية العقلية الروحية التي يراها مؤلف "الإسلام السياسي"، "ترى تنقية الفهم الإسلامي وتنقيح الفكر السياسي بالعودة إلى القرآن الكريم وأعمال وأقوال المسلمين الأوائل في اعتبار السلطة السياسية سلطة مدنية صادرة عن إرادة الناس وليست لها أي عصمة أو قداسة ... أما الأصولية الإسلامية الحركية فإنها تؤمن واقعيًا بغير ما تقول به ظاهريًا.... إلخ" (الأحرار 19/5/1994م). وتستمر المرافعة على هذا النحو من الخلط الذي يكشف -إن لم يكن يطمس- الحقائق الأصيلة في الإسلام، التي تؤكد عالمية الإسلام وشموليته وعزة أتباعه، وتفوقهم إذا ما تمسكوا به وعملوا بمنهجه وحققوا مقاصده.

الموساد تدافع عن سعيد عشماوي

ويلاحظ أن: "إسحاق بارموشيه" توقف طويلاً عند صاحبنا المستشار مؤلف "الإسلام السياسي" و"الخلافة الإسلامية" والمصمم على تحويل الإسلام إلى مجرد "ديكور" للزينة وليس منهاجًا للعمل والعبادة.. وكانت وقفة موشيه غير عادية حيث ركز على أفكاره المشوهة للإسلام والمفسرة له تفسيرًا مزاجيًا غريبًا لا يقوم على أسانيد علمية، أو براهين منطقية.. في الوقت الذي ترك فيه لذاكرته الحرية في سرد حكايات وأقاصيص طريفة عند أولئك الذين يعيشون النمط الغربي، ولم يهاجموا الإسلام صراحة... والمفارقة لا تحتاج إلى كثير من العناء في الفهم.. فهؤلاء أصدقاء يخدمون ما يسمى "بعملية التطبيع" أما أصحاب الجرأة في التهجم على الإسلام فهم يخدمون بالضرورة عملية "التدمير".. تدمير العقيدة ومفاهيمها والشريعة وتصوراتها، وهو ما يحلم به اليهود من كانوا في يثرب حتى اليوم.. وإلى أن يشاء الله.

وهكذا تبدو لغة العلمانيين، في جانبها المعتم ضد عقيدة الأمة وشريعتها، ومع أعداء الأمة وخصومها، وإذا كانت الأحوال السياسية في معظم البلاد الإسلامية تحبذ هذه اللغة اليوم، فإن واجب علماء الأمة ومثقفيها الحقيقيين أن يوضحوا للناس طبيعة هذه اللغة التي تتقرب من الأعداء في مودة ورقة، وتجافي الإسلام في خصومة وشدة. إن الأحوال السياسية متغيرة وزائلة، أما المفاهيم العقدية والتصورات الإيمانية فراسخة ودائمة.. وهو ما ينبغي أن يدركه علماؤنا ومثقفونا الحقيقيون.. ومن ثم فإن اللغة المزدوجة أو ازدواجية اللغة عند العلمانيين تمثل مرضًا من أمراض ثقافتنا المعاصرة ينبغي علاجه، ومحنة من المحن التي تعانيها الأمة ينبغي الخروج منها، وبخاصة إذا كان العلمانيون هم المسيطرون على وسائل الإعلام والنشر والمهيمنون على وسائل التوجيه والتعليم.

(إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ * كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) (المجادلة: 20 – 21).

(*) أستاذ النقد الأدبي بجامعة طنطا.

 

الرابط المختصر :