; العلمانية والشريعة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان العلمانية والشريعة الإسلامية

الكاتب د عبد الله رشوان

تاريخ النشر الثلاثاء 24-يوليو-1984

مشاهدات 85

نشر في العدد 680

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 24-يوليو-1984

منذ فترة وبصفة متوالية نشرت مجلة «المصور» مجموعة مقالات ولقاءات حول المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية، وأثير فيها الكثير من التشكيك والنقد المباشر أو غير المباشر لهذه المطالبة، بما يفهم منه تأييد الفكرة العلمانية التي تقول بفصل الدين عن الدولة أو بفصل الدين عن السياسة.

وبدأت هذه السلسلة من المقالات بما كتبه الدكتور لويس عوض تحت عنوان «تاريخ العلمانية في مصر»، وما صاحبها من كتابات غيره، وما تلاها من مقالات الأستاذ حسين أحمد أمين، ودون أن يخلو النشر من صور ورسوم تصاحب هذه المقالات، وتوحي بتعزيز الفكرة التي أملتها، وتؤيد الآراء التي وردت فيها، مع التقديم لهذه المقالات بأنها مبنية على العلم، ووصف أصحابها بالجرأة وتقريظ ماضيهم.

وكنت أجمع هذه المقالات وقت وجودي بالخارج بنية الرد عليها عندما ينتهي مسلسلها، خصوصًا مقالات الأستاذ حسين أحمد أمين الذي كنت أظن أنه مجرد باحث ينشد الحقيقة، ثم تبينت من استطراداته وتهكماته وهزلياته نوع الآراء التي يؤمن بها، والخط الذي يسير عليه، وهي آراء قديمة سبقته بآماد طويلة، وكثرت الكتابة فيها وتفنيدها، بما يريحني من عناء تتبعه، والرد على مقالاته، وعن رسائله من أمريكا أخالفه في الصورة المشوهة والكئيبة التي رسمها للمسلمين والمراكز الإسلامية هناك؛ لأني زرت في فترات، وحاضرت في قرابة مائة من تلك المراكز التي تربو على أربعمائة منتشرة في طول أمريكا وعرضها، ومنها المركز الرئيسي في إنديانا، ووجدت هذه التجمعات نماذج إسلامية مشرفة وناجحة، ويتميز أعضاؤها والقائمون عليها بالجد والإخلاص والتفاني، ولهذا حديث آخر.

إنما الذي يدعوني للكتابة اليوم فهو ما ورد عن الشريعة الإسلامية الغراء في اللقاء الذي رتبته المصور مع الأستاذ مصطفى مرعي، ونشر بالعدد ٣٠٩٤ يوم ٢٧ يناير ٨٤ م، وسيادته من أصحاب الاختصاص في مجال القانون لا الشريعة، وهو رجل يسمع له ويقرأ،  وردًا على ما نشر عنه من مفاهيم خاصة بالشريعة الإسلامية أبدى الملاحظات الآتية:

١- في عنوان اللقاء وصدره جاء القول بأن هناك الآن ظاهرة وإلحاحًا لتطبيق الشريعة الإسلامية، سعيًا لكسب أصوات الناخبين في الانتخابات المقبلة، والحق أن المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية ليس مجرد ظاهرة عارضة لهذا السبب أو ذاك؛ إنما لأن هذا التطبيق فرض وأصل من أصول الإسلام، لا يكتمل هذا الدين الحنيف إلا به، وتلتزم به الدولة والحكومة والأفراد؛ ذلك لأن دين الإسلام جاء دينًا كاملًا شاملًا، ولا يقبل الانتقاص، فهو يشمل العقيدة والعبادة والأخلاق والتشريع والنظام والحكم والسياسة، وكل شؤون الحياة للفرد والأسرة والمجتمع والدولة والبشرية كافة، ولا يكمل إيمان المسلم إلا بالتسليم بهذه الحقيقة، بل والعمل قدر طاقته على نفاذها، ولا يقبل منه عند العجز عن ذلك بأقل من الرفض بقلبه لكل ما يتعارض مع شريعة الله، وهذه بدهيات لا خلاف عليها، ويبقى على المسلم إن داخلته ريبة في ذلك أن يدرس وينقب ويتعلم لمعرفة حقائق هذا الدين.

٢- الكلام المنشور في بعض جزئياته يحمل المعنى ونقيضه في نفس الوقت، فيقول الأستاذ مصطفى مرعي: «إن نص الدستور على أن تكون الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، لا يعني البتة إبطال ما كان موجودًا وقائمًا عندنا من قوانين قبل هذا النص؛ لأن الدستور نفسه أجاز لهذه القوانين أن تبقى إلى أن تغير، وتغييرها رهن بالظروف التي تقتضي هذا التغيير، ولا أرى أن هناك شيئًا قد استجد ليستوجب تغيير التشريعات القائمة»... وهذا الكلام يعني بوضوح إطلاق القول- بغير تحفظ أو استثناء- بأن النص الدستوري المشار إليه لا أثر له على التشريعات السابقة عليه التي يجب أن تبقى برمتها، حتى ما تعارض منها مع الشريعة الإسلامية، إلى أن تعدل عندما تقتضي ذلك ظروف أخرى جديدة، وليس نزولًا على النص الدستوري المذكور. وسيادته استند في تأييد رأيه هذا إلى ما أوردته الجمعية العمومية لمحكمة النقض في قولها: «إن مجموعة القوانين المدنية القائمة لا غبار عليها، ومن الخير أن تبقى كما هي بعد أن ألفها الناس، وإذا كان فيها ما يتعارض مع الشريعة الإسلامية فلتراجع المواضع التي يقع فيها هذا التعارض، أي أن محكمة النقض دعت بوضوح إلى وجوب تعديل ما يتعارض مع الشريعة الإسلامية من القوانين القائمة، وإعمالًا للنص الدستوري المذكور، وهو ما يناقض القول بإطلاق وجوب بقاء هذه القوانين سارية حتى تعدل عندما تجد ظروفًا تستدعي ذلك، لا نزولًا على النص الدستوري الجديد.

٣- وعن سؤال لمندوبة المصور يقول: «كان الدستور ينص على أن الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع، ثم جاء التعديل ليجعل مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي في التشريع، فما هو الفارق بين التعبيرين؟.. وما هي آثاره؟»، أجاب مصطفى مرعي بقوله: «إنه كان الخير في أن يبقى النص الأصلي السابق على التغيير» حتى يكون هناك مجال «للالتجاء إلى شرائع أخرى إذا لم نجد في الشريعة الإسلامية بغيتنا»، ثم قال: «وإنه لمفهوم أننا مقيدون على كل حال حين نستقي ما نستقيه من الشرائع الأجنبية بألا نأخذ منها ما لا يتعارض مع المبادئ الأساسية للشرع الإسلامي»... وهذه العبارة الأخيرة هي عين الصواب، لكن القول بأن عبارة الدستور الأولى قبل التعديل كانت أفضل من العبارة بعد التعديل التي قال إنها: «لا تسمح للمشرع أن يستقي شرعه إلا من نبع الشريعة الإسلامية ذاتها»، أي تغلق الباب عن الالتجاء إلى شرائع أخرى، قول محل نظر؛ لأن الشريعة الإسلامية ذاتها تفتح باب الاجتهاد لأهل الرأي والعلم، وتتيح لأولي الأمر أن يستقوا ويستنبطوا ما شاءوا من نظم وتدابير وقوانين تحقق المصالح العامة والخاصة من أي سبيل أو مصدر، بشرط ألا يكون فيها ما يتعارض أو يتجاهل المبادئ الأساسية في كتاب الله والسنة الشريفة.

٤- والكلام حول النص في الدستور على أن تكون الشريعة الإسلامية «مصدرًا رئيسيًّا»، أو «المصدر الرئيسي للتشريع»، وقيمة هذا النص وأثره، إنما هو جدال وكلام في حدود المفاهيم القانونية الوضعية التي تجعل الدستور الوضعي هو الأساس ومصدر المشروعية الأول لأي موضوع ينص عليه فيه، ومن ذلك تطبيق الشريعة الإسلامية، ولذلك يجري الكلام بإسهاب حول الفارق بين كلمتي «مصدر» و «المصدر» بال التعريف. وهذا خطأ من وجهة نظر الإسلام؛ لأن أصول الشريعة الإسلامية ومشروعيتها لم تأت من دساتير وتشريعات البشر، إنما هي من عند خالق البشر، وتطبيقها فرض على المسلمين، بمعنى أن الشريعة الإسلامية هي الأصل وصاحبة المشروعية العليا فوق كل تشريعات البشر، وليست في حاجة إلى دستور وضعي يعطيها المشروعية، بل إن هذه الدساتير هي التي في حاجة إلى المشروعية تستمدها أساسًا من أحكام الشريعة الإسلامية، ويبطل منها ومن كل القوانين ما يتعارض مع أصول هذه الشريعة، وبالتالي يكون النص الدستوري محل النقاش- والخاص بجعل الشريعة مصدر التشريع- هو مجرد نص «كاشف» لحقيقة ثابتة، وليس نصًا «مقررًا» لمبدأ جديد. وهذا هو الأصل البدهي المستمد من دين الإسلام الحنيف.

٥- قال الأستاذ مصطفى مرعي «إن هناك فارقًا كبيرًا بين الدين الإسلامي والشريعة الإسلامية... لأن ما جاء في القرآن أو السنة خاصًا بالدين الإسلامي هو من قبيل الأحكام التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان، أما ما جاء في القرآن أو الحديث من نصوص تشريعية لا علاقة لها بالدين، فهذه تتغير بتغير الزمان والمكان»، وهذا القول غير صحيح، ولم يقل أحد من أهل العلم بالإسلام أن «الدين الإسلامي» شيء و«الشريعة الإسلامية» شيء آخر؛ لأن الإسلام بمفهومه الصحيح وبكماله وشموله يشمل العقيدة والعبادة، وهي أمور بين العبد وربه، كما يشمل الشريعة أو القواعد المنظمة لعلاقات العباد ببعضهم، بل ولا يكمل دين المسلم- وتصح عقيدته وعبادته- إلا بالإيمان بهذه الشريعة واحترامها، والعمل على تطبيقها، وبالتالي لا يمكن قبول القول بأن هناك نصوصًا في القرآن والحديث «خاصة بالدين الإسلامي»، وذات حكم خاص ونصوصًا «خاصة بالشريعة الإسلامية» ذات حكم مخالف و«لا علاقة لها بالدين».

٦- ويقول الأستاذ مصطفى مرعي: «لا أستطيع أن أطبق الشريعة الإسلامية إذا أردت أن أطبق حكمًا يتفق مع العصر»... وبصراحة هذا قول يتعارض تمامًا مع المفهوم الصحيح لأحكام الشريعة الإسلامية، التي جاءت بتنسيق وترتيب بديع يحقق الغايات السامية ومصالح العباد، ومن قواعدها ما هو ثابت لا يتغير لدواعيه وحكمته، ومنها ما هو مقرر وفاتح الباب الاجتهاد وإعمال العقل، سعيًا وراء تحقيق الحاجات والمصالح المتجددة، وليس أمر الشريعة التي هي جزء من الدين مجرد قواعد جامدة مغلقة تلغي عقول الناس، وترفض اجتهاد أصحاب الرأي وولاة الأمر، وتأبى ترتيب وتحقيق المصالح بما يناسب الزمان والمكان والظروف، أو ما يسمى «العصر»، بل إن تطبيقها هو الذي يتلاءم مع كل العصور.

٧- ويقول سيادته: «ليس في القرآن أو السنة شيء يتعلق بشؤون الحكم»، والواقع يثبت عكس هذا تمامًا، فقد تواترت آيات القرآن الكريم التي تشير إلى وجوب الحكم بما أنزل الله، بل ونفي الإيمان عمن يحكم بغير ما أنزل الله، أو ينكر حكم الله، فيقول سبحانه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة: ٤٤)، ووصفهم في آيتين تاليتين بالظالمين والفاسقين، «الآيتين: 45، 47 من سورة المائدة»، وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (المائدة: ٤8)، ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾. (المائدة :49-٥٠).

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65).. ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (النساء:105)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (سورة النساء:59)، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾. (الأحزاب:36). ... وغير هذا كثير من آيات الأحكام والتشريع.

أما عن السنة الشريفة وهي المصدر الثاني للشريعة الإسلامية، فقد جاءت شارحة ومفصلة ومنفذة للقواعد والمبادئ الواردة في القرآن الكريم، ومن ذلك ما يتعلق بشؤون الحكم وتصريف مصالح الناس في دولة الإسلام الأولى التي قامت في المدينة المنورة بعد أن انتصرت الدعوة، واستقر الأمر للمسلمين، وصار لهم رقعة من الكون يعيشون عليها مع نظام وسلطة وحكم يمارسه قائدهم وحاكمهم الرسول- عليه الصلاة والسلام- ومعه من استعان بهم من رجاله، وهذه هي نفسها العناصر الأساسية لما يسمى «الدولة»، أي أرض وشعب وسلطة، ويزيد عليها من وجهة نظر الإسلام عنصر أساسي يميز الدولة الإسلامية عن غيرها، وهو «الخضوع لشرع الله وتطبيق الشريعة الإسلامية»... وما فعله الرسول في هذا يعد تشريعًا ملزمًا للمسلمين، تنفيذًا لقول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (الحشر:7)، وقوله سبحانه: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (النساء:80)، وأحاديث الرسول في شؤون الحكم كثيرة، منها: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا عليهم أحدهم»... و «يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة»، «ومن مات وليس في عنقه بيعة لإمام فقد مات ميتة جاهلية»، و «من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فميتة جاهلية»،... «ومن نزع يده من طاعة إمامه فإنه يأتي يوم القيامة ولا حجة له»،... و «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة»... وقد أرسل- عليه الصلاة والسلام- القضاة والحكام والولاة على الأمصار، وأقرهم على الاجتهاد بالرأي لتحقيق المصالح فيما لا نص فيه من الكتاب والسنة، كتوليته الصحابي معاذ بن جبل على اليمن.

«يتبع في العدد القادم»

الرابط المختصر :