العنوان العلاقة المعقدة بين البيض والسود في الولايات المتحدة
الكاتب أحمد ابو الجبين
تاريخ النشر الثلاثاء 31-أكتوبر-1995
مشاهدات 225
نشر في العدد 1173
نشر في الصفحة 27
الثلاثاء 31-أكتوبر-1995
إن من أكثر المفارقات مرارة والتي تواجه الأمريكيين في هذا القرن، هو ذلك التناقض بين هويتهم الوطنية كشعب يقدس «الحياة والحرية والعدالة»، وشخصيته العنصرية الكامنة، والتي تعود جذورها إلى عهد استرقاق السود وهاتان الصورتان المتناقضتان - صورة مجتمع الحرية والمساواة مقابل مجتمع عنصري وقهري- قد تجلت في شكل مظاهرات وأعمال شغب وقتل وكراهية وتحلل اجتماعي..
إن سعي الشعب الأمريكي نحو الازدهار، حتى قبل التوقيع على إعلان الاستقلال في عام ١٧٧٦م، قد قام على أكتاف العبيد، فالعنصرية عمومًا تعتبر جزءًا من نظرة الأمريكيين البيض نحو كل المجموعات الإثنية غير البيضاء، والسود هم أكبر ضحايا العنصرية الحقيقية في الماضي، والتي تحولت الآن إلى عبودية سيكولوجية خلال العقود الماضية، لقد تم تلقين السود باستمرار بأنهم من الفئات الدنيا، حتى أصبحوا ينظرون إلى أنفسهم بأنهم أقل من البيض من ناحية قدراتهم العقلية.. وهكذا يمكن تفسير المعضلة العنصرية - الأمريكية وتعريفها ببساطة بأنها ذات شخصية ثنائية ومزدوجة، الشخصية الأنجلو - ساكسونية البروتستانتية، التي تسعى إلى تشويه العلاقة بين المهاجرين والأنجلو - ساكسون البروتستانتيين، كما تسعى بنفس القدر إلى التقليل من إمكانات السود، وتنظر إليهم نظرة دونية أو تعتبرهم كسالى أو الاثنين معًا، وإن هذا لا يعني على أية حال بأن البيض البروتستانتيين عنصريون، وأن كل الأجانب والسود ضحايا، وقد ارتفعت للأسف نسبة العنصرية المضادة، حيث يحتقر السود البيض والأجانب «الحالة السابقة كانت بسبب الاضطهاد التاريخي، والحالة اللاحقة بسبب الاختلال الاقتصادي» وهكذا فإن سبب التوترات العنصرية يمكن أن يعزي إلى الشخصية الثنائية التي ذكرناها أنفًا.
إن العنصرية في أمريكا تأخذ أشكالًا متعددة. على مستوى القواعد الشعبية، والمثقفين، والمؤسسات، فالعنصرية ضد الأجانب تنحصر بشكل عام على ذوي الياقات الزرقاء المعزولين ثقافيًا - سودا أو بيضا- والذين يجدون صعوبة في تقبل أولئك الذين يختلفون عنهم من ناحية إثنية واجتماعية، وتختلف لغاتهم الرئيسية عن الإنجليزية، وهذه التي تقيم حقيقة بالنسبة للمؤسسات الأمريكية المهاجرين على أساس استعدادهم للتخلي عن أصولهم الوطنية، وتبني المفاهيم الأمريكية «ثقافة المسيحي الأبيض»، وهكذا على سبيل المثال، نجد كثيرا من الأمريكيين يعجبون بالآسيويين - باكستانيين، وهنود، وكوريين وصينيين - أو غيرهم من الذين يعملون بجد واجتهاد، وينصهرون في المجتمع.. ورغم أن الأحقاد ضد المهاجرين تعتبر قوة مدمرة داخل المجتمع الأمريكي، إلا أنها غير منتشرة مثل العنصرية المؤسسة ضد السود، وتبدو بشاعة العنصرية المؤسسة عندما تطل برأسها في حالة رفض المهاجرين للمفاهيم المسيحية كما أقرها مؤسسو أمريكا.. لقد كتب جيمس ماديسون الذي يعتبر المنظر الرئيسي للدستور الأمريكي يقول: «لقد أقمنا كل مؤسساتنا السياسية على قدرات الإنسان في حكم نفسه. وقدرات كل فرد وقدراتنا جميعا على حكم أنفسنا، وأن نتكاتف كما ورد في «العهد القديم» الوصايا الإلهية العشرة».
إن الهوية المسيحية لأمريكا واضحة في التركيبة الاجتماعية - السياسية وأمريكا المعاصرة، رغم ادعائها الالتزام بالعلمانية وتحقيقها لانتصار أخلاقي شامل على عالم تتنازعه الصراعات مازالت تنطلق من منطلقات مسيحية.. وهكذا، وعندما يطلب مسلم أمريكي وقتا لصلاة الجمعة، أو عطلة مدفوعة الأجر لعيدي الفطر والأضحى، أو يرغب في لبس غطاء إسلامي للرأس، فإن من المحتمل أن يواجه معارضة كبيرة، إن هذا الحاجز ضد حقوق المسلمين لا يأتي من تظلم مشروع لصاحب العمل، لكنه ينبع من الغضب والرفض لشيء لا يمت إلى المسيحية قد بدأ يحدث... ومثال آخر يشرح نفسه، وذلك عندما يجد أصحاب العمل أن عليهم أن يساوموا المهاجرين على أساس الفوارق الثقافية والدينية، وفي مثل هذه الحالة تصبح العنصرية هي «المنبع الرئيسي للقوة» وعلى سبيل المثال عندما تؤكد تفوقك على شخص يختلف عنك تصبح أكثر ثقة واعتدادًا بتصرفاتك، رغم ذلك فإن القادمين من وراء البحار إلى الدنيا الجديدة أمامهم خيار الانصهار أو التعرض للعنصرية، ورغم عدم عدالة مثل هذا القرار إلا أنه موجود هناك على الأقل، ولذلك فإن الأمريكيين السود ليس لديهم مثل ذلك الخيار.
وبالتالي أصبحت الفجوة في التعامل بين المهاجرين القادمين نحو أوروبا والزنوج الأمريكان، تتسع وتتسع عبر السنين، على الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلت لتطويق آثارها السلبية، إن الأمريكيين السود مازالوا مرتبطين عاطفيًا بماضيهم الأليم في العبودية، وسوف يشعرون باستمرار بالغربة وسط الأغلبية البيضاء وبنفس القدر نجد أن البيض بعلم وبدون علم، هم ورثة العقلية التي غرست فكرة تفوق العنصر الأنجلو - ساكسوني البروتستانتي على السود، حتى عندما هاجر أفقر الأوروبيين إلى أمريكا اكتشفوا فجأة وحسب المفاهيم الأمريكية، أنهم ليسوا الطبقات الدنيا.
ويقول توني موريسن: «إن أي مهاجر كان يعلم أنه لن يكون في قاع السلم الاجتماعي.. عندما خرجوا من المراكب، وكانت الكلمة الثانية التي تعلموها هي كلمة «NIGGER» وهي لفظة مهينة لكلمة «NEGRO» أي الزنجي، واستمر الأمر على هذا المنوال حتى عام ١٩٥٤م، عندما أعلن النظام التشريعي الأمريكي أن التفرقة أمر غير دستوري، فقد قررت المحكمة العليا في قضية براون ضد إدارة التعليم بأن المؤسسات التعليمية «المنفصلة والمتساوية» هي في واقع الأمر «غير متساوية» وهي بالتالي تعتبر مرفوضة.
ورغم أن المطالبين بإلغاء العبودية، كانوا دائما يستنكرون اضطهاد البيض للسود، فإن أمريكا البيضاء عموما كانت تاريخيا ترفض التطوير الاجتماعي والاقتصادي للسود، ويدحض قلة من المؤرخين حقيقة أن معارضة إبراهام لينكولن للعبودية لعبت دورًا في الحرب الأهلية الأمريكية، في عام ١٨٦٥م، وعلى الرغم من الخطب والبيانات التي أطلقها كثيرون من البيض فإن «عقلية الاسترقاق» قد بقيت وحتى بعد التصديق على إعلان التحرير في أول يناير ١٨٦٣، والذي أعلن أن العبيد المتمردين يعتبرون أحرارًا، فإن السود كانوا يعاملون بدونية، وعلى أنهم معطلون فكريًا، لذلك فإن الأمريكيين السود قد تحملوا تبعات التفرقة العنصرية، وتراوح رد فعلهم بين الخضوع والعنف العنصري المضاد، وصارت المعارضة ضد هذه التفرقة أكثر تنظيمًا في شكل حركة الحقوق المدنية، والتي برزت في الخمسينيات والستينيات «رغم ظهور منظمات مثل المنظمة الوطنية لتطوير الملونين«NAACP» والتي تأسست في عام ١٩٠٩م وقبل وقت طويل»، وهذا الاتجاه الذي أخذ يستقطب التيار العام أكثر من التأييد الهامشي، اتخذ أشكالًا متعددة، وكان أكثرها شهرة «الفهود السود» «Black Panthers». والذين لجئوا إلى المواجهة المسلحة ضد المؤسسة البيضاء، وأمة الإسلام Nation of Islam»» والتي كانت تدعو عند نشأتها إلى أن البيض شياطين، وأن السود هم الأخيار، وسعى «مارتن لوثر كينج» للبحث عن المساواة بالوسائل السلمية، كل هذه الحركات عملت على تثبيت شخصية الأسود واعتداده بنفسه، وسعيه لتطوير نفسه اجتماعيًا واقتصاديًا، فالفهود السوداء اعتبرت بأنها مغالية في التطرف حتى من قبل السود، واستطاعت أن تحدث بعض الزخم ثم توارت بعد أن اخترقها الفساد وفقدت شرعيتها وقيادتها، أما «أمة الإسلام» تحت قيادة أليجا محمد «المؤسس»، وقوة شخصية مالكولم إكس فقد وجدت شعبية منقطعة النظير من داخل مجتمعات الأمريكيين السود، وقد خلقت البنية المتطرفة والمؤسسة للمنظمة لدى السود شعورًا بالأنفة والكبرياء، فقلبوا الطاولة على غطرسة الرجل الأبيض واستبداده، إن أولئك الذين تحولوا إلى منظمة أمة الإسلام، كانوا في الأساس معارضين لفكرة أدر خدك الآخر المسيحية، إن حقيقة أن كثيرين أعضاء واتباع «أمة الإسلام» كانوا لا يعرفون أن العبادات الإسلامية، توضح هذه النقطة، وأن «سبايك لي الذي أخرج فيلم مالكولم إكس يقول: «إن المسيحية قد استعملت حقيقة لخديعة السود ولجعلهم مسالمين، إن الدين قد أعطانا الروح والعزيمة على الاستمرار قدما عندما كان علينا أن نقوم بمهمة لقيط القطن، وأن نصمد لتلك السياط أثناء العبودية انظر إلى كل أولئك العظماء عندما يخرجون من الكنيسة مارتن لوثر كينج، وجيسي جاكسون ومالكولم إكس ولويس فرخان.. أمة الإسلام، لقد حصلت على ما كانت ترجوه الآن».
إن النظام الأمريكي في توزيع المساعدات المالية للمواطنين الذين ليس لهم عمل من كل الأجناس إضافة إلى المصاعب التي تواجه السود في سعيهم للانخراط في العمل مما يجعلهم أكبر شرائح المجتمع المعتمدة على نظام المساعدات قد خلقت جوًا مشحونا بالتوتر، وقابلًا للانفجار أحيانًا، ولذلك فإن الضرائب نظام العون الاجتماعي يضع أيضًا ضغوطًا على الباقين من دافعي الضرائب وأكثريتهم من البيض الذين يميلون إلى الاعتقاد بأن السود يعتمدون على المساعدات لأنهم كُسالى، ونتيجة لذلك وحسب رأي أنتوني هاكر، وهو خبير في شؤون الأمريكيين السود لم يعد هناك أمريكيون كثيرون يتعاطفون مع سليمي البنية البدنية من الشباب الذين يعيشون عالة على الأموال العامة، مع حقيقة أن معظم الذين يعيشون على العون الاجتماعي من السود أو الهنود الحمر والأقليات من أصول لاتينية وأسيوية، قد جعلوا بدون شك نظام العون الاجتماعي للقادرين على العمل، ومع ذلك فإن عدد السود كبير مثل عدد البيض الذين يتلقون العون الاجتماعي، وقادرون على العمل أيضًا إن الرغبة في العمل موجودة ولكن بين السود فإن النضال من أجل الحصول على المساواة العرقية يظل تجربة قاسية.
إن كثيرين من السود اقتنعوا بأنه مهما حاولوا فإن النجاح أصبح مستحيلًا، أو على الأقل مازال بعيدًا وصعبًا، ولا يستحق ذلك الجهد، وبالإضافة إلى هذا الإحباط يقول هاكر: هناك حقيقة «أن أكثر مما نرجوه ونتوقعه، فإن المفهوم السائد بين المتعلمين والمحترمين البيض هو أن على السود أن يقبلوا البدء من نقطة البداية من القاع، وأن يحققوا على الأقل قفزات مقبولة على السلالم الوظيفية» وكما يوضح الجدول، فإن معظم الوظائف التخصيصية مغلقة أمام السود الذين يتم استخدامهم في الوظائف العمالية الوضيعة ويتوقع دائما أن يبدي السود صبرًا أكبر من البيض في التطور الوظيفي، وفي قبول أجور أقل، لذلك فإنهم يرون أنهم برفضهم لتوقعات المجتمع الذي يهيمن عليه البيض يكونون أكثر تأثيرًا في جلب الاحترام لأنفسهم، ويناقش ريتشارد ماجورز، وجانيت بيلسون في كتابهما «وضع جامد» معضلات الرجل الأسود ويقولان «أن تكون رجلًا وأسود، يعني أنك محكوم عليك بعدم الجدوى والفاعلية في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية» هكذا فإن الرجال السود يتصرفون إزاء عدم المساواة العنصرية باتخاذ موقف حاد للتعبير عن القوة والعنف وحالة الانفصال وأسلوبهم المميز.. كطريقة للاستمرار والبقاء في مجتمع مليء بالقيود».
إن عملية التحرر من أسار الماضي وسط الشباب من السود في أعماق المدن قد أخذت شكل العنف وحلقات الإجرام، ويرى كثير من السود أن هناك مؤامرة من البيض لتقويض جهودهم من أجل التطور، ويأخذون بتلك النظرية أحيانًا ويذهبون بها مذهبا متطرفًا لا يستند إلى قاعدة، لذلك يخزنون غضبهم على العنصرية سواء كانت حقيقية أم خيالية ويسمحون له بأن يترعرع وينمو إلى أن ينفجر في النهاية، إن الاضطرابات التي شهدتها مدينة لوس أنجلوس، وشيكاغو عام ١٩٩٣م، لم تكن بدون سابق إنذار، رغم أنها أصابت المجتمع الأبيض بصدمة، إن ارتباك البيض إزاء تلك الاضطرابات يعزز اعتقاد السود بأن أمريكا البيضاء تختار عدم التطرق إلى معاناة السود.
إن العنصرية تعتبر جزءًا لا يتجزأ من الثقافة الأمريكية وستظل كذلك والتحدي هو في تهميشها وتقليل أثرها بالاستثمار في مجال التعليم والإصلاح الاجتماعي، والبرامج الاقتصادية التي تهدف إلى رفع الغبن والفقر عن كاهل الفقراء في المدن الداخلية.
إن المعضلة الأمريكية فيما يتعلق بالعنصرية، تحتاج إلى أكثر من تحركات فردية من قبل الحكومة التي يهيمن عليها البيض.
إن المجتمع الأمريكي يحتاج إلى تعاون أكبر بين الزعماء البيض والسود والمهاجرين، وكبار المسؤولين ومن ناحية مثالية فإن كل هذه المجموعات يمكن أن تنجح إن هي اتبعت قول إليكس هيلي «ابحث عن الخير وأمدحه» بدلًا من البحث عن الشر، وما لم تبذل جهود صادقة، وتتخذ خطوات جريئة لتحقيق المساواة الاجتماعية والعنصرية - وقد تبدو مثالية - فإن سياسة الوضع الراهن قد تقود إلى المزيد من الإخلال في التركيبة الاجتماعية، وقد ينتهي الأمر بانفجار الأوضاع وحدوث اضطرابات عرقية تخلف نتائج غير متوقعة في العقود القادمة، إن أمريكا البيضاء كانت تعيش في حالة اقتناع ذاتي بأن الأمور تسير بصورة طبيعية خلال العشرين سنة الماضية، وسوف تواجه بصدمة كبيرة توقظها من نومها عندما يقوم السود بحملات عدائية ضخمة ضد الظلم الاجتماعي، وعندما يجيئ ذلك الوقت ستبدو أحداث لوس انجلوس نوعا من الخلاف البسيط مقارنة بالتخريب والتدمير الذي سيحدث.
إن المسيرة المليونية للرجل الأسود – فقط- تأتي كتذكير الإمكانيات الحشد والتعبئة التي يمكن تحقيقها إذا ما ارتفعت الأصوات مناديه «الأمة السوداء» لأخذ حقها في المساواة والعدالة بالعنوة والقوة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل