العنوان العلاقة المشبوهة بين الهامبورجر والسرطان والتغريب
الكاتب وسام فؤاد
تاريخ النشر السبت 06-سبتمبر-2003
مشاهدات 69
نشر في العدد 1567
نشر في الصفحة 21
السبت 06-سبتمبر-2003
لا شك في أن تناول الوجبات السريعة من الأمور التي استحدثت في النظام الغذائي العربي، ضمن حمى «الأمركة» التي أصابت العالم بعد انهيار المعسكر الملحد، وبالرغم من أن الثقافة الأمريكية تدعي أنها ثقافة الرشاقة والعملية والجسد الوظيفي الذي يتسم بالنحافة والرشاقة والقوة بسبب ركام المكملات الغذائية الدوائية التي أفرطت الحضارة الأمريكية في إنتاجها بالرغم من هذا فإن هذه الوجبات تحوي معدلات عالية من السعرات الحرارية وخاوية من المواد المغذية ومن أكثر هذه الوجبات السريعة انتشارا وجبة الهامبورجر التي انتشرت بشكل كبير، وتعددت أشكالها وتشكلت شركات كبيرة تتخصص في إنتاجها.
وقبل أن تتحدث عن نتائج تناول الوجبات السريعة بشكل عام، نود أن نحيط القارئ علما بمكونات الهامبورجر على النحو التالي:
«خدود البقر والأمعاء، والقلب، وقليل من اللحم الخالص، ومواد ملونة ومنكهة وحافظة» وتلعب المواد المنكهة دورًا مهـمًا في إعطاء الطعم الرائع للهامبورجر.
تلك هي مكونات هذه الوجبات التي تعبأ بها أجسادنا ليل نهار في المجتمعات العربية، وما أود طرحه هنا هو أن هذه الحالة تمثل أحد مظاهر التغريب التي غزت أمتنا، والتي أفقدتنا حس التماسك الاجتماعي، والدفء الأسري.
القضية مرة ثانية أن التغريب ليس فقط ابتعاد عن شرع الله بصورة مباشرة، بل ابتعاد عنه بصورة غير مباشرة، ونرى أن الصورة غير المباشرة هي الأخطر كيف؟!
التغريب ابتعاد عن الشرع بصورة مباشرة لأنه نوع من الالتجاء المنتجات الحضارية للآخرين سواء أكانت قوانين وضعية من إفراز مجتمعاتهم البعيدة عن الرسالة السماوية وهديها، أو نظم اجتماعية نشأت لتلبي حاجات اجتماعية وسياسية ظهرت في تاريخهم هم وحياتهم هم لا حياتنا نحن أو منظومات غذائية «كالهامبورجر» نشأت بسبب تهافتها على الحياة الدنيا.
ولا تستغرب أخي الكريم عندما تقرأ هذا الهامبورجر برغم كونه طعامًا يمكن صناعته في أي بلد، ويمكن لأي إنسان أن يأكله، إلا أنه جزء من المنظومة الثقافية الغربية التي نشأ فيها فهل هناك علاقة بين الثقافة الغربية إذا وبين الهامبورجر وغيره من مأكولات ال «تيك أوي»؟!!
لقد نشأت ثقافة ال «تيك أوي»، هذه لتلبي حاجة اجتماعية طارئة على المجتمع الغربي الذي تهيمن فيه المادة لدرجة أن من لا يلتزم فيه بمواعيد الطعام يمكن أن تضيع عليه أجرة عمله في ذلك اليوم، ومن لا يلتزم بالمواعيد عمومًا، فإن هذا يؤدي لتعقيد حياته وإصابتها بـ الركود والشلل لا شك في أن هذا النظام والالتزام بالمواعيد من الآداب الحميدة التي حث عليها الإسلام وأمرنا بها باعتبارها ضمن الوفاء بالعهود لكن إن كنا نحن المسلمين ننظر إليها هكذا، فإن المجتمعات الغربية لم تعتبرها أدبًا في الحياة، بل عيبا أخلاقيا وأسهمت ضغوط الحياة المادية في الغرب في إنتاج ثقافة المنيك أوي لتساعد الناس على انتهاء الوقت واستغلاله وبدلًا من قيام الرجل بتناول الإفطار والغداء والعشاء في بيته، وسط أهله، بين أمه وأبيه، أو مع زوجه، أو وسط بنيه، صار يزدرد أي طعام يحصل عليه من الطريق أو من أي مكان.
وقد انتقلت هذه الظاهرة خلال الفترة الاستعمارية، وقبل ذلك كان المسافر أو الغائب يأخذ زاده من بيته من صنع أهله أمه، أو أخته، أو زوجه، أو ابنته.
انتقلت إلينا هذه الثقافة الـ «تيك أوي» لتصيبنا بنوعين من الأضرار الثقافية والبدنية.
أما الضرر الأول، فإن ثقافة ال «تيك أوي»، هذه قد أدت إلى تقليص الفترة التي يجلس فيها الآباء مع الأبناء لقد كان الأب قديمًا يتناول فطوره بالمنزل مع أهل بيته إلا من يبيت في العمل أو المسافر، وكان البيت يرسل لمن بالخارج طعامه وكان الأب في منتصف النهار يعود إلى بيته متبعا إياه بتناول وجبة الغداء مع أهله، ثم تكون وجبة المساء التي تكاد تجمع الجميع في دفة عائلي تفتقده هذه الأيام، ولعلك أخي القارئ تلاحظ أن مواعيد هذه الوجبات ارتبطت بمواقيت الصلاة، حتى إن لفظ وجبة العشاء لفظ مجانس للفظ صلاة العشاء، وخلال هذه الجلسات كان الأهل يتواصلون وينقلون القيم الاجتماعية التي يريد المجتمع الحفاظ عليها، فيسمع الأب أو الأم المشكلات ويوجهونها، ثم يسمعون الاعتراضات ويردون عليها، ثم يعرفون موطن الخلل الذي لم تعالجه الجلسة يسعون لزيادة مساحة الوقت المخصص لعلاجه.
أما اليوم، والسهر الطويل أمام أجهزة التلفزة يعقبه نوم حتى الظهيرة يعقبه صحو متعجل بغرض الذهاب لأي مكان، والفطور يكون: ««تيك أوي»» ويكون المحظوظ من عملت له أمه هذا ال «تيك أوي»، بيديها، فلا يزال محملا بمحبتها وحنانها، ونفسها، صناعة الغذاء المفيد أولًا واللذيذ ثانيًا، بينما يكون الأب قد ذهب للعمل، وربما قام متأخرًا فذهب للعمل رافضًا أن يحمل طعامه في يده، معتمدًا على أن السوق به «تيك أوي»، وتتناول الأم إفطارها وحيدة شاعرة بالعزلة، هذا إذا كانت ربة منزل وفي الغداء فإن الأب قد يأتي مبكرًا لتناول الغداء أو لا يأتي لانشغاله والابن يكون مع الرفاق أو في المدرسة يلهو أو في النادي، أو يحضر للبيت من دون التزام بموعد يجمع الأسرة كلها معًا، وفي المساء تجد الأولاد خارج البيت يتناولون طعام ال «تيك أوي»، بينما الأم والأب في المنزل وحدهما، إن جمعهما عشاء.
هكذا ضاعت من بيوتنا قيمتان غاليتان؛ أولاهما: انفض الارتباط بين مواعيد الصلاة ومواعيد الطعام، وثانيهما: انفرط عقد جلسة تجمع الأسرة ثلاث مرات يوميا، تلك هي عواقب ثقافة ال «تيك أوي»، ونسميها العواقب الثقافية.
وهناك نمط آخر من العواقب الوخيمة لكنها ذات طابع صحي هذه المرة، ففي دراسة أجريت في الولايات المتحدة عن علاقة الهامبورجر بالسرطان وجد الباحثون أن من بين ٣٥ ألف سيدة تراوحت أعمارهن بين ٥٥ و٦٩ عامًا يتناولن الهامبورجر أكثر من مرة في الأسبوع زادت أخطار الإصابة لديهن بأحد الأورام السرطانية بالجهاز الليمفاوي، وهو سرطان يصيب جهاز المناعة بمقدار الضعف مقارنة مع أولئك السيدات اللاتي يتناولن الهامبورجر بأقل من مرة في الأسبوع.
والجدير بالذكر أن اللحوم الحمراء بشكل عام تزيد من أخطار الإصابة، ولكن الهامبورجر يعد الأسوأ ويقول الأطباء إنه لم تعرف العلاقة بين تناول الهامبورجر والسرطانات، ولكن البحوث قد ربطت بين تناول اللحوم الحمراء وأخطار الإصابة بسرطان الثدي والقولون والبروستاتا وأمراض القلب.
فقط أريد من القارئ أن يعرف كيف صار ال «تيك أوي» وعلى رأسه الهامبورجر أداة من أدوات معاداة الهوية.