العنوان العلاقات الأمريكية الإسرائيلية: أضواء على زيارة بيريز الأخيرة إلى واشنطن
الكاتب د. أحمد يوسف
تاريخ النشر الثلاثاء 14-مايو-1996
مشاهدات 57
نشر في العدد 1199
نشر في الصفحة 41
الثلاثاء 14-مايو-1996
• العلاقات الأمريكية - الإسرائيلية: قيم وإستراتيجيات مشتركة!!
وصفت العلاقة التي تربط الولايات المتحدة بإسرائيل بأنها «علاقة فريدة»، حينًا وبأنها قيمة استراتيجية، حينًا آخر، ثم تأتي تصريحات الرئيس الأمريكي بيل كلينتون الأسبوع الماضي لتحدد خطوط هذه العلاقة بأنها تقوم «على أساس قيم مشتركة وإستراتيجيات مشتركة»!!
وفي الحقيقة فإنه من الصعب علينا أن نجد وصفًا مناسبًا لتلك العلاقة، والتي هي حقًا علاقة غير مسبوقة في التاريخ السياسي المعاصر، من حيث ترابطاتها الأيديولوجية في التحالفات الاستعمارية التي ظهرت مع بدايات نشأة الدولة القطرية في القرن السابع عشر الميلادي.. ولقد دفع هذا الغموض الكثير من الكتاب والباحثين إلى إطلاق أحكام على هذه العلاقة لا يمكن أن تكون هناك أحكام أشد تناقضًا منها، فهناك من يصفها بأنها علاقة سيطرة تمارسها الصهيونية على الولايات المتحدة من خلال مؤسساتها المالية والاقتصادية والثقافية وأنشطتها السياسية خلال الحملات الانتخابية، وهناك من يصف إسرائيل بأنها مجرد أداة من أدوات الإمبريالية الغربية.
ويرجع سبب التناقض والحيرة في غموض تلك العلاقة إلى عدم انطباق مواصفات العلاقات المعروفة بين الدول على العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل.. وإذا كان لنا أن نتفهم غموض تلك العلاقة إبان فترة الحرب الباردة، فإن الأمر الآن بات جليًا بعدما انحصرت مجالات الرؤية وتحدد طبيعة تلك العلاقة بأنها «علاقة سيطرة تمارسها الصهيونية على الولايات المتحدة»... وقد تجلت مظاهر هذه السيطرة والابتزاز في عهد إدارة الرئيس بيل كلينتون، والتي أشارت إليها صحيفة «الواشنطن بوست» في مطلع الشهر الحالي بأن الرئيس كلينتون هو أكثر حليف موال الإسرائيل، أو على حد تعبير الصحفي مارك بروزنسكي: «إن كلينتون هو مجرد العوبة بيد اللوبي الصهيوني» «برنامج حقائق «حقائق الشرق الأوسط» 15 أبريل 1996م».
عندما انتهى شيمون بيريز من توقيع اتفاق «التفاهم - الكاتيوشا» مع حزب الله، هرع إلى واشنطن للتأكد من أن الإدارة الأمريكية ستقوم بالوفاء بالتزاماتها السياسية والإعلامية والمالية تجاه إسرائيل، وترميم كل ما أتلفته عملياتها العسكرية الهمجية تجاه المدنيين في لبنان، وخاصة بعد الضجة الإعلامية التي صاحبت مجزرة قانا وحملة الاستنكار العالمي لعمليات التهجير والقصف العشوائي للمرافق السكنية والبني الاقتصادية في المناطق اللبنانية المختلفة.
وقد تناولت وسائل الإعلام الأمريكية والأوروبية المختلفة تحليل أهداف زيارة بيريز، في ظل المعطيات والمتطلبات التي تمر بها كل من السياسة الأمريكية والإسرائيلية على حد سواء.. ويمكن إجمال هذه الأهداف في النقاط التالية:
أولًا: التأكيد على أن المساعدات الأمريكية لإسرائيل لن تتضرر بسبب السياسات التي اتخذها الكونجرس بتقليص المساعدات الخارجية، والتخفف من تعهدات أمريكا المالية للدول الأجنبية.. وقد جاء توقيت الزيارة متزامنًا مع موعد توزيع هذه المساعدات، وقد ضمنت إسرائيل بأن حصتها 30 بليون دولار لن ينتقص منها قلامة ظفر بالرغم من التقليص الكبير الحاصل وتضاؤل الحماس لبرامج المساعدات الخارجية للدول الأجنبية.
وقد أثار التصديق على منح إسرائيل هذا الدعم السخي تساؤلات استغراب المحللين السياسيين في واشنطن، والذين كانوا يعتقدون بأن «الدعم الهائل لإسرائيل هو بسبب قوة ونفوذ الديمقراطيين المتصهينين» بالكونجرس، ولكن أن يأتي هذا الدعم وبهذا الشكل، وفي هذا الوقت الذي يتمتع فيه «الجمهوريون» بالأغلبية في داخل أروقة الكونجرس، فهذا هو الاستغراب والعجب!! «واشنطن تايمز / 1 مايو 1996م».
لا شك أن هذا الموقف يطرح الكثير من الأسئلة حول الدور الذي يلعبه اللوبي الصهيوني في التأثير على صانعي السياسة الأمريكية بغض النظر عن انتماءاتهم الحزبية.
ولست أدري إذا ما كانت أقوال زعيم الأغلبية الجمهورية بمجلس النواب «ديك أرمي» في مؤتمر «إيباك» الأخير تعني شيئًا لنا كعرب ومسلمين عندما يشير إلى «أن أمريكا وإسرائيل تتشاركان في نفس الأهداف وتواجهان نفس الأعداء» !!.
ثانيًا: توقيع اتفاق تعزيز برنامج الصواريخ الدفاعية مع وزير الدفاع الأمريكي وليم بيري والذي أشار إليه الرئيس كلينتون بأنه «سيمنح إسرائيل ليس فقط التفوق العسكري الذي تحتاج إليه، ولكنه سيمكنها من أن تكون قادرة على التصدي لأخطار الغد وستحصل إسرائيل بموجب هذا الاتفاق على مبلغ 200 مليون دولار التطوير برنامج صواريخ «أرو»»، إضافة إلى التزامات أخرى أشار إليها الرئيس كلينتون في خطابه الأخير أمام اللجنة الأمريكية - الإسرائيلية للشؤون العامة المعروفة باسم «إيباك» أو اللوبي الصهيوني في واشنطن، حيث قال: «إننا نتعهد أيضًا زيادة العمل على تطوير نظام «نوتيلوس» الذي يعمل بأشعة الليزر، والذي يدمر صواريخ الكاتيوشا وهي في الجو، كما أن سلاحي الطيران لدينا يعملان معًا لكي يتم تسليم إسرائيل أولى طائرات «A 15 - F» في العام المقبل وفق البرنامج المقرر. وقد وفرنا لإسرائيل كذلك نظام صواريخ «أرام»، وهي أكثر أنظمة صواريخ جو - جو تطورًا لدينا، لكي تبقى قوة إسرائيل الجوية لا تضاهى بالمنطقة.. وإن تعاوننا الاستراتيجي يزيد اليوم عنه في أي وقت مضى، نحن نواصل المساعدة في بناء قدرة إسرائيل في مجال التكنولوجيا المتطورة نحو طريق بيعها أجهزة كمبيوتر متطورة جدًا.. كما أننا نزيد تعاوننا في مجال الفضاء، كما أننا نعد لتدريب ملاحين فضائيين إسرائيليين»!!.
ثالثًا: توقيع اتفاق مكافحة الإرهاب والخاص بالطبع بتحجيم قدرات حركة حماس العسكرية ضد الاحتلال الإسرائيلي، وقد رصدت إدارة الرئيس كلينتون لذلك مبلغ 100 مليون دولار «لتطوير تكنولوجيات جديدة وتحسين الاتصالات والتنسيق» وقد تسلمت إسرائيل بزيارة بيريز تلك القسط الأول من المبلغ وقدره 50 مليون دولار.
رابعًا: تنشيط الأجهزة الأمريكية السياسية والإعلامية لإعادة «أنسنة»، الوجه الوحشي «اللاإنساني» لإسرائيل، والذي عرته همجية قصفها العشوائي المتعمدة للأحياء السكنية والمرافق الاقتصادية في قرى الجنوب اللبناني وضواحي العاصمة بيروت، وقد جاءت اللقاءات التي أجراها بيريز خلال زيارته لواشنطن مع العديد من الصحف والمجلات، ومحطات التلفزة الأمريكية والأجنبية توجهًا في هذا الإطار، حيث حاول أن يسترد مصداقيته كرجل سلام والتي اهتزت بشكل كبير بعد مجازره الوحشية في قانا والنبطية، والتي جعلت من تطلعاته إلى شرق أوسط جديد، مجرد نكتة سخيفة على حد تعبير الصحفي الإسرائيلي حاييم برعام «ميدل آيست إنترناشيونال - 26 أبريل 1996م».
خامسًا: تلميع وجه بيريز الانتخابي وضمان دعم الجالية اليهودية في الولايات المتحدة لحزبه سياسيًا وماليًا.. وقد أجمعت العديد من الصحف الإسرائيلية والأمريكية على أن الهدف من الزيارة في هذا الشهر بالذات إنما هي ورقة انتخابية أو فرصة لالتقاط صور مع الرئيس كلينتون قبل الانتخابات التلميع رصيده السياسي داخل الولايات المتحدة وإسرائيل والذي تأثر كثيرًا بعد العمليات الاستشهادية لحركتي حماس والجهاد الإسلامي في القدس وتل أبيب.
وقد ركزت وسائل الإعلام على نقل تصريحات بنيامين نتنياهو -زعيم تكتل الليكود- والذي لا يرى فيها أكثر من رحلة لتحسين صورته المهتزة أمام الناخب الإسرائيلي، وخاصة بعدما أظهرت استفتاءات الرأي العام التي جرت بعد العمليات «الاستشهادية» تراجع نسبة بيريز إلى 47 % «جيروزليم بوست - 25 إبريل 1996م».
هذا.. وقد أشارت أوساط إسرائيلية أخرى بأن العمليات العسكرية كلها من حيث التوقيت والزخم «إنما هي مسألة لا تتجاوز كونها كرنفال انتخابي» «الإيكونيميست - 20 أبريل 1996م».
كلينتون وسياسة شيلني وأشيلك:
لا شك أن لهذه الزيارة أيضًا أهدافًا ودوافع في حسابات إدارة الرئيس بيل كلينتون الانتخابية وتأتي في إطار سياسة التأثير على اتجاهات الناخب اليهودي ودعمه للحزب الديمقراطي ومرشحه الرئاسي بيل كلينتون.
إن الرئيس كلينتون ينتظر بدوره أن يرد له اللوبي الصهيوني أكبر ممول انتخابي الجميل بدعم حملته الانتخابية، وتوجيه وسائل الإعلام الصهيونية داخل الولايات المتحدة لتجميل إنجازاته السياسية بما يكفل نجاحه في شهر نوفمبر القادم.
إن صوت الناخب اليهودي هو الورقة القوية التي تتحدد معها اتجاهات السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل ومنظومة الدول الشرق أوسطية، وطالما ظل هذا الصوت مواليًا لإسرائيل فلا ينتظر رؤية مواقف أمريكية عادلة تجاه قضايا المنطقة سواء جاء الجمهوريون أو بقي الديمقراطيون في الحكم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل