العنوان العقيدة المكافحة بين لؤم الأعداء وصمت الأصدقاء
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-نوفمبر-1973
مشاهدات 15
نشر في العدد 175
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 13-نوفمبر-1973
في فلسطين، قالوا إن الشيخ المجاهد عز الدين القسام
قد استحيا أن يعلم دروس الجهاد وهو قاعد، بل كان قدوة للمجاهدين في ساحات النزال
كما كان قدوة لهم ومعلمًا في حلقات الدرس والتحصيل، ولما ضيق المستعمرون عليه
الحصار في أحد المواقع حث فدائييه على الصبر والثبات فإما النصر وإما الشهادة،
فاستشهدوا جميعًا بعد أن قادوا الثورة الفلسطينية فترة من الزمن أشعلوا إبانها
أوار الكفاح لاستخلاص الأرض المباركة من أوباش المستعمرين وإخوان القردة
والخنازير، ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، فالعرب المسلمون - هم عن فلسطين
والقسام ومجاهديه - في شغل شاغل، فمنهم من كان جل همه أن يعتلي كرسيًا أو يقود
انقلابًا أو يخطط لبناء حزب أو يعمل لتنحية الإسلام عن أرضه، فسقط القسام وصحبه
الكرام في ساحة الجهاد يضربون أروع الأمثال لعيشة الأحرار، وبذلك خط بدمه وفكره
تجربة ثورية أساسها العقيدة الصادقة وبنيانها التضحية الغالية.
ولما اندلعت الحرب عام 1948 في فلسطين قاطبة
واشتعلت من الداخل، تحركت الجيوش العربية لمهاجمة العدو فكانت أعجز من أن تزحزحه
عن مواقع أقدامه لظروف أصبحت يعرفها القاصي والداني، وانطلق المجاهدون يتوافدون من
مصر والأردن والعراق ليواصلوا المسير في طريق القسام وصحبه ورغم العراقيل
والمطاردة لهم من الأعداء والأصدقاء استطاعوا أن يسطروا أيضًا صفحات في تاريخ
العقيدة المكافحة لن تنسى، واستكمل الأعداء والعملاء فصول مأساة شعب فلسطين وانداح
الأبرياء من أبناء الشعب الفلسطيني المسلم في كل فج تتنابشهم وحوش الفقر والمرض
واللجوء والحرمان وما زال الحال كهيئته عام 1948 بل أشد ظلمة، العدو يلعب ويمرح
ويقتل ويظلم ويذل والمسلمون يحيطون به إحاطة السوار بالمعصم، ولكن لا حياة لمن
تنادي، فالجسد المترهل الكسول بحاجة إلى من يشده وينشطه عملاقًا جسورًا، يزلزل
الأرض من تحت أقدام أعدائه، ويتخطف أرواحهم في كل مكان وزمان، والجسد لا يقوى إلا
بقوة الروح الخلاقة الوثابة التي تسمو على حطام الدنيا ومتاعها وتنطلق من قيودها،
فلا تقيم على ذل، ولا ترضى بعبودية إلا لله، هذه الروح قوامها العقيدة الصافية
صفاء عين الديك، الراسخة رسوخ الشمم العوالي، إنها لا تعرف الخور والوهن، ولكن
سماتها الكفاح والصبر على اللأواء.
في مينداناو: ما الذي جعل الثوار المسلمين ينطلقون
من عقدة الخوف من كثرة العدد والعدة لجيش الصليبي الحاقد ماركوس؟ ما الذي جعلهم
يقدمون الضحايا والشهداء قافلة قافلة؟ ما الذي جعلهم يعشقون عيش الجبال والوديان؟
إنها العقيدة التي تأبى لصاحبها الانحناء إلا لله، وتجعله يقبل على الموت كما يقبل
الآخرون على الحياة. ولشد ما يدهشنا أن نسمع في الصحف أنهم يقاتلون ببسالة تفوق
بسالة الفيتكونغ وصدق الله تعالى في قوله: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ
يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾
(الأنفال: 65).
كذلك هناك في تايلاند مثال آخر مكافح صابر زادة
العقيدة وأمنيته الشهادة إنهم المسلمون الثائرون ضد المتعصبين الحاقدين على
الإسلام وأهله، كل يوم يقتلون ويُقتلون ويألمون ويؤلمون، ولكنهم يرجون من الله ما
لا يرجو غيرهم.
إنها العقيدة التي تتمرد على القهر والظلم
والاستعباد ولا يتجه أهلها إلا لله يوم يتألب عليهم الأعداء ولا يتحرك لمساعدتهم
الأصدقاء، هذه الأحداث المتواكبة والطلائع المكافحة لها قدوة تقتدي بها وتهتدي
بهديها من الذين سبقوهم بالإيمان، من المؤمنين البررة، ونورد على سبيل المثال صورة
مشرقة من صور العقيدة التي تخلق العجائب جرت أحداثها في عهد الرسول صلوات الله
وسلامه عليه في أرض الجزيرة العربية.
«مما يذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد
هدنة الحديبية مع قريش، وكان من شروط الهدنة، هو أن محمدًا صلى الله عليه وسلم
يسلم إلى قريش من يلجأ من مسلمي مكة إلى محمد بغير إذن وليه، ولا يطلب من لجأ إلى
قريش من أتباعه»، ولما فرغ من الجدل مع مفوض قريش سهيل بن عمرو، ولم يكتب العقد
ولم يمض جاءهم أبو جندل مستصرخًا يرسف في قيوده، وأبو جندل هذا ابن سهيل بن عمرو
وكان قد أسلم وانفلت من المشركين فقام له سهيل وأخذه من تلابيبه وقال: يا محمد قد
لجت القضية بيني وبينك «أي فرغت من المناقشة» قبل أن يأتيك هذا. فقال الرسول عليه
السلام: «صدقت»، وأبو جندل يصرخ: يا معشر المسلمين أأرد إلى المشركين يفتنونني في
ديني، والرسول يدعوه للصبر عسى أن يجعل الله له مخرجًا ويعود الرسول إلى المدينة
ويأتي أبو بصير عتبة بن أسيد من مكة مسلمًا فتبعت قريش رجلين إلى الرسول عليه
السلام ليردوه، ويذكروا الرسول بذلك الشرط، فيرده الرسول معهما، وبينما كانوا
سائرين يحتال أبو بصير فيأخذ سلاح أحدهما ويقتله، ويفر الآخر إلى الرسول ويدخل
عليه المسجد فيقول عليه السلام «لقد رأى هذا ذعرًا» ويخبره بما جرى من أبي بصير
ويعود أبو بصير إلى الرسول ويقول له: لقد أسلمتني إليهم وأفلت منهم، فأوفيت بشرطك
لهم فيقول الرسول عليه السلام «ويل أمه مسعر حرب لو كان معه رجال» ويفهم أبو بصير
أن لا مقام له في مكة أو المدينة فيتجه إلى ساحل البحر ويرابط عند مكان يسمى العيص
معلنًا الكفاح على المشركين الذين يريدون عقيدته، ويتسامع المسلمون في مكة بمقالة
الرسول عليه «ويل أمه مسعر حرب لو كان معه رجال» ويلحق به أبو جندل ورجال من مكة
أسلموا ويتكاثر العدد حتى بلغ سبعين ثائرًا - فكانوا قوة تقطع طريق قوافل قريش
المشركة الباغية، وتقتل من تلاقيه من مشركيهم وتغنم ما معهم، حتى بلغ بهم الأمر أن
يصادروا قافلة لقريش فيها أبو العاص بن الربيع صهر رسول الله لابنته زينب ولم تسلم
إلا بإجارة الرسول عليه السلام فأربك قريشًا وضيق عليهم الخناق، فاضطرت أن تبعث
للرسول بأن يضمه وصحبه إليه ملغية شرطها في الحديبية أمام إصرار العقيدة الصادقة،
فسطر أبو بصير وأبو جندل ورجالهم صفحة مشرفة من صفحات العقيدة المتحدية المكافحة
بين لؤم ألد الأعداء وصمت الأصدقاء والحكمة تقول: الشقي من اتعظ بنفسه والعاقل من
بغيره، ولنا في رسول الله وصحبته أسوة حسنة لن نضل ما ترسمنا خطاهم، وبخاصة في هذه
الأيام التي تضافر على المسلمين فيها أئمة الإلحاد وأهل الكتاب يريدون أن يزحزحونا
عن عقيدتنا بما تفننوا به من أساليب الأذى والخداع، ولقد نبأنا الله بذلك وحثنا
على الصبر والتقوى ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ
وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ
الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ۚ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ
ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (آل عمران: 186).
ولا بد من إعداد العدة والمرابطة المستمرة على كل
ثغر من ثغور الإسلام والصبر على ملاقاة الأعداء هتافنا: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا
لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ
أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: 250).
ولعل العسر الذي نقاسيه هذه الأيام يتمخض عن يسر،
فنحس الشتاء الفظيع يتبعه سعد الربيع البديع. وأذكر أن إسحاق بن بهلول قال أبياتًا
لا بأس من أن نختتم بها الحديث:
فَلَا تَيْأَسْ وَإِنْ أَعْسَرْتَ
يَوْمًا فَقَدْ
أَيْسَرْتَ فِي دَهْرٍ طَوِيلِ
وَلَا تَظْنُنْ بِرَبِّكَ ظَنَّ
سُوءٍ فَإِنَّ
اللَّهَ أَوْلَى بِالجَمِيلِ
فَإِنَّ العُسْرَ يَتْبَعُهُ
يَسَارٌ وَقَوْلُ
اللَّهِ أَصْدَقُ كُلِّ قَوْلِ
خليل
محمد أبو ملال
الكويت - الرميثية
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل