العنوان العقوبة في الشريعة الإسلامية (الحلقة الأخيرة)
الكاتب د. عبد الكريم زيدان
تاريخ النشر الثلاثاء 21-ديسمبر-1976
مشاهدات 100
نشر في العدد 329
نشر في الصفحة 23
الثلاثاء 21-ديسمبر-1976
- تقدير عقوبات الحدود وبيان الحكمة منها
عقوبات الحدود لوحظ في تشريعها الأصول العامة للعقوبة التي تكلمنا عنها، فهي مساوية لجرائمها ومن ثم فهي عادلة، وفيها قدر كاف من الإيلام فهي رادعة قبل الإجرام مانعة من العود إليه. وهي شخصية لا تصيب غير الجاني. ومن ثم فإن هذه العقوبات تحقق مصلحة الجميع بتوفير الحماية له من الفساد والضرر وتوفر له الطمأنينة والسلامة والأمن، بمنع وقوع هذه الجرائم أو بتقليل وقوعها على أقل تقدير. كما أنها تحقق المصلحة لمن تسول له نفسه الإجرام بمنعه وبعدم العودة إليه إذا فعله، ولا شك أن في انزجار الشخص عن الجريمة مصلحة مؤكدة له لأنها تخلصه من العقوبة ومن عصيان الشرع وما يترتب عليه من سخط الله تعالى وعقابه في الآخرة، كما أن في معاقبته إذا أجرم تطهير له من الخطيئة في الدنيا لأن عقابه يوقظ فيه معاني الإيمان الدفينة وتحسسه بعظم تقصيره في جنب الله مما أدى به إلى هذا العقاب، وهذا يحمله غالبًا إلى التوبة النصوح كما أشرنا من قبل.
وهذا كله بعض الحكمة من تشريع هذه العقوبات.
- اعتراضات على هذه العقوبات:
٤٠ - وبالرغم من صلاحية هذه العقوبات وكفايتها للردع والزجر وعدالتها في نفسها وتحقق المصلحة بها، فقد رأينا ووجدنا من يعترض عليها. وهذه الاعتراضات يحسبها أصحابها مقبولة في ميزان العقل ومبررة لهجر العقوبات وعدم تطبيقها والاستعاضة عنها بغيرها. ونحب هنا أن نأتي على خلاصة اعتراضاتهم مع مناقشتها والرد عليها ليظهر الحق جليًا لمن يريده.
وهذه الاعتراضات يمكن جعلها نوعين –الأول- اعتراضات عامة على جميع هذه العقوبات.-والثاني- اعتراضات خاصة بكل عقوبة على حدة.
الاعتراضات العامة ودفعها :
٤١ - أولا - الاعتراض الأول: ويقول أصحابه إن هذه العقوبات تهمل شخصية المجرم وتجعل مرتكبي هذه الجريمة في مستوى واحد في استحقاق هذه العقوبات مع أنهم يختلفون في دوافعهم إلى ارتكاب الجريمة نظرًا لاختلاف أحوالهم النفسية وميولهم وبيئتهم وسيرتهم وتربيتهم ومستوى ثقافتهم إلى غير ذلك من الأمور التي يجب ألا تهمل وبالتالي يجب تفريد العقاب وعدم جعله واحدًا بالنسبة لجميع المجرمين فالمجرم مريض النفس مهزوز الشخصية منحرف المزاج والميول فيجب أن ينظر إليه على أساس واقعه هذا وحالته هذه وأن يكون العقاب في حقه كالعلاج بالنسبة للمريض لا أن يكون انتقامًا منه ولا على أساس اعتباره إنسانًا سویًا فيحاسب حسابًا عسيرًا.
- دفع هذا الاعتراض :
٤٢- الشريعة الإسلامية لم تهمل شخصية المجرم عند تشريعها هذه العقوبات وإنما اعتبرتها ولاحظتها، والخلاف بينها وبين المعترضين، في الحقيقة، ينصب على مدى رعاية شخصية المجرم، فالشريعة تقول إن الخروج عن عهدة حق الرعاية الشخصية للمجرم يتم بالتأكيد من بلوغه وعقله واختياره وخلوه من حالات الصغر والجنون والإكراه والاضطرار والجهل فإذا وجدت مثل هذه الحالات سقطت هذه العقوبات واستعيض عنها بغيرها على التفصيل المذكور في كتب الفقهاء. كما أن الشريعة راعت أحوال المجرم في عقوبة الزنا والسرقة فالزاني المحصن عقوبته الرجم بينما عقوبة الزاني غير المحصن الجلد والتغريب، لأن غير المحصن يستحق مثل هذا التخفيف لعزوبته بينما لا يستحقه المحصن، وفي السرقة العادية أو كما يسميها الفقهاء السرقة الصغرى كانت العقوبة قطع اليد بينما في السرقة الكبرى - قطع الطريق- غلظت العقوبة فجعلتها قطع اليد والرجل.
فهذه هي الحدود التي وقفت عندها الشريعة في رعاية شخصية المجرم وعدم إهمال ظروفه وأحواله.
أما أحوال المجرم النفسية وبيئته وثقافته وتربيته إلى غير ذلك من الأمور التي يريد أصحاب الاعتراض إدخالها في حساب رعاية شخصية المجرم، فإن الشريعة ترفض ذلك، لأن هذه الأمور لا تصلح مبررًا لارتكاب هذه الجرائم ولا مخففًا للعقاب عن المجرم ما دام بالغًا عاقلًا مختارًا، كما أن هذه الأمور مائعة لا تقوم على أساس متين ولا يضبطها ضابط معين وليست لها حدود واضحة، فاعتبارها عند تقديرالعقوبة يجعل العقوبة تقوم على الهوى والحدس والتخمين مما يؤدي إلى كثرة وقوع الجرائم وإفـلات المجرمين من العقاب الرادع وفي هذا کله ضرر جسيم بالمجتمع من جراء هذه الجرائم الخطيرة.
أما رغبة المعترضين في جعل العقاب كالعلاج للمريض، فهذه الرغبة مأخوذ بها في الشريعة وفي هذه العقوبات التي بنيت على أساس الرحمة، إلا أنه فاتهم أن العلاج لا يشترط فيه أن يكون لذيذًا تشتهيه النفس، فقد يكون كريهًا مرًا وقد يتضمن إجراء العمليات وقطع الأعضاء، وهو في جميع هذه الصور يبقى علاجًا موصوفًا بالرحمة في حق المريض خاليًا من الانتقام منه وهكذا الشأن في هذه العقوبات فقد شرعت لتكون علاجًا لمن لم ينفع معهم علاج الوعظ والتذكير والإنذار من ارتكاب المحظورات الشرعية فلا بد من معالجتهم بعلاج العقوبات لأن الإصرار على علاج الوعظ الذي ثبت عدم جدواه في حق البعض بدليل ارتكابه للجريمة، هو إصرار في غير موضعه ولا بد من استبداله بالعلاج الآخر وهو علاج العقاب.
- الاعتراض الآخر ودفعه :
٤٣ - والاعتراض العام الآخر بالنسبة لجميع هذه العقوبات كما يقول أصحابه هو قسوة هذه العقوبات وما فيها من إيلام شديد لا يتناسب أبدًا مع قدر الجريمة مما يجعل هذه العقوبات ظالمة غير عادلة.
٤٤ - وهذا الاعتراض مدفوع و مردود، فالعقوبة ليست مكافأة على عمل طيب مبرور حتى يخلو من الشدة والإيلام وإنما هي جزاء على إرادة الشر والإفساد وتنفيذ هذه الإرادة بالفعل فلا بد أن تكون هذه العقوبة مؤلمة. أما مناسبة إيلامها مع الجريمة وخلوها من العدل كما يقولون، فليس الأمر كما يدعون.
ويبدو لي أن مرد هذا الادعاء هو تحديقهم في العقوبة دون استحضار للجريمة ولا تصور لها، ولو قرنوا العقوبة بالجريمة ولاحظوا الاثنين معًا لخرجوا موقنين بالعدالة في هذه العقوبات ومساواتها لجرائمها.
فإذا استحضرنا مثلًا فعل السارق وهو يسير في جنح الظلام متخفيًا ينقب الجدار ويكسر القفل، ويشهر السلاح. ويروع الآمنين في بيوتهم هاتكًا حرمة البيوت وعازمًا على قتل من يقاومه، وإذا تصورنا المرأة وقد استيقظت وفتحت عينها ورأت وجه السارق الكالح المرعب وبيده السلاح وما يصيب تلك البائسة من فزع واضطراب قد يؤدي بحياتها، ولو تصورنا الأطفال وقد استيقظوا على صياح أمهم ورأوا هذا الوحش المخيف الذي يتطاير الشرر من عينيه وهو يدوس عليهم أو يدفعهم وتصورنا أيضًا ما يحدثه فعل السارق من قلق عند الناس جميعًا وما يشيعه من فزع فيما بينهم لأن السارق يبغي المال، والمال موجود عندهم جميعًا فهم معرضون لإجرامه دون تمييز، لو تصورنا هذا أو بعضه مما يحدثه فعل السارق ثم قرنا به قطع یده الآثمة الخبيثة لما قلنا عن عقوبته بأنها ظالمة غير عادلة، أو أن ما فيها من ألم لا يناسب إجرامه. وهكذا القول في بقية العقوبات، علينا أن نستحضر جرائمها وما فيها من شر فساد واعتداء قبل أن نحكم على هذه العقوبات حكمًا جزافًا لا يقوم على نظر سديد ولا إحاطة بالجريمة.
الاعتراضات الخاصة بكل عقوبة:
٤٥- واعترضوا باعتراضات خاصة على كل عقوبة بإلاضافة إلى اعتراضاتهم العامة على جميعها فقالوا :
٤٦- الاعتراض الأول - أن جلد الزاني وتغريبه، ورجمه، وكذا جلد القاذف، أن هذا النوع من العقاب فيه إهدار لآدمية المجرم وإيذاء بدني له لم يعد مقبولًا في العصر الحديث كما أن في عقوبة الزاني إذا باشر الزنا برضا المجني عليه مصادرة لحريته الشخصية التي يجب أن تصان لا أن يجلد من يباشر هذه الجريمة.
٤٧ - ودفع هذا الاعتراض هين ميسور فبالنسبة للزاني فإنه هو الذي أهان نفسه ولم يكرمها وعرضها للإهدار ولم يصنها، فإن الزاني الذي أباح لنفسه الولوغ في إناء غيره لم يعد ينفعه وعظ ولا توبيخ وإنما ينفعه التذكير بالسوط وتحسيسه بالألم الجسدي لا المعنوي وتغريبه فيه إبعادًا له عن مسرح الجريمة ومكانها حتى ينساه الناس وتتهيأ له فرصة يخلو بها بنفسه ويفكر في معصيته مما قد يدعوه إلى صلاح حاله. وأما رجم الزاني المحصن، فمرده إلى أن هذا الزاني قد بلغ به الإفساد والشره في اللذة المحرمة أن طوعت له نفسه الولوغ في إناء الغير مع أن عنده ما يكفيه ويغنيه عن فعله، فحق لمثل هذا العضو الفاسد أن يبتر من المجتمع وأن يغيب في الأرض ولا يبقى مصدر إفساد وشر في المجتمع يتخلص الناس من فساده لأنهم جميعًا معرضون لإجرامه، ولا داعي للأسى على بتره من المجتمع كما لا تأس على بتر العضو المتآكل الفاسد من جسم الإنسان إذا خيف منه على باقي الجسد.
أما التشبث بالحرية الشخصية واعتبار الزاني من قبيل مظاهر هذه الحرية لأنه واقع الزنى بالرضا والاختيار لا بالجبر وإلاكراه، فهذا قول متهافت هزيل لأن الحرية الشخصية مقيدة بعدم الإضرار بالآخرين وفي الزنا أضرار جسيمة فهو اعتداء على الأسرة وهدم لكيانها وهي أساس المجتمع وتشكيك بالأنساب وتضييع للأطفال وإشاعة للريبة في النساء والزوجات وعزوف عن الزواج وانتشار للأمراض إلى غير ذلك من المفاسد والأضرار، فمن حق المجتمع أن يحمي نفسه من هذه الأضرار التي يريد الزاني إيقاعها فيه لقاء لذة وقتية كان يمكنه أن يحصل عليها بطريق مشروع أي بالزواج. وتعسر الزواج عليه أو تأخره لا يبرر له جريمة الزنا لأنه باعتباره عضوًا في المجتمع عليه أن يسلك المسلك الحميد الذي لا يجلب الضرر على المجتمع وأخيرًا نقول إن وقوع الزنا برضا الزانيين لا يجعل الزنا مشروعًا ولا يزيل أضراره والأعراض لا يجوز فيها البذل، لان البذل يكون في الأموال لا في الأعراض. بعد هذا الذي بيناه هل يستطيع منصف أن يقول إن ترك الناس يزني بعضهم ببعض هو من قبيل ممارستهم لحريتهم فيجب أن يمنعوا منها فضلًا عن معاقبتهم عليها؟ .
٤٨ - أما جلد القاذف، وأن في هذا الجلد إهدارًا لآدميته فهذا قول مردود، لأن القاذف اتهم المقذوف بالفاحشة ولا سبيل إلى تبرئته إلا بإظهار كذب القاذف وإقامة الدليل على كذبه بجلده علانية، فهو الذي أهدر کرامته وآدميته بتعريضه لها للجلد بسبب اعتدائه على كرامة المقذوف ورميه له بالزنا.
٤٩ - وسر المسألة في معاقبة الزاني والقاذف، أن الإسلام يحرص على نظافة المجتمع وطهارته وسلامة الأعراض وصيانة الأخلاق فإذا كانت هذه الأمور مطلوبة ومرضية وتستحق العناية والحرص فوسائلها مطلوبة ومرضية، وهذا ما تقوله الشريعة وإذا كانت هذه الأمور غير مطلوبة ولا مرغوب فيها: فوسائلها غير مطلوبة ولا مرغوب فيها وهو ما يتضمنه الاعتراض على هذه العقوبات. فالشريعة الإسلامية حرصت على طهارة المجتمع وصيانته من الدنس فشرعت عقوبة الزنا والقذف لأن هذه العقوبة وسيلة لتحقيق المجتمع وطهارته، والمعترضون لا يأبهون بنظافة المجتمع أو لا يحرصون عليها الحرص الكافي أو لا يفطنون إلى ما يتضمنه اعتراضهم من دلالة على عدم حرصهم على طهارة المجتمع فقالوا ما قالوه من اعتراض.
٥٠ - والاعتراض الثاني على عقوبة السرقة والحرابة. وقد قال أصحابه إن هذه العقوبة فيها بتر اليد والرجل، والقتل والصلب، وقطع الأعضاء في العقاب أسلوب قديم مضى زمانه وولي عهده ولم يعد ملائمًا لمقتضيات العصر الحديث الذي نعيشه، كما أن هذا النوع من العقاب أضرار بالمجتمع لأنه يصير المجرم عاجزًا عن الكسب عالة على المجتمع، فيجب أن يستعاض عن هذه العقوب بالحبس ومع الحبس التربية والتوجيه.
٥١ ـ وهذا اعتراض مرفوض لأن كونه من الأساليب القديمة لا يعني أنه أسلوب قبيح مردود فما كان كل قديم بمردود ولا كل جديد بمقبول. ثم إن القوانين الوضعية تبيح قطع الرأس، والرأس أهم وأعظم من اليد فإذا جاز الأعظم فلماذا لا يجوز الأصغر، وإذا جاز قطع الجسد من عالم الأحياء فلماذا لا يجوز قطع الجزء من هذا الجسد؟.
أما صيرورة المقطوع عالة على المجتمع، فهذا إذا كان صحيحًا فمن الصحيح أيضا أن يقال إن صيرورة المقطوع عالة على المجتمع، وقد انكف إجرامه، خير له وللمجتمع من أن يبقى مجرمًا سليم اليدين ينال كسبه من السحت الحرام، أما الاستعاضة عن القطع بالحبس مع التربية والتوجيه فالرد على هذا أن الطواف على السجون وعد نزلائها يرينا أنهم بازدیاد دائم فما ردعت السجون عن جريمة السرقة إلا قليلًا.
بل إن السجن أصبح مكانًا أمينًا للسراق يتواجدون فيه ويلتقون ويتبادلون خبراتهم في عالم السرقة والإجرام. أما قطع اليد فإنها كفيلة بقطع دابر السرقة أو تقليلها إلى حد كبير جدًا والتاريخ خير شاهد على ما نقول فإن هذه العقوبة آتت أكلها وثمرتها للناس فعاشوا بأمان من السرقة والسراق يوم كانت هي العقوبة المطبقة في جريمة السرقة. ولما هجرت ولم تطبق كثر السراق وفشت السرقات وما يتولد عنها من قتل واعتداء.
فالخير في العودة إلى هذه العقوبة فهي لا تزال مستعدة لأداء دورها في منع السرقة في العصر الحديث كما منعتها في العصر القديم.
الاعتراض على عقوبة شرب الخمر:
٥٢ - والاعتراض الثالث هو على عقوبة شرب الخمر .ويقول أصحاب هذا الاعتراض أن شرب الخمر تصرف شخصي بحت فكما أن للإنسان أن يشرب عصير البرتقال فمن حقه أن يشرب أيضًا عصير العنب المتخمر وإن أسكره، فمنعه من ذلك، وعقوبته إذا لم يمتنع، وجعل هذا العقاب الجلد كل ذلك مصادرة للحرية الشخصية واعتداء على الإنسان لا مبرر له.
٥٣ - ذلك قولهم، وفاتهم أن الشريعة الإسلامية تهتم بمعالجة الإنسان وتمنعه من الإضرار بنفسه. وإن رضى هو بهذا الأضرار لأن هذا الضرر سينسحب على المجتمع أيضًا ومن الضرر بالإنسان تعطيل عقله وهو الجوهرة الثمينة التي أودعها الله فيه عن طريق شرب المسكر أفلا يكفيه تعطيل عقله بالنوم فيريد تعطيله عن طريق شرب المسكر المخرب لعقله وجسمه؟ ثم إن في شرب الخمر تسهيلًا لسبل الإجرام على السكران وتضييعًا لماله وضرب القدوة السيئة لأهل بيته وتقصيره في رعايتهم، أفلا تكفي هذه الأضرار للقول بحق الشرع في منعه من السكر وإذا كان هذا المنع له ما يبرره في مصلحة الإنسان فما قيمة المنع المجرد إذا لم يقترن بالعقاب على غير الممتنع؟ أما جعل العقاب الجلد فلأن الوعظ إذا لم ينفع والنصيحة إذا لم تؤثر وألح الإنسان في جلب الضرر على نفسه بالسكر، فلا بد من تحسيس هذا الشخص وردعه بما يؤلمه ويوجعه فكان الجلد عقوبة له. وأخيرًا نقول إن ترك الإنسان يعبث ويضر نفسه وغيره بحجة رعاية حريته الشخصية هو منطق الأطفال الصغار الذين يصرخون ويولولون إذا منعوا من اقتحام النار أو تناول المؤذيات أو عوقبوا على ذلك لئلا يعودوا إلى أفعالهم.
الاعتراض على عقوبة الردة:
54- ويقول أصحاب هذا الاعتراض إن عقوبة المرتد تدخل في حرية العقيدة ومصادرة لها وإكراه على تبديل الدين وإجبار الإنسان على اعتناق ما لا يريده ولا يرغب فيه.
55- وهذا الاعتراض مرده الجهل بطبيعة هذه العقوبة والجهل بمعنى الردة ومعنى الإكراه على اعتناق العقيدة. وبيان ذلك أن الردة كما قلنا رجوع عن الإسلام، والمرتد هو الراجع عن الإسلام ، فنحن إذن، إزاء مسلم ارتكب جريمة معينة هي الردة، ولسنا أمام يهودي أو نصراني نرید إکراهه على تبديل دينه وحمله على اعتناق الإسلام ومبدأ لا إكراه في الدين مبدأ مقرر في الشريعة الإسلامية بنص القرآن الكريم ولا يجوز المساس به بدلیل واضح بسيط أن الإسلام شرع الجزية وعقد الذمة وعقد الذمة يعني إقرار غير المسلم على دينه وتركه وما يدين به، فلو كان الإكراه على تبديل الدين واعتناق الإسلام بالجبر والإكراه مشروعًا لما شرع الإسلام عقد الذمة.
ولكن قد يقال هنا فلماذا، إذن، نعاقب المرتد، ألا يعني هذا إكراهه على الاستمرار على دين الإسلام وقد أصبح لا يرضاه؟ والجواب على هذا أن المسلم بإسلامه التزم أحكام الإسلام وعقيدة الإسلام، والإخلال بالالتزام لا يجوز، ويعاقب المخل بالتزامه بالعقوبة المناسبة فعقوبة المرتد إذن وجبت لإخلال المسلم بالتزامه، وبالإضافة إلى هذا الإخلال فإن المرتد بردته يرتکب جملة جرائم أخرى أو أن هذه الجرائم نتيجة حتمية لردته، وبيان هذه المسألة أن المرتد لا بد أن يعلن ردته بشكل من أشكال الإعلان، لأنه لو كتمها ولم يعلنها لما عرفنا به ولبقى من المنافقين، فإعلانه للردة جريمة أخرى لأن فيها استخفافًا بعقيدة الأمة وبنظامها الذي ارتكز على الإسلام كما أن في ردته تشجيعًا للمنافقين لمتابعته في ردته وإظهار نفاقهم وتشكيكًا لصفات العقيدة بعقيدتهم، وهذا کله يؤدي إلى اضطراب في المجتمع واهتزاز في نظامه القائم على الإسلام واستخفاف به. وهذه الأمور جسيمة يجب منعها عن المجتمع الإسلامي بمعاقبة المرتد. وجعلت عقوبة المرتد القتل لأن جريمته خطيرة ولأن إخلاله بالتزامه إخلال خطير جدًا، ويجب ألا نستغرب من ذلك فرب إخلال بالالتزام يترتب عليه قتل المخل بهذا الالتزام، كما لو تعاقد شخص مع الدولة لتوريد الأرزاق للجيش، فإذا تعمد هذا المتعاقد على عدم تزويد الأرزاق، والجيش في حاجة إليها كما لو كان في حالة حرب، مع قدرة المتعاقد على الإيفاء بالتزامه، فإن عقوبته قد تصل إلى الإعدام. وكذلك المرضعة إذا أخلت بالتزامها بإرضاع الطفل الذي التزمت بإرضاعه وتعمدت الامتناع عن إرضاعه حتى مات جوعًا فإن عقوبتها القتل عند فريق من الفقهاء، وأخيرًا فإن الشريعة الإسلامية، مع خطورة جرم المرتد أوجبت إمهاله ثلاثة أيام فإذا رجع عن ردته سقط عنه العقاب فهل بعد هذا الذي قلناه تبقى لأحد حجة للقول بأن عقوبة المرتد تدخل في حرية العقيدة وإكراه على تبديل الدين واعتناق الإسلام.
هل هناك بديل لعقوبات الحدود:
عقوبات الحدود قدرتها الشريعة الإسلامية بنصوص صريحة لا تقبل التبديل ولا النسخ، لأن الناسخ يجب أن يكون بقوة المنسوخ، حيث لا وحي ولا رسالة بعد الإسلام ورسول الإسلام فلا يملك أحد سلطة نسخ هذه العقوبات أو تبديلها. كما لا يجوز تعطيلها أو تبديلها عن طريق الاجتهاد لأن القاعدة الشرعية لا اجتهاد في معرض النص فلا يبقى إذن إلا وجوب تطبيقها وتنفيذها. ولا يكون التهرب من تطبيقها إلا على وجه المعصية وليعلموا أن تطبيق هذه الحدود يحقق لهم المصلحة على أتم الوجوه، ويقطع دابر الإجرام أو يقلله إلى حد كبير جدًا ويجعل الناس يعيشون بأمان وعفة وطهر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل