; العقبات التي واجهت الدعوة الإسلامية في العهد المكي | مجلة المجتمع

العنوان العقبات التي واجهت الدعوة الإسلامية في العهد المكي

الكاتب عبدالمؤمن محمد نعمان

تاريخ النشر الثلاثاء 03-أكتوبر-1978

مشاهدات 107

نشر في العدد 414

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 03-أكتوبر-1978

دراسة لطبيعتها وكيف تغلبت الدعوة عليها وما هي الدعامة الأساسية التي استطاع بها أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم الصمود والثبات؟!

تعريفات:

العقبة

لغة: المرقى الصعب 

اصطلاحًا: الحوائل التي تعترض طريق السير سواء كانت حسية كقطعة من صخر ناتئة في الطريق أو كانت معنوية كوقوف أشخاص بكل قواهم تجاه تقدم دعوة من الدعوات أو فكرة من الأفكار، وفي القرآن الكريم يقول تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ (البلد: 11، 12).

فعبر بالعقبة وكأن القرآن الكريم يقصد بها أهوال يوم القيامة..

الدعوة..

لغة: الطلب

اصطلاحًا: مطالبة الناس باعتناق مبدأ من المبادئ أو دين من الأديان إذا كانوا بعيدين عنه أو مطالبتهم بتطبيق المبدأ أو الدين تطبيقًا كليًّا إذا كانوا مقصرين فيه، وهي كلمة مستعملة لدى كل صاحب مبدأ ولكنها تكاد تكون علمًا على الدعوة إلى الإسلام الصحيح.

نظرة في الدعوة والمدعوين والدعاة:

1-     لا بد للدعوة أن تكون متسمة بالوضوح والشمول والإقناع، وهذه العوامل توفرت بلا شك في الدعوة الإسلامية التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم فنجحت الدعوة الإسلامية في صدر الإسلام نجاحًا عظيمًا.

2-     أما الدعاة فلا بد لهم من الاتصاف بصفات تلازمهم لكي يتمكنوا بموجبها من اقتحام غمار العقبات والقضاء على كل منافس. وأهم تلك الصفات:-

1-     العلم.

2-     الاقتناع التام بالدعوة.

3-     الإشفاق على المدعوين إشفاق الطبيب على المرضى.

4-     الصبر على الأذى بل التلذذ بما يلاقونه.

5-     تلوين الأسلوب والبدء بالأهم على المهم.

6-     الثقة التامة بأنه إذا لم ينجح في دعوته من حيث إقناع الناس وجلبهم إلى الهدى والنور فإنه ناجح لا محالة في كسب رضاء الله تعالى والفوز بالخير الكثير، وأن كل جهد مهما قل محسوب عند الله.

3-     أما المدعوون فهم على ثلاث مراتب:-

1-     إما علماء منحرفون عن طريق الحق، وهؤلاء لا بد أن يستخدم معهم الداعي نفس أسلوبهم العلمي ويجابهم بالبراهين والحجج والنصوص القطعية والأدلـة النقلية والعقلية الصـريحة كمـا قال تعالـى لرسـوله صلى الله عليه وسلم: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ (النساء: 63). وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله: ما جادلني عالم إلا غلبته ولا جاهل إلا غلبني.

2-     وإما جهال متورطون في الملذات والشهوات ومُتع الحياة وهؤلاء يحتاجون إلى الوعظ والإرشاد والتخويف والتحذير من عذاب الله واستعراض المواقف المفزعة عند الموت وفي القبر وفي يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ ۚ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ (غافر: 18).

3-     وإما معاندون مكابرون وهؤلاء لا بد لهم من إيضاح الحجج والبراهين والأحكام ثم بعد ذلك أمرهم موكول إلى الله تعالى كما قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ  إِلَّا مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ  فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ  إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ  ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم﴾ (الغاشية: ٢١: ٢٦).

4-     الموضوع:

لا يستطيع متأمل أن يدرك الخطورة التي واجهت الدعوة الإسلامية في صدر الإسلام الأول إلا إذا وقف الباحث والمتتبع متأملًا بمكث ماذا يحدث الآن لو وقف داعٍ للإسلام في بهو الكرملين الروسي وقال بأعلى صوته: «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، «ولتسقط الشيوعية» بالطبع هذا أمر شبه مستحيل وبالأخص من شخص واحد، فكيف بالرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم وقد وقف يواجه الكفر الأحمر متمثلًا في أبي جهل وعقبة بن معيط والأخنس بن شريق وأبي لهب وزوجه اللدود وغيرهم من أئمة الكفر والإلحاد فليس سهلًا لرجل واحد أن يواجه أمة كاملة سيما وقد حمل صلوات الله وسلامه عليه أمرًا مهمًّا ورسالة عظمى يجب أن يؤديها في غاية الإتقان. ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم كان أمة في شجاعته، أمة في تفكيره، أمة في كل كلية وجزئية، ولذا فليس غريبًا على الدعوة الإسلامية أن تنمو وتنتشر انتشار الكهرباء في الأسلاك. إن المتتبع للدعوة الإسلامية في بادئ أمرها يلاحظ أن الرسول صلى الله عليه وسلم واجه صعوبات شتى ومواقف صعبة ولولا لطف الله المتمثل في معجزاته الكثيرة لما وصل الإسلام إلينا في هذا القرن بل ولما وصل حتى إلى المدينة في أول الأمر لقد كان من المؤمل بل من المفروض حسبما يتبادر للذهن والعقل المجرد أن تستقر الدعوة الإسلامية في مكة وأن يحتضن أهل مكة الرسول صلى الله عليه وسلم احتضان الحقيقة للجواهر النفيسة وذلك بحكم التاريخ الديني العريق للمسجد الحرام وبحكم أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان من أعز أبناء مكة وأطهرهم -وإن كانت كلمتي أعز وأطهر هنا ليست من باب أفضل التفضيل إذ لا تفضيل أبدًا بين التبر والتراب.

إنني وأنا أناقش موضوع العقبات التي واجهت الدعوة الإسلامية أجدني مضطرًا لبيان أهمية الدعوة الإسلامية، فليس من شك ولا ريب أن رسول الهدى صلى الله عليه وسلم وقد تحمل كل الصعاب من أجل الدعوة إلى الله علم بل وتيقن أن الإسلام هو الحل الوحيد لكل قضية والدواء الناجح لكل سقم، ولذا تحمل أعباء الدعوة وأخذ يربي أصحابه التربية السليمة لكي يحملوا عنه العبء بعد مفارقته الحياة، ومن هنا نفهم أن مهمة الدعوة ليست وقفًا على الرسل وحدهم ولا على العلماء من بعدهم وإنما الدعوة الإسلامية جزء لا يتجزأ من حقيقة الإسلام لمن فهم جوهر الإسلام، وبهذا فإنما شاع عند كثير من العوام من كلمة رجال الدين كما يقال عند المسيحيين رجال الكنيسة كلمة يأباها واقع الإسلام وتمجها الفطرة السليمة فقد بايع الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه على الجهاد من أجل هذا الدين كما بايع الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه على الجهاد من أجل هذا الدين كما بايع كل الطبقات حتى النساء على تحمل مسؤولية جزئيات الإسلام وكلياته؛ فبيعة العقبة الأولى التي تمت في موسم الحج بين الرسول صلى الله عليه وسلم ووفد أهل المدينة كان من ضمن بنودها ألا يشركوا بالله شيئًا وألا يسرقوا وألا يزنوا وألا يقتلوا أولادهم وألا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم.. إلخ.. 

فكانت هذه البنود من شروط الاتفاقية وكانت هي أهم مظاهر المجتمع المسلم آنذاك، ومن هنا نلاحظ أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم تكن مهمته تلقين الناس الشهادتين فقط ثم يتركهم- يرددونها بأفواههم وهم عاكفون على انحرافاتهم ومفاسدهم ولو كان كذلك لكانت الاتفاقية في بيعة العقبة على الشهادتين، صحيح أن الإنسان يدخل الإسلام بالشهادتين ولكن الشهادتين ينضوي تحت مفهومها أمور عدة هي التي تضمنتها الاتفاقية في الغالب. فلو كان أعداء الإسلام أيام قام الرسول صلى الله عليه وسلم بالدعوة يستطيعون أن يؤمنوا بالإسلام إيمان الأكثرية اليوم لما تردد أبو جهل في أن يقول لا إله إلا الله ولما وقفت قريش ذلك الموقف الشديد في وجه دعوة الإسلام ولكنهم وهم العرب الخُلص عرفوا أن معنى لا إله إلا الله محمد رسول الله هو أن يقف القرشي أمامها موقف المنفذ لمدلولها الكامل، أما أدعياء الإسلام من أبنائه اليوم لا يترددون في أن يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله فقط باللسان ولكنهم عاكفون على ملذاتهم وبعيدون كل البعد عن التنفيذ الصحيح لمعنى الشهادتين. أقول: لم يقم المسلمون الأوائل بالإسلام قيام مسلمي اليوم ولم يفهموه هذا الفهم السقيم، إن المسلمين في هذا العصر أصبحوا في وضع يظنون معه أن القضية الإسلامية من السهولة بحيث يمكنهم إدخال الإسلام في كل رغباتهم الطائشة وإلا فهم يستنكفون منه ويستكبرون عليه، وهنا يتبادر هذا السؤال، لماذا وجدنا دعوة الرسول في مكة ودعاة الإسلام اليوم يواجهون عقبات ومتاعب لا من أولي الحل والعقد فقط بل حتى من العامة الذين لا ينقادون بسهولة، في حين أن أصحاب المبادئ الفاسدة لا تعترضهم نفس المشاكل والعقبات، والجواب عليه أن هناك حقيقتين لا ينبغي أن تعزب عمن يدرس العقبات التي واجهت الرسول وأصحابه والمصلحين من بعدهم.

هاتان الحقيقتان تتمثل في أن الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه من الدعاة المسلمين لا يمثلون نفس الدور الذي يمثله دعاة المبادئ الشيوعية والرأسمالية العلمانية، بل هناك فرق كبير بين دعوة الإسلام والدعاوى الأخرى لا يدرك هذا الفرق إلا من تفكر وأمعن النظر، ذلك أن أصحاب المبادئ الفاسدة يعتمدون قبل كل شيء على دغدغة العواطف وانتهاج أساليب الإغراء ويلوحون للناس بأقراص الرغيف وبإثارة النعرات والحزازات بين الأفراد، وبالأخص المبدأ الشيوعي الذي يعتمد اعتمادًا كبيرًا على هذه الناحية الخبيثة، وما قضية الاشتراكية وآثارها لدى الدهماء عن النابهين منا ببعيد. أما دعاة الإسلام فإنهم يحيلون المدعوين على الغيب وهو ما يسمى -بالميتافيزقيا- أو العالم غير المنظور، وطبيعي أن النفس البشرية وبالأخص تلك التي خلت من تأثير الروح تحيل إلى الملموس. -أما الحقيقة الثانية فهي أن الدعوة الإسلامية يترتب عليها الابتعاد عن المفاسد الأخلاقية والاجتماعية فلا باطل ولا شر ولا فسوق فهي تجعل الناس سواسية كأسنان المشط وتقضي على نظام الطبقات فلا طبقة عمالية وطبقة برجوازية ولا طبقة استقراطية وطبقة فقيرة أمام حكم الإسلام، وقد وجدنا أن كثيرًا من العرب في بادئ الإسلام امتنعوا عن اعتناق هذا الدين لأن محمدًا صلى الله عليه وسلم يحرم الخمر ويمنع الزنا.

إذًا فلا غرو أن تتألب اليوم الدنيا كلها في وجه دعوة الإسلام، وإذا أدركنا هاتين الحقيقتين نعلم أنه لا بد لمن يدعو إلى الإسلام أن يواجه عقبات شتى، ولكن العلاج للنفس التي تريد السمو أن تعلم أن أول صفة للإنسان أنه مكلف، إذًا التكليف من أهم لوازم العبودية لله تعالى فلا معنى للعبودية بدون تكليف والله تعالى يقول:

﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت: 1، 2، 3).

ويقول تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمران: 142).

وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه البخاري أن خباب بن الإرث قال للرسول صلى الله عليه وسلم والرسول متوسد بردة في ظل الكعبة.

لقد لقينا يا رسول الله من المشركين شدة ألا تدعو الله لنا، فقعد صلى الله عليه وسلم وهو محمر الوجه فقال:

«لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم وعصب ما يصرفه ذلك عن دينه. ولينصرن الله هذا الدين حتى يمشي الراكب من صنعاء لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه».

إن ما يلاقيه الدعاة إلى الله المجاهدون في سبيله لإقامة المجتمع المسلم سنة إلهية ما تخلفت ولن تتخلف؛ ولذا فلا ينبغي للمسلم أن يتوهم اليأس إذا ما عانى شيئًا من المشقة والمحنة، وقصة غضب الرسول صلى الله عليه وسلم من قول خباب ذلك الصحابي الجليل الذي لاقى صنوفًا من التعذيب أكبر دليل على وجوب الصبر والاستمرار في الطريق.

إن العقبات فيما نسميها وتعارف عليها الناس ليست هي في وجه الدعوة الإسلامية إلا كالأشواك المتناثرة في شجرة الورد لا تمنع صاحب البستان من اقتطاف الجني، وهكذا أقسم العقبات التي واجهت الدعوة الإسلامية إلى أربعة أقسام:-

أ‌-      قسم بسبب موقف قريش المتصلب من الدعوة وصاحبها الأول محمد صلى الله عليه وسلم.

ب‌-    قسم طبيعي لا دخل لليد البشرية فيه، ويتمثل في موت عم النبي صلى الله عليه وسلم وزوجته خديجة في العام العاشر للدعوة.

هذان القسمان في مكة وقسمان آخران في المدينة ولم أود الحديث عنهما، والعقبات في مكة تبدأ بموقف قريش من الدعوة وصاحبها موقفًا صلبًا للغاية فطالما آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعرضوا له بألوان من الاحتقار والسب والشتم والغمز واللمز، كما آذوا أصحابه الذين آمنوا به، آذوهم بالضرب والتعذيب والقتل والتشريد فهذا بلال يسحب في رمضاء مكة ويجلد بالسياط، وذلك عمار وخباب يلاقون أشد أنواع التعذيب وأنكى ألوانه وتلك سمية يمر عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تُضرب فيقول: «صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة». وأنا هنا لا يهمني ذكر جميع العقبات التي لاقاها أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم فذلك موجود في كتب السيرة، وإنما أقصد ذكر بعض العقبات والوقوف عندها متأملين طبيعتها وكيف قابلتها الدعوة وما هي الأسس التي استطاع بها الرسول وأصحابه إدارة حركة الدعوة بحكمة وصبر.

فقريش وقفت موقفًا صلبًا تجاه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه مما كان ذا أثر عكسي على الدعوة فحد من مدها السريع فقط ولم يقتلها في مهدها، في حين أنه كان بإمكان قريش -حسبما يتبادر للذهن أن تضرب بيد من حديد على الدعوة فتقتلها في مهدها فهذا سهل فيما يبدو لأمة ذات شوكة يواجهها في بادئ الأمر رجل واحد في الميدان.

هذا في جانب وفي جانب آخر كان من السهل أيضًا أن يدعو الرسول صلى الله عليه وسلم على قريش بمرض التيفوس مثلًا أو بالهلاك المباشر سيما وقد جاءه ملك الجبال وقال له جبريل يا محمد هذا ملك الجبال أمره الله تعالى أن يطيعك فمره ليطبق عليهم الأخشبين ولكن الرسول الرحيم صلى الله عليه وسلم يقول لجبريل لا وبالعكس بل يقول صلى الله عليه وسلم «لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحد الله» ثم يقول: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعملون».

من هذه النظرة لواقع قريش وتصلبها مع قدرتها على إلقاء القبض على صاحب الدعوة فيما يتبادر للذهن والعقل المجرد نعلم حقيقة هذه الدعوة وأنها كانت تسير في مكة بكل منعطف وإلى المدينة بكل واد تحت عناية الله وتدبيره. وفي الجانب الثاني بالنسبة لموقف الرسول من صلف قريش وتعنتها واعتداءاتها المتكررة عليه صلى الله عليه وسلم بالذات في كل لحظة وحين وعلى أصحابه أيضًا، نعلم أيضًا أن على الداعي أن يأتي الأمور من مقدماتها ويتتبع رأس كل خيط فيأخذه، فإذا بالمجموعة المعقدة من الخيوط تصبح خيطًا واحدًا يخيط به الحلة الجميلة حلة الإسلام. وبالنسبة للتفسير المادي لموقف قريش الصلب الذي هو متردد أيضًا فإننا نرد ذلك لعدة أمور أهمها مكانة الرسول صلوات الله وسلامه عليه من قريش وبالأخص وهو الهاشمي التليد. كما يعود كذلك لموقف أبي طالب ضد المغرضين وحبه الشديد للرسول ويعود كذلك لخوف قريش من أن تبطش بأبناء عمومتها فتنعكس الحال عليهم حربًا ضروسًا من القبائل التي ينتمي إليها الرسول وأصحابه، وهذا يظهر جليًا في محاولة قريش قتله صلى الله عليه وسلم بيد مجموعة من فتيان العرب حتى يتفرق الدم بين القبائل، هذه النظرة المادية كما قلت، ولكن التفسير الأسمى والنظرة الأعلى هو أن نرد ذلك كله لعناية الله تعالى وتعهده لتلك النبتة الصغيرة في بادئ الأمر بالإمداد والترسيخ ويتمثل ذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (المائدة: 67).

وقوله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «يا أبكر ما بالك باثنين الله ثالثهما». 

ويقول تعالى: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: 40).

إن هذه الأمور التي ذكرتها بالإضافة إلى الأخلاق الحميدة والصفات العطرة التي كان يتمثلها رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلت من قريش تلك الأمة العاتية الجبارة آلات غير حادة ومدى غير مشحوذة وبهذا لم يحصل القطع.

ونخلص من هذا إلى أن موقف قريش من دعوة الإسلام كان العقبة الأولى وكان ذا مناخ قاري وطابع خشن، ولكن إرادة الله وحكمته البالغة بدّدت كل الغيوم فإذا السماء صافية وإذا المنهل عذب، وإذا بالشتلة الصغيرة تصبح دوحة ذات ظل وارف يتفيؤه عمار وبلال وخباب وغيرهم من المسلمين بل ونتفيؤه نحن ومن بعدنا حتى يرث الله الأرض ومن عليها وإذا بعمر الفاروق وحمزة الضرغام يمتطيان جواديهما بمكة ليعلما الدنيا كلها بألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وأن أصنام قريش وباطلهم ما هي إلا دمى لا تستحق الذكر. وإذا بالرسول بعد أعوام يدخل مكة فاتحًا ولحيته الشريفة تلامس قربوص رحله تواضعًا وذلة لله تعالى وحده فيطهر مكة من الخبث ويجندل ثلاثمائة وستين صنمًا من حول الكعبة وهو يقول: «قل جاء الحق وزهق الباطل أن الباطل كان زهوقا»..

أما العقبات الأخرى التي واجهت الدعوة في مكة وكانت تتمثل في موت خديجة وأبي طالب فإنها كانت في الواقع عملية تربية وصقل وكانت أشبه ما تكون بعملية إعداد وتأهيل لمواجهة الصعاب حتى وصلت الدعوة مرحلة النضوج ولم يعد هناك حاجة إلى الدفاع الإنساني العاطفي بل المسألة مسألة وقوف على الأقدام والاعتماد على النفس بعد الله، فلو بقي أبو طالب حيًّا لما حمي وطيس الدعوة ولو بقي أبو طالب حيًّا أكثر من المدة التي بقيها لكانت الدعوة تبقى في مرحلة البرود أو ما يسمونها حاليًا بمرحلة اللا سلم واللا حرب، وهذا في الواقع يبدو جليًا من قيام أبي طالب بالسفارة بينه وبين قريش وإبداء أنصاف الحلول حيث كان أعني- أبا طالب- مشركًا وكانت تروقه الحلول لعدم فهمه مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم فهمًا يقنعه حتى بالإسلام لينجو بنفسه.

إن هذه الحقيقة التي واجهت الرسول صلى الله عليه وسلم كانت في الواقع رافعة ارتقت بالدعوة من مرحلة الجمود إلى مرحلة العمل.

هذه هي العقبات في العهد المكي وفي الواقع فإنني ذكرت العقبات اللامعة الظاهرة، وهذا لا ينفي وجود عقبات أخرى استطاعت الدعوة التغلب عليها بالحكمة والشجاعة والصبر، وهذه الثلاثة هي عنوان النجاح.


 

الرابط المختصر :