; العسكري والقيادي ينجبن روادًا !! | مجلة المجتمع

العنوان العسكري والقيادي ينجبن روادًا !!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 19-ديسمبر-1972

مشاهدات 0

نشر في العدد 130

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 19-ديسمبر-1972

المجتمع

الافتتاحية

كان الاستعمار «أمر واقع» أيضًا!!

الرافضون.. ليسوا مجانين!

والمؤيدون.. ليسوا أكثر واقعية!

الذين يرفضون قرار مجلس الأمن رقم ٢٤٢، ويرفضون بالتالي الصلح مع العدو، هؤلاء ليسوا مجانين، كما يريد البعض أن يصورهم.

على العكس، أن هذا الموقف يعبر عن يقظة العقل كما يعبر عن يقظة الضمير.

من جانب الضمير، فإن أي إنسان في صدره ضمير نظيف وحي، لا يطيق أن يقر الظلم ولا أن يوافق على أن تتم أمام عينيه عملية تجاوزت كل حدود العدل وقيم الحق وهي: أن يعطي من لا يملك فلسطين لمن لا يستحقها.

ومن الجانب العقلي، فإن العدو كان يريد تحقيق أهداف سياسية- من وراء حرب ٥ يونيو- لا أهداف جغرافية فحسب.

وفي قمة الأهداف السياسية. الاعتراف بوجوده وتأمين حدوده، فهل إحباط أهداف العدو هذه، يعتبر جنونًا وهوسًا؟ أليس من العقل أن ندرك الحقائق، وأن نرمي بأبصارنا إلى بعيد؟ إن اليهود اغتصبوا فلسطين، طردوا أصحاب البيت وسرقوه، وسكنوا فيه، هذا هو الوضع في صورته المبسطة.

وإقرار هذا الوضع بادرة مفزعة، لأنه تكأة لسرقات جديدة في المستقبل، سرقات يحاول اليهود أن يمنحوها صفة الشرعية، تمامًا كما يحاولون الآن.

والفلاسفة الذين يحاولون ترويض ضمير الأمة على قبول الكيان الصهيوني في المنطقة، وتصوير قرار مجلس الأمن رقم ٢٤٢ على أنه انتصار عظيم، هؤلاء ليسوا واقعيين كما يدعون.

فالواقع، ليس معناه فلسفة عقيمة تبرر المظالم في الأرض وتحول الباطل إلى حق، لو أخذ البشر بهذه النظرية التبريرية، لما حدث أبدًا تقدم في الحياة، ولما رفع الأحرار يومًا راية الكفاح من أجل الحق والحرية. نفهم أن يؤجل الكفاح كثيرًا أو قليلًا وفق الظروف والإمكانات، لكن الذي لا يفهم قط هو: إلغاء حق المكافحين في الكفاح، وإقرار الباطل في هذه الحياة. إن صلاح الدين الأيوبي حين سقط بيت المقدس لم يكن قد ولد بعد.

ولقد نشأ الوليد والبيئة حوله تموج بالسخط والكراهية للغزاة المحتلين، ورغم مرور قرن على سقوط بيت المقدس، كان المسلمون ينظرون إلى الاستعمار الصليبي على أنه «استعمار صليبي».

لم يحوله مرور الزمن إلى حق، ولم يجعله تطاول الأيام «وجودًا مشروعًا».

فلما كبر صلاح الدين، كان إحساسه بالاستعمار الصليبي إحساس من احتلت بلاده مساء أمس. وذلك بفضل الرفض الحاسم والمتتابع واليقظ دومًا للوجود الصليبي في بيت المقدس.

لم يشهد المجتمع المسلم آنذاك فلاسفة في صفوفه يبررون الاحتلال الصليبي. أو يروضون ضميره على قبول «الأمر الواقع».

أمر واقع!!!

إن هذه النظرية، بهذه الطريقة تنسخ تمامًا قيم الحق والعدل في الأرض، وتمهد الطريق للظالمين والمستعمرين والطغاة، كي يمارسوا طغيانهم واستعمارهم. ما الفرق بين هذه النظرية، وبين نظرية مماثلة تتيح للأمريكيين- مثلًا-الحق في احتلال منابع النفط، ثم تحويل هذا الاحتلال إلى «أمر واقع»، ثم إعطاء الأمر الواقع صفة الوجود المشروع؟ ما الفرق؟

إن التفريط في قيمة واحدة يؤدي إلى التفريط في القيم جميعًا. وأن استباحة دم إنسان واحد بغير حق معناه قتل الناس جميعًا. وأن الرضا باحتلال شبر معناه الرضا باحتلال عشرات الأميال.

في الأربعينات وجد فلاسفة من النوع إياه، يبررون وجود الاستعمار، باعتباره «أمر واقع» «ومن الحكمة والاستنارة العقلية-هكذا يزعمون- الرضا بوجوده والتعايش- معه!!»

وفي نفس الوقت كان هؤلاء الفلاسفة يخذلون عزائم المجاهدين ويثبطون همم المكافحين، ويشيعون المخاوف في صفوف الأمة ويرددون دومًا: أين نحن من فرنسا القوية، وبريطانيا العظمى، وإيطاليا الباطشة وهولندا الكاسحة؟ كانوا يقولون في غضب مفتعل: لماذا لا نكون واقعيين ونقنع بواقع الحال، ونعمل في «حدود الممكن»؟  ثم يفسرون «الممكن» وفق تصور مرتعش مهزوم ويقولون الممكن هو التعايش مع الاحتلال!!

يا للتخلف!! تصوروا لو أن الأمة أخذت بحكمة هؤلاء، واستجابت لنزعتهم المثبطة؟

أكيد، لو حدث هذا لظلت الأمة تحت ثقل الاحتلال إلى اليوم، ولتأخرت حركة التاريخ والتقدم البشري عشرات السنين إلى الوراء.

يقولون: إن الوضع مختلف الآن.

صحيح، ونحن نعرف أن صعوبات جديدة ظهرت أمام كفاحنا ضد أعدائنا.

نعم، ولكن هناك إمكانات جديدة-ربما فاقت الصعوبات في القدر، وناوأتها في الاتجاه- أصبحت تحت أيدينا.

إمكانات بشرية وعلمية ومالية واقتصادية وسياسية- فلقد كنا في عهد الاستعمار مستعمرين والآن أصبحنا مستقلين- وإمكانات أقوى في أسباب الكفاح وعوامله ودوافعه.

وحصر الصعوبات في حدودها الطبيعية اتجاه علمي يجعلنا أقدر على الإعداد والاستعداد. والحقيقة أن الأساطير التي أحيط بها عدونا- لا الصعوبات المعقولة والممكن التغلب عليها.

-هذه الأساطير هي التي عوقت كفاحنا ولا تزال تعوقه ولنقل بشجاعة: أن أسطورة تفوق العدو لم يكن لها مكان لا في قلوب أفراد جيوشنا ولا في نفوس شعوبنا.

إن الذي أنشأ أسطورة اليهود في المنطقة هم بعض الساسة وبعض الكتاب.

كانوا يتحدثون عن تكنولوجيا العدو وبراعته بطريقة ترفعه فوق مصاف البشر، وكان الرعب يملأ نفوسهم هم لا نفوس شعوبنا بدليل أنه حين خلي بين جيوشنا وبين عدونا لم تكن هناك أسطورة تفوق العدو.

إن أبناء أمتنا العاديين اقتحموا حصون العدو بشجاعة وقاتلوه بصبر وإقدام.

والذي نخشاه أن الذين صنعوا أسطورة تفوق العدو أمس يحاولون اليوم أن يحيطوه بهالة جديدة من التفوق والهيبة!! وعلى المفكرين والمثقفين الأصلاء واجب جليل في تجريد العدو من الهالات المصطنعة حتى يظهر بإمكاناته العادية.

وعندئذ، تسقط مبررات التخاذل والتثبيط.

وعندئذ نقاتل بشرًا مثلنا، لا أبطال أساطير، ونحاربهم بإمكانات علمية، لأنهم لا يملكون خوارق ولا معجزات.

إن من أقوى أسباب شرعية القتال: أنه يحسم الظروف المعقدة، والمماطلات الباطلة، والمعادلات الملتوية التي تستلب الحقوق بأسلوب ماكر.

إن کاردون الإنجليزي صاغ قرار مجلس الأمن رقم ٢٤٢ بطريقة خبيثة. ووضعنا أمام معادلة بالغة التعقيد.

أن ينسحب العدو من سيناء والجولان والضفة الغربية من الأردن، هذا على افتراض أنه سينسحب-.

ومقابل ذلك تعترف الدول العربية بالكيان الصهيوني وتؤمن حدود العدو، وتنهي حالات الحرب معه هذه المعادلة، بوضعها هذا تنطوي على مظالم شائنة وعلى استغفال لوعينا، وإهانة لذكائنا السياسي، إن العدو احتل أراضي مصرية وسورية، وعليه أن يرجعها دون مقابل. لماذا؟ لأن فلسطين- ببساطة، ليست ملك مصر، ولا ملك سورية حتى تكون ثمنًا لاسترجاع سيناء والجولان في هذه الظروف المعقدة جدًا. فإن القتال هو الذي يحسم الموقف. وحتى بمنطق المناورة السياسية لا ينبغي أن يقبل العرب بهذه المعادلة الخبيثة. يجب أن يطرح العرب مشروع تعديل لقرار مجلس الأمن رقم ٢٤٢.

وأن ينص التعديل على أنه من حق مصر وسورية استرجاع أراضيهما كاملة، أما قضية فلسطين فهي تخص الفلسطينيين وليس من حق مجلس الأمن أن يمنح فلسطين لليهود مقابل رد سيناء والجولان لمصر وسورية.

إنه كما يحتاج القتال إلى الشجاعة يحتاج العمل السياسي إلى الذكاء.

هب أن العدو طمع في الجولان كله، وأراد أن يخطط لذلك بعمل سياسي ماكر، فإنه في هذه الحالة سيحتل- لا قدر الله- جزءًا آخر من سورية، ثم يدخل في مساومة خادعة، ويقول في استهزاء خذوا الجزء الجديد، وأعطوني الجولان، وإلا فأنا باق في الجديد والقديم! ولماذا نفترض ذلك بينما العدو طبق هذه الخطة فعلًا؟

إن تسلله للضفة الغربية من القناة كان استراتيجية سياسية خطيرة.

فلقد تسلل إلى هناك لكي يساوم ويقول: خذوا الضفة الغربية وأعطوني الضفة الشرقية! وتسلل إلى هناك لكي يضيق دائرة مطالبنا، ويوسع دائرة أطماعه.

يريدنا أن نطالب برجوعه إلى حدود 22 أكتوبر 1973، ونؤجل المطالبة برجوعه إلى حدود 5 يونيو 1967.

وتقول قائدة العدو جولدا مائير: إن العرب يطالبون بأن نرجع إلى حدود 22 أكتوبر. ونحن لن نفعل ذلك حتى تتحسن شروط «السلام الدائم»!

هذه الأهوال كلها تأتي إلينا من التسليم بمعادلة كاردون، الموجزة في استرجاع سيناء والجولان مقابل منح الكيان الصهيوني شرعية الوجود وأمن الحدود، والسيادة الإقليمية.

إن بعد النظر واقع، يعفي الأمة من ورطات الحاضر، ويجعل مستقبلها أكثر موضوعية وإيجابية ووعيًا.

وقبل أن نغادر الحديث عن «حرب الذكاء» السياسي، يجب أن ننتبه لشعار جد خطر ذلك أن بعض المصابين بالقصور السياسي يخلطون بين ضرورة الوحدة أيام القتال، والإجماع على قرار مجلس الأمن 242.

وهذا غباء ضخم!

فإن الإجماع على قبول قرار مجلس الأمن كارثة قومية تسد أبواب الأمل في وجه الأمه كلها.

إن حق الرفض يجب أن يكفل فإن العدو حريص جدًا على أن يجمع العرب- مشرقًا ومغربًا- على قبول قرار مجلس الأمن، وأن يوقف إطلاق النار ضد العدو في الأمة العربية كلها اليوم، وغدًا.

والمسؤولية أمام الله، وأمام التاريخ، وأمانة الوجود الحضاري أمام الأجيال المقبلة، يقتديان رفض السير في هذا الطريق.

إن الاعتقاد ببطلان الكيان اليهودي في فلسطين المحتلة يجب أن يكون قائمًا ومتقدًا أبدًا، لا يغيب ولا يمهد وهذا الاعتقاد لا يتوفر في ظروف الإجماع على قرار مجلس الأمن.

إن باب الكفاح المسلح ضد العدو يجب أن يكون مفتوحًا أبدًا، وأن فرص التحرير أمام الأجيال المقبلة يجب أن تكون مكفولة، وهذا لا يتحقق في ظروف الإجماع على قرار كاردون، أو وعد بلفور الجديد.

من هنا كان موقف الكويت هو أعدل المواقف وأبعدها نظرًا وأقر بها إلى الإنصاف.

فقد رفض الكويت قرار مجلس الأمن رقم 242، وفي نفس الوقت أقر حق الدول العربية التي احتلت أجزاء من بلادها في تحرير أرضها بأية طريقة.

موقف الكويت هذا يعني:

الاحتفاظ اليوم وغدًا بحقوق الشعب الفلسطيني كاملة، في تحرير أرضها بأية طريقة.

وأن تسترجع الدول العربية أرضها من العدو دون أن يكون ذلك على حساب فلسطين.

هذا الموقف العاقل العادل يجعل الباب مفتوحًا أمام الأجيال لكي تمارس دورها، وتحقق نبوءة الرسول-عليه الصلاة والسلام- في حتميه الصدام بين المسلمين واليهود.

بقيت نقطة أخيرة عن سلاح البترول.

إن سلاح البترول يصبح أكثر فعالية مع القتال، في أهرام ٣-١١- ٧٣ كتب الأستاذ أحمد بهاء الدين يقول: «ومن هنا كان لابد أن يقترن استخدام سلاح البترول، بالقتال، وبغير استمرار العرب على إعطاء الدليل على أنهم مستعدون للتضحية بالدم أولًا لن يصدق العالم أنهم مستعدون للتضحية بالبترول.

وهذا كلام جيد ضد محاولات الذين يحاولون تسخير البترول لا من أجل دعم القتال، وإنما من أجل حلول يرضاها العدو.

وسلاح البترول تقل فعاليته إذا اقترن بمصالحة أمريكا التي زودت عدونا بالسلاح والرجال وقتلت نساءنا وأطفالنا ودكت مساجدنا.

إن صيحة الدين وشهامة الرجال يقتديان باتخاذ الموقف الشجاع الكريم ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (محمد: 35)

الرابط المختصر :