; العز بن عبد السلام.. سلطان العلماء | مجلة المجتمع

العنوان العز بن عبد السلام.. سلطان العلماء

الكاتب عبداللطيف الصباغ

تاريخ النشر السبت 06-أغسطس-2005

مشاهدات 0

نشر في العدد 1663

نشر في الصفحة 52

السبت 06-أغسطس-2005

العز بن عبد السلام.. سلطان العلماء

د. عبد اللطيف الصباغ

في العاشر من جمادى الأولى عام ٦٦٠ هـ رحل عن عالمنا سلطان العلماء عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام السلمي، المعروف بالعز بن عبد السلام. لم يترك العز آثارًا علمية تتناسب مع ما بلغه من مكانة بين علماء عصره، لكنه جسد بعلمه مواقف سوية في مواجهة البغي والظلم، التف الناس حوله، حتى قال السلطان الظاهر بيبرس لما رأى الجموع الغفيرة تشيعه: «اليوم استقر أمري، لو قال هذا الشيخ للناس اخرجوا عليه لخرجوا».

وبذل الشيخ جهده في الحفاظ على مصالح الأمة، فقد عاصر أحداثًا جسامًا مرت بالعالم الإسلامي، تمثلت في كثرة الانقسامات الداخلية، وهجمات الصليبيين والتتار، فتفاعل معها بإيجابية، ولم يخش في الحق لومة لائم. استحضر في الحق معية الله وجبروته فتصاغر كل ذي سلطان أمامه.

نشأته ووظائفه

ولد العز بن عبد السلام في أسرة فقيرة مغمورة، بدمشق عام ٥٧٨هـ على الأرجح، طلب العلم بعد سن البلوغ، فأخذ عن كبار شيوخ عصره، لم يكتف بعلماء دمشق، وإنما سافر إلى بغداد، فمكث في حضرة علمائها فترة، ثم عاد إلى دمشق ناضجًا، فمارس التدريس والإفتاء والقضاء والخطابة في المساجد، فتصدى للبدع والمنكرات ومظاهر الفساد، كما تصدى لتجاوزات الحكام.

موقفه من الاستعانة بالصليبيين ضد المسلمين

شهد العز بن عبد السلام انقسام بني أيوب بعد وفاة صلاح الدين، واستعانة بعضهم بالصليبيين ضد بعض، فاستعان الصالح إسماعيل حاكم دمشق بالصليبيين ضد ابن أخيه نجم الدين أيوب حاكم مصر؛ خوفًا منه على سلطانه، وفي المقابل تنازل لهم عن بعض حصون المسلمين، وسمح لهم بدخول دمشق وشراء الأسلحة منها، فعارض العز الاستعانة بالصليبيين ضد المسلمين، وأفتى بحرمة بيع السلاح للفرنجة؛ لأنهم يقاتلون به المسلمين. وعَرَّض بالملك الصالح إسماعيل على المنبر ولم يدع له، فاعتقله ثم أفرج عنه، فكان ذلك سببًا في خروجه إلى مصر، ثم عاد واعتقله مرة أخرى بمعرفة حلفائه في القدس، لكنه رفض الانكسار والانصياع فظل رهن الاعتقال حتى انتصرت الجيوش المصرية على الفرنجة وحلفائهم عام ٦٣٩هـ، فخرج إلى مصر، حيث استقبله ملكها نجم الدين أيوب، مرحبًا، وولاه القضاء والخطابة في جامع عمرو بن العاص.

بيعه أمراء المماليك

كان الملك نجم الدين أيوب قوي الشكيمة شديد البأس، فلمَّا ولي ابن عبد السلام القضاء في مصر عطل مصالح أمراء المماليك، فلم يمض لهم بيعًا ولا شراء؛ لأنهم مماليك اشتراهم الملك نجم الدين أيوب من بيت مال المسلمين، واستعملهم في خدمته وجيشه وتصريف أمور دولته، فلا حق لهم شرعًا في بيع أو شراء. وطالب العز بعقد مجلس يباعون فيه ويرد ثمنهم لبيت مال المسلمين ويُعتقون بطريق شرعي، فيصبح لهم ما للأحرار، غضب المماليك وغضب الملك نجم الدين، فقرر العز بن عبد السلام عزل نفسه من القضاء والرحيل بأهله إلى بلاد الشام، التف الناس حوله متظاهرين رافضين رحيله فلحق به الملك واسترضاه ونزل على رأيه. حاول المماليك التخلص من العز فذهب إليه نائب السلطنة في حاشيته شاهرًا سيفه، فلما دق الباب ارتعدت فرائص عبد اللطي العز فقال العز لابنه بثقة وتواضع: «.. فأبوك أقل من أن يقتل في سبيل الله».. و .. العز لنائب السلطنة بهيبة العلماء، فارتعد السلطنة ونكَّس سيفه، وسأله عمَّا سيفعل فقال: أنادي عليكم وأبيعكم بنفسي ف العز وغالى في ثمنهم، وقبضه وأنفقه في الخير ومصالح المسلمين.

إسقاط عدالة الوزير:

كان لمعين الدين وزير الملك نجم الدين سطوة وسلطة، وكان قد أمر ببناء طبلخا لهو) فوق مسجد، فلما علم العز بها سا وتلاميذه، فهدمها، وأسقط عدالة .. المذكور. فكانت واحدة من المرات القلي تصدى فيها للمنكر فغيره بيده غض الدين وغضب نجم الدين أيوب، فعز نفسه عن القضاء مرة أخرى، ورفض الا هذه المرة لنجم الدين في العودة إلى الـ لكنه بقي معلمًا للمذهب الشافعي.

 

موقفه من ولاية شجر الدر

استمر النزاع بين ملوك بني أيو انقض عليهم مماليكهم، وقتلوا توران .. ملوكهم وسلبوا الحكم منه عام .. أعقاب معركة المنصورة، وعندما اتفق .. على ولاية شجر الدر واشتراك الأم التركماني معها في إدارة البلاد عارض عبد السلام أن تتولى امرأة أمر المسلمين مع هذا الرأي الخليفة العباسي .. الدر المعارضة في الداخل والخارج خلعت، ها لصالح أيبك الذي تزوجها، فاستقام .. الأمراء المماليك.

في عام ٦٥٦هـ استولى هولاكو على بغداد ها وقتل الخليفة العباسي، ثم انتقل التتار سيا الصغرى وبلاد الشام، فاستولوا ما وعاثوا فيهما فسادًا وهددوا مصر. مع نائب السلطنة العلماء والقضاة تشارهم في جمع الأموال من الشعب تعانة بها في جهاد التتار، فأفتى العز بن عبد السلام بعدم جواز ذلك إلا بعد استنفاد عند أمراء المماليك من الذهب والذخائر انس، فلا يبقى للواحد منهم إلا سلاحه ه وبايع الحضور قطز، لضعف الملك ور، وقبل قطز فتوى العز فكون بما جمعه .. المماليك جيشًا جرارًا. وفي المقابل ألهب ومن معه من العلماء حماس المقاتلين ة، وتمكن الجيش بقيادة قطز من دحر ر في عين جالوت في شهر رمضان ٦٥٨هـ ر بلاد الشام من رجسهم.

هر بيبرس وخاتمة الشيخ

ل تربص الظاهر بيبرس بالملك المظفر قطز .. أثناء عودته من بلاد الشام منتصرًا .. ووثب على الحكم، رفض العز بن عبد السلام مبايعته .. جاء من شهد بعتقه، فقد كان معروفًا أنه ك، ومع ذلك كان بييرس يجل الشيخ ابن عبد السلام ويعمل بفتواه.

وفي مرض الشيخ الأخير زاره بيبرس ب إليه أن يخلف في منصبه من شاء من .. فقال الشيخ بتجرد لله: ليس فيهم من ج ورشح شيخًا آخر. وعلى الرغم مما كان سبه وجود مثل هذا الشيخ من متاعب ام، فقد حزن عليه بيبرس حزنًا شديدًا لما .. المنية.

رحم الله العز بن عبد السلام، وجعله سًا لمشايخنا في هذا العصر، فما أحوج بنا إلى مثله.

المراجع

.. إياس بدائع الزهور في وقائع الدهور

القاهرة، ١٩٧٥).

.. كثير، البداية والنهاية (بيروت ١٩٦٦).

مد يوسف القرعي، سلطان العلماء (القاهرة ت)

د الله الوهيبي العز بن عبد السلام، حياته آثاره ومنهجه في التفسير (الأحساء ط٢، 1982)

النجاح المتوازن

د. مجدي الهلالي

مفهوم النجاح عند كثير من الناس يعني تحقيق الأهداف المرسومة على أكمل وجه.

وهذا صحيح، فالنتائج بلا شك هي أكبر دليل على النجاح، ولكن قد يصاحب هذا النجاح سلبيات في اتجاهات أخرى تظهر آثارها بعد حين فعلى سبيل المثال: الذي يريد السفر إلى بلدة من البلاد تبعد عن بلدته مسافة أربعمائة كيلومتر، واستخدم في ذلك سيارته، وقادها بسرعة كبيرة جعلته يصل إلى مقصده في حوالي ساعتين....

هذا الشخص بمقاييس النجاح المرئية قد نجح نجاحًا باهرًا في سرعة الوصول لهدفه، ولكن في مقابل هذا النجاح العظيم فإن هناك في الغالب أضراراً قد لحقت بصحته وبأعصابه التي قد يزداد توترها. وكذلك فإن الأضرار قد تشمل السيارة فتقل كفاءتها بمرور الوقت وبأسرع مما هو متوقع.

 وفي المقابل فإن هذا الشخص لو قاد سيارته بسرعة متوسطة وقطع المسافة في أربع ساعات -مثلًا- فإنه يكون بذلك قد نجح أيضًا في الوصول لهدفه.. نعم، نجاحه ليس نجاحًا باهرًا، لكنه تمكن من الوصول لهدفه مع المحافظة على صحته وأعصابه وكذلك سيارته.

هذه الصورة الثانية من النجاح المتوسط هي في الواقع تمثل صورة النجاح الحقيقي، فمفهوم النجاح لا بُد أن يشمل تحقيق النتائج، مع المحافظة على الأشخاص والأدوات المصاحبة.

 

من صور النجاح الناقصة

ولأن النجاح في ذهن الكثيرين منا مرتبط بتحقيق أكبر قدر من النتائج الإيجابية في العمل المطلوب القيام به فإن السلبيات التي يخلفها هذا النجاح -لأحادي الاتجاه- كثيرة ومتعددة.

فإن كنت في شك من هذا فماذا تقول لمن يواصل العمل بالليل والنهار أيامًا وأيامًا من أجل ترتيب إقامة مؤتمر من المؤتمرات ويترك الفوضى تعيث في بيته، ولا يعلم شيئًا عن أبنائه، ولا عن عباداتهم أو سلوكياتهم؟ أيمكن أن نطلق على هذا الشخص أنه إنسان ناجح؟!

وماذا تقول لمن يظل مستيقظًا لساعة متأخرة من الليل لينتهي من وضع التصور المقترح لعمل من أعمال الدعوة، ثم ينام بعد ذلك فلا توقظه إلا أشعة الشمس؟!

 نعم، لقد نجح في أداء ما كلف به، ولكنه فشل مع نفسه.

المحافظة على الأفراد

من هنا يتضح لنا أن مفهوم النجاح الحقيقي هو الذي يحقق التوازن والإيجابية في دوائر العمل المختلفة للفرد ويأتي على رأسها: نفسه، بيته، مجتمعه، ومما يلحق بذلك أيضًا ضرورة المحافظة على الأفراد من فتنتهم بأنفسهم أو فتنة الناس بهم فليس معنى أن الله حبا البعض إمكانات خاصة تؤهلهم للتركيز والنجاح في الأعمال التي يكلفون بها أن يستمر تكليفهم بأعمال كثيرة ينجحون فيها ولكن يخسرون أنفسهم، ولله دَرُّ عمر بن الخطاب عندما عزل خالد بن الوليد عن قيادة جيش المسلمين وهم على أهبة الاستعداد لملاقاة الروم في معركة اليرموك.

لقد طبق عمر -رضي الله عنه- مفهوم النجاح المتوازن، فهو يريد الحفاظ على أخيه خالد كما يريد الانتصار في المعركة... نعم، قد لا يكون الانتصار باهرًا، لكنه أفضل من الناحية الشاملة التي تراعي الحفاظ على الأشخاص والنتائج في آن واحد.

إن نجاحنا المتوسط في تحقيق الأهداف، مع الحفاظ على بعضنا البعض أفضل بكثير من نجاحنا الباهر مع خسارتنا لأنفسنا أو بيوتنا... فلنتواضع إذن في أهدافنا من أجل تحقيق النجاح المتوازن .

الرابط المختصر :