; العراق ولبنان نموذجان للطائفية في الشرق الأوسط.. الدين ودوره المقبول لدى أمريكا! | مجلة المجتمع

العنوان العراق ولبنان نموذجان للطائفية في الشرق الأوسط.. الدين ودوره المقبول لدى أمريكا!

الكاتب عاطف الجولاني

تاريخ النشر السبت 11-يونيو-2005

مشاهدات 70

نشر في العدد 1655

نشر في الصفحة 22

السبت 11-يونيو-2005

قبيل الهجوم على العراق عام ٢٠٠٣ جرى الحديث عن مخطط أمريكي لإعادة رسم الخرائط السياسية والجغرافية والديموغرافية للمنطقة, وذهب البعض إلى استحضار اتفاقية «سايكس بيكو» التي قالوا إن إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش تحاول إعادة إنتاجها على الطريقة الأمريكية. والراصد لبارومتر الحالة الطائفية في المنطقة يلحظ تزايدًا خطيرًا في حالة الفرز الطائفي في العديد من الساحات العربية مقارنة بالوضع ما قبل عامين أو ثلاثة؛ ولأن تكريس هذه الحالة لم يكن عفويًّا، بل جاء بدفع أمريكي محموم، فإن هناك من يرجح وجود مشروع أمريكي لتمزيق المنطقة عبر بوابة الطائفية يجرى تنفيذه على خطوات.

النموذج العراقي

البداية كانت في العراق الذي يقف هذه الأيام على شفا انقسام طائفي وعرقي خطير لم يشهده من قبل، حيث أطل شبح الحرب الطائفية خلال الأسابيع الماضية برأسه بكل قوة, وسط اتهامات متبادلة بارتكاب تصفيات وأعمال قتل على خلفية طائفية. وتتحدث التقارير الواردة من العراق عن عمليات قتل تتم على البطاقة الشخصية وعلى الاسم حين يتبين أن صاحبها ينتمي إلى طائفة معينة! وقد حرصت سلطات الاحتلال الأمريكي منذ البداية على اعتماد صيغة الفرز والتقاسم الطائفي في كافة المواقع في العراق, فمجلس الحكم الانتقالي برئاسة الحاكم الأمريكي بول بريمر تم تشكيله وفق المحاصصة الطائفية والعرقية، والحكومة الانتقالية تم توزيع حقائبها وفق نفس المعادلة، وذات الأمر انطبق على البرلمان المؤقت الذي تم تعيينه آنذاك. كما جاءت انتخابات الجمعية الوطنية العراقية قبل أربعة شهور؛ لتكرّس حالة الفرز الطائفي أيضًا ثم جرى تقاسم «الرئاسات» الثلاث في الدولة تقاسمًا طائفيًّا وعرقيًّا. فرئاسة الدولة ذهبت للأكراد, ورئاسة الوزراء للشيعة, ورئاسة الجمعية الوطنية للعرب السنة، الأمر نفسه انطبق على تقاسم الحقائب الوزارية التي تم توزيعها وفق توليفة طائفية!.

إشعال النار

ويرى كثيرون أن العراق بات مقسمًا من الناحية العملية إلى «كانتونين» طائفيين, وثالث عرقي، ولا يستبعدون أن يكون تفجير التناقضات الطائفية خطوة أولى باتجاه تكريس حالة الانقسام وتمزيق العراق إلى ثلاث دويلات هزيلة. ولا يستبعدون كذلك أن يكون النموذج العراقي قابلًا للتسويق أمريكيًّا في دول عربية أخرى، وثمة العديد من الدول العربية قد تكون مرشحة لتطبيق ذات السيناريو, وتأتي سوريا في مقدمة الدول المهددة بالتفجير والتمزيق عبر إذكاء التناقضات الطائفية والعرقية، لا سيما أن الوضع يبدو للأمريكيين مشجعًا, فهناك علويون ومسيحيون وأكراد يتقاربون في نسبهم التي يصل مجموعها نحو ثلث السكان، يضاف إلى ذلك العرب السنة الذين يصلون إلى نحو الثلثين، وإلى جانب سوريا هناك السودان ودول خليجية مهددة هي الأخرى بمخططات التمزيق الطائفي!.

انتخابات طائفية

من المعروف أن الفرز الطائفي في لبنان كان قائمًا قبل التدخل الأمريكي المباشر في الشؤون اللبنانية خلال الشهور الأخيرة، إلا أن الملاحظ بوضوح أن تزايدًا كبيرًا ظهر مؤخرًا في النزوع إلى الانتماءات الطائفية التي باتت مجددًا رئيسًا للتحالفات والاستقطابات في الساحة اللبنانية, ويخشى أن استمر الشحن الطائفي القائم والمدعوم خارجيًا، أن تدفع الأمور إلى وضع لا تحمد عقباه، يكون الخاسر الأول فيه لبنان والأمة العربية, والمستفيد الأكبر تل أبيب وواشنطن!.

والملاحظة التي تسترعي الانتباه في الحالتين اللبنانية والعراقية، أن دور الدين والمرجعيات الدينية الذي تبدي الإدارة الأمريكية حساسية بالغة تجاهه، يغدو مقبولًا ومرحبًا به إذا ما انسجم مع التوجهات الأمريكية لتمزيق المنطقة وفق اعتبارات طائفية. ففي الحالة اللبنانية تحول مقر البطريرك نصر الله صفير في بكركي إلى مزار يؤمه السياسيون من الداخل والخارج، لا للحصول على الدعاء والبركة الدينية, بل للتشاور مع البطريرك ومجلس المطارنة في أدق التفاصيل السياسية بعد أن تحول المجلس إلى طرف أساسي في السياسة اللبنانية!.

كما أن المتابع للشأن اللبناني يفاجأ بالدور السياسي النشط الذي يلعبه صفير ومجلس المطارنة، حيث أصدروا الكثير من التصريحات الصحفية حول قانون الانتخابات ومجريات العملية الانتخابية, وبصورة لا تختلف مطلقًا عن الدور الذي يلعبه أي حزب سياسي. وبرغم أن المسيحية تترك «ما لله لله، وما للقيصر لقيصر»، وتفصل بين الدين والدولة, لم تجد إدارة بوش «المتدينة» أي حرج أو بأس في أن يلعب الدين والمرجعيات الدينية في لبنان أدوارًا سياسية مهمة لكون ذلك يتفق مع توجهاتها السياسية في المنطقة. ذات الأمر ينطبق على الحالة العراقية في أحوال كثيرة.

لم تجد إدارة بوش «المتدينة» أي حرج في أن يلعب الدين في لبنان أدواراً سياسية مهمة.

الطعن في النزاهة!

الفارق الوحيد في تعاطي الإدارة الأمريكية مع الحالتين العراقية واللبنانية، أنها اشترطت انسحاب القوات السورية من لبنان قبل إجراء الانتخابات، حيث اعتبرتها قوات احتلال, وقالت: إن إجراء الانتخابات في ظل وجودها يطعن في نزاهة الانتخابات وشفافيتها، أما في العراق فلم تجد حرجًا في إجراء الانتخابات تحت حراب جنودها المحتلين للعراق وفي ظل سيطرتهم الكاملة على تفاصيل العملية الانتخابية، ولم تعتبر ذلك أمرًا يطعن بنزاهة الانتخابات وشفافيتها. وإذا كانت ملامح التوجه الأمريكي لإذكاء الطائفية في المنطقة وفي العالم العربي والإسلامي، تمهيدًا لتمزيقه إلى فرق و «كانتونات» متناحرة، قد باتت واضحة للعيان, فإن السؤال الأهم هو حول الأسلوب الناجع في التصدي لهذا المخطط الذي يستهدف إضعاف الأمة وتمزيقها وتغذية عوامل الانقسام والفرقة في صفوفها، لا سيما أنه حقق بعض النجاحات في العراق ولبنان. ولا شك أن التجاوب مع محاولات الدفع باتجاه الاحتراب والاقتتال الطائفي يخدم هذا المخطط وينسجم مع توجهاته، والمنطق والمصلحة يستدعيان من الجميع الكثير من الحذر لتجنب الوقوع في حبائله!.

الرابط المختصر :