العنوان العجز العربي أمام القوة النووية للكيان الصهيوني
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أبريل-1995
مشاهدات 85
نشر في العدد 1146
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 18-أبريل-1995
·
إستراتيجية
«إسرائيل» النووية تقوم على منع أي طرف عربي أو إسلامي من امتلاك السلاح النووي
وضرب أية محاولة تسير في هذا الاتجاه.
· أصبحت إسرائيل تملك 200 رأس نووي وصواريخ بعيدة
المدى وصواريخ تجسس وتقنيات عسكرية هائلة بينما العرب ينتظرون القرار السياسي.
في استطلاع للرأي أجري مؤخرًا،
أعرب 61% من الإسرائيليين عن تأييدهم لوجوب العمل على زيادة القدرة العسكرية
لإسرائيل، مقابل 39% فقط أعربوا عن اعتقادهم بضرورة التركيز على المفاوضات. وفي
الوقت الذي تمارس فيه الولايات المتحدة والدول الغربية ضغوطًا على الدول العربية
والإسلامية؛ لتخفيض برامج تسلحها العسكري وتقليص قدراتها العسكرية، فإن هذه
الأطراف تعمل وبشكل حثيث على زيادة القدرات العسكرية الإسرائيلية لتبقى المهيمنة
في المنطقة.
ففي العام السابق 1994م، توصلت
الولايات المتحدة مع الإسرائيليين إلى اتفاق تقوم الولايات المتحدة بموجبه بتزويد
«إسرائيل» بـ50 طائرة أمريكية متطورة من طراز إف 16، وعشر مروحيات من طراز بلاك
هوك، و450 مصفحة، و336 شاحنة. وقبل أيام قام سلاح البحرية الإسرائيلي بتدشين ثالث
سفينة حربية قاذفة للصواريخ تم بناؤها في الولايات المتحدة من طراز سار- 5، ويبلغ
طول هذه السفينة 86 مترًا، وعرضها 12 مترًا، ووزنها 130 طنًا، وتستطيع المكوث داخل
البحر مدة 24 يومًا دون الحاجة إلى مساعدة من السواحل.
كما تقوم «ألمانيا» ببناء غواصتين
بحريتين متطورتين من طراز «دولفين» في أحواض السفن الألمانية لتسليمها لسلاح
البحرية الإسرائيلي عام 1997م، وتبلغ تكاليف الغواصة الواحدة حوالي 210 مليون دولار،
وتزن 1925 طنًا، وتحمل 14 طوربيدًا وصواريخ بحر- بحر. والجدير بالذكر أن هاتين
الغواصتين ستقدمان كهدية من الحكومة الألمانية، فيما ستقوم ألمانيا بتمويل 50% من
تكاليف غواصة ثالثة من نفس الطراز بناءً على اتفاق مع الحكومة الإسرائيلية.
تطوير الصواريخ
أما على صعيد تطوير القدرات
العسكرية الذاتية، فإن الجيش الإسرائيلي يقوم بصناعة صاروخ «جيتش» المضاد للصواريخ
على غرار صواريخ الباتريوت، ومن المتوقع أن تكون المنظومة الأولى منه جاهزة في
غضون سنوات قليلة. ورغم فشل صاروخ روسي من طراز إس. إس 24 في وضع قمر صناعي
إسرائيلي تجسسي من طراز ستارت في مداره بالفضاء الخارجي في 28/ 3/ 1995م، فقد قامت
«إسرائيل» بعد أسبوع فقط في 5/ 4/ 1995م، بإطلاق قمر صناعي آخر من طراز أفق- 3
لأغراض التجسس من إحدى القواعد جنوب تل أبيب، وهو الثالث من نوعه بعد القمرين الاختباريين
اللذين أطلقتهما عام 1988م، و1990م.
ويدور القمر الإسرائيلي الجديد
حول الأرض مرة كل 90 دقيقة، ويمر في مساره الفضائي فوق سوريا وإيران والعراق، حيث
يمر فوق دمشق مباشرة، ويمر على مسافة 150 كيلومترًا إلى الشمال من العاصمة
الإيرانية طهران، وعلى مسافة 400 كيلومتر إلى الشمال من بغداد.
ومن المقرر أن تطلق «إسرائيل»
قمرًا صناعيًا آخر في شهر نوفمبر «تشرين ثاني» المقبل يحمل اسم أموس- 1 بواسطة
صاروخ من مجموعة أريان أسباس الأوروبية، ويتم تصنيع هذه الأقمار الإسرائيلية في
معهد التخنيون في مدينة حيفا.
وفي حين يُطلب من الدول العربية
والإسلامية تخفيض ميزانياتها العسكرية انسجامًا مع أجواء السلام التي تخيم على
المنطقة! فإن الميزانية العسكرية الإسرائيلية لعام 1995م قد زادت بنسبة 7,9% عن
العام الماضي، حيث بلغت 8,3 مليار دولار بزيادة 600 مليون دولار، وتشكل هذه
الميزانية 17,8% من مجمل أرقام الميزانية الإسرائيلية البالغة 49 مليار دولار.
ويضاف إلى تلك الميزانية العسكرية التي ترد تحت بند ميزانية الدفاع، 350 مليون دولار
تخصص لنفقات أجهزة الأمن الداخلي «الشين بيت»، والاستخبارات «الموساد» التي ترتبط
مباشرة برئيس الوزراء.
الانحياز الغربي لـ«إسرائيل»
ولا يتوقف الانحياز الغربي لصالح
العدو الإسرائيلي على الأسلحة التقليدية، وإنما يتعداه إلى الأسلحة النووية التي
تزعم الأطراف الغربية أنها حريصة على منع انتشارها في العالم، وفي منطقة الشرق
الأوسط بشكل خاص، فالولايات المتحدة تصر على أن توقع مصر والدول العربية على تجديد
معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية التي يفترض التوصل إليها خلال الشهر الحالي
والقادم، رغم أن أية دولة عربية لا تمتلك حتى الآن مشاريع نووية يمكن أن تسفر في
فترة قريبة عن امتلاك السلاح النووي. في حين أن الولايات المتحدة وبقية الدول
الغربية تغض الطرف عن رفض الحكومة الإسرائيلية التوقيع على المعاهدة، رغم أن مراكز
الدراسات والخبراء والمجلات المتخصصة يؤكدون امتلاكها لحوالي 200 رأس نووي جاهزة
للإطلاق ضد أهداف محددة على الخرائط، وتشمل مرافق حيوية عسكرية وصناعية واقتصادية
هامة في العالم العربي، كما تمتلك صواريخ بالستية طويلة المدى طراز «أريحا- 1»
مداها 500 كيلومتر، و«أريحا- 2» مداها 1500 كيلومتر، وصواريخ «لانس».
ولا تكتفي «الولايات المتحدة»
بالسكوت عن البرامج النووية الإسرائيلية، بل إن المسؤولين في الإدارة الأمريكية يتبنون
المواقف الإسرائيلية ويدافعون عن وجهة النظر الإسرائيلية الرافضة للتوقيع على
معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، وقد جاءت تصريحات الرئيس الأمريكي
«كلينتون»، ونائبه «آل جور»، ووزير خارجيته «كريستوفر» متطابقة تمامًا مع الموقف
الإسرائيلي الذي يرفض التوقيع على المعاهدة بحجة وجود دول في المنطقة تهدد الوجود
الإسرائيلي، وترى الولايات المتحدة أن الأطراف العربية يجب أن توقع على المعاهدة
دون ربط ذلك بتوقيع دول أخرى، ودون التقيد بأية جداول زمنية حول ذلك.
رفض إسرائيلي كامل
ولا يقتصر الرفض الإسرائيلي
للتوقيع على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية على الجانب الرسمي، وإنما
يتعداه إلى الجانب الشعبي، ففي استطلاع للرأي نشرت نتائجه في 24/ 2/ 1995م، عارض
71% من الإسرائيليين التوقيع على المعاهدة. ويذكر أن «إسرائيل» لم تنضم إلى معاهدة
الحد من انتشار الأسلحة النووية فيما وقعتها غالبية الدول العربية، وفي وقت مبكر.
السياسة النووية الإسرائيلية
وتتلخص المحاور الأساسية التي
ترتكز عليها السياسة الإسرائيلية النووية في المحاور التالية:
1- العمل بشكل حثيث على امتلاك
السلاح النووي وتطويره.
2- منع أي طرف عربي أو إسلامي من
امتلاك السلاح النووي، وضرب أية محاولات في هذا الاتجاه في مهدها، كما حصل عام
1981م، حيث قامت طائرات سلاح الجو الإسرائيلي بقصف المفاعل النووي العراقي
«أوسيراك». وقد صرح أمين عام تكتل الليكود «أيفيت ليبرمان» في 8/ 3/ 1995م أن:
«إسرائيل ستمنع بكل الوسائل روسيا من بناء مفاعل نووي في إيران».
3- إبقاء مسألة امتلاكها للأسلحة
النووية غامضة، وتجنب تأكيد أو نفي هذا الأمر، والهدف من ذلك هو تجنب انعكاسات
الإعلان بشكل رسمي عن امتلاك مثل هذه الأسلحة، وفي الوقت نفسه تحقيق هدف الردع
للدول العربية والإسلامية، وإخافتها من التفكير في ضرب الأهداف الإسرائيلية، أو
دخول حرب معها.
ولتحقيق هذا الهدف فإن مصادر
إسرائيلية تقوم بشكل غير مباشر بتسريب معلومات مضخمة حول القدرات الإسرائيلية
النووية، والكل يذكر كيف قامت «إسرائيل» عام 1986م، باختطاف الخبير الإسرائيلي في
المجال النووي الذي كان يعمل في مفاعل ديمونة الإسرائيلي «موردخاي فانونو» بحجة
أنه قام بتسريب معلومات حول الترسانة الإسرائيلية النووية، لمجلة «الصنداي تايمز»
البريطانية.
وقد بدأ الاهتمام الإسرائيلي
بامتلاك السلاح النووي منذ بداية الخمسينيات، وتم بناء مفاعل ديمونة النووي في
صحراء «النقب» عام 1957م، بمساعدة فرنسا، وتجري فيه الاختبارات الصاروخية
الإسرائيلية، وأقيم فيه مصنع صاروخ أريحا- 2، ويعتبر مركزًا للقاعدة الصاروخية
الإسرائيلية، ومخزنًا سريًا لقنابل «تل نوف» النووية، والأسلحة النووية التكتيكية.
وإضافة إلى مفاعل ديمونة فإن هناك
العديد من المواقع النووية في كفر زخاريا، وبير يعقوب، والجليل. وقد أكد وزير
الخارجية المصري قبل أيام أن: «إسرائيل» تقيم مشروعًا نوويًا على بعد كيلومترات من
الحدود المصرية، وهاجم تفرد «إسرائيل» بمعاملة خاصة في موضوع التوقيع على معاهدة
الحد من انتشار الأسلحة النووية، وقال: «إن هذه التفرقة تمس الكرامة العربية»،
ولكن ماذا عن الموقف العربي وما يعمله لمواجهة هذه الأخطار والتحديات؟
الموقف العربي
فقد جاء قرار جامعة الدول العربية
الشهر الماضي هزيلًا ومخزيًا ومتجاوبًا مع الضغوط الأمريكية، وترك المجال لكل دولة
عربية لكي تتخذ قرارها المستقل حول مسألة التوقيع على معاهدة الحد من انتشار
الأسلحة النووية، وهو ما سيؤدي إلى توقيع الغالبية العظمى من الدول العربية على
تلك المعاهدة دون ربط ذلك بتوقيع «إسرائيل». وهذا ما تريده بالضبط الحكومة
الإسرائيلية والإدارة الأمريكية، أن تبقى يد «إسرائيل» طليقة في امتلاك مختلف
الأسلحة التقليدية وغير التقليدية، وفي الوقت نفسه حرمان الأطراف العربية من قدرة
الدفاع عن نفسها أمام التهديدات الإسرائيلية، فضلًا عن أن تتمكن من تشكيل خطر على
الكيان الإسرائيلي.
ولذلك تبقى «إسرائيل» هي الطرف
الوحيد في المنطقة القادر على المبادرة في ظل عجز عربي إرادي مرده عجز أصحاب
القرار السياسي في عالمنا العربي والإسلامي، وعدم رغبتهم بمواجهة الضغوط التي
تمارسها القوى الدولية المتسلطة.
وقد أشار وزير العلوم الإسرائيلي
الأسبق «يوفال نئمان»- المسؤول عن لجنة الطاقة الذرية- في مقال صحفي إلى أن
«بإمكان العرب الحصول على السلاح النووي وفق طريقين: التطوير الذاتي، أو اقتناء
قنابل جاهزة»، وأضاف أن إمكانية اقتناء قنبلة ذرية جاهزة كانت ممكنة وواقعية جدًا
مع انهيار الاتحاد السوفيتي حيث يوجد حوالي 30 ألف رأس نووي.
إن المشكلة ليست في إمكانية
الحصول على السلاح النووي فحسب، فهي وإن كانت صعبة إلى حد ما فإنها ممكنة، ولكن
المشكلة كما ذكرنا هي في القرار السياسي الذي حرم العرب من امتلاك السلاح النووي
كسلاح رادع للسلاح النووي الإسرائيلي. فالقاعدة المعروفة أنه إذا امتلك طرفان
متعاديان سلاحًا نوويًا فإن ذلك يبطل مفعوله ويردع كل طرف من استخدامه تحسبًا لرد
الطرف الآخر، حيث لم يستخدم السلاح النووي حتى الآن ضد دولة تمتلك مثل هذا السلاح،
وإنما استخدم ضد أطراف لا تمتلك قدرة الرد بالمثل.
وليس من قبيل المبالغة أو التضخيم
القول بأن استمرار سياسة العجز العربي مقابل الجهود الإسرائيلية الحثيثة لتطوير
قدراتها العسكرية التقليدية وغير التقليدية، وجهودها في المجال الاستخباري
والتجسسي، سيؤدي إلى مزيد من الاختلال في موازين القوى سيصب كما هو الحال دائمًا
لصالح العدو الإسرائيلي الذي يحسن استثمار أوراقه بأفضل صورة ممكنة.
وفي ضوء هذا التصعيد الإسرائيلي العسكري الذي يمكن أن نصفه بأنه استعداد المحارب الذي يتوقع المعركة في كل لحظة، بل ويعد لها، لنا أن نتساءل عن حقيقة ما يسمى بمسيرة السلام المزعوم! وعن الاستعدادات العربية والإسلامية لمواجهة تحديات المرحلة المقبلة!