; العبودية لله والنصرة لدينه في حياة المرأة المسلمة | مجلة المجتمع

العنوان العبودية لله والنصرة لدينه في حياة المرأة المسلمة

الكاتب الدكتور محمد علي الهاشمي

تاريخ النشر الثلاثاء 27-سبتمبر-1994

مشاهدات 75

نشر في العدد 1118

نشر في الصفحة 60

الثلاثاء 27-سبتمبر-1994

تؤمن المرأة المسلمة الواعية هدي دينها إيماناً عميقاً بأنها خلقت في هذه الحياة الدنيا لهدف كبير، حدده رب العزة بقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56).

فالحياة في نظر المرأة المسلمة الراشدة ليست في قضاء الوقت بالأعمال اليومية المألوفة، والاستمتاع بطيبات الحياة وزينتها، وإنما الحياة رسالة على كل مؤمن أن ينهض بها على الوجه الذي تتحقق فيه عبادته لله، وهذا الوجه هو أن يستحضر النية في أعماله كلها أنه يبتغي بها وجه الله، ويتحرى مرضاته، ذلك أن الأعمال في الإسلام محصورة موقوفة على النيات، كما أكد رسول الله ﷺ بقوله: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى؛ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه".

ومن هنا تستطيع المرأة المسلمة أن تكون في عبادة دائمة، وهي تقوم بأعمالها كلها، كأنها في معبد متحرك دائم، ما دامت تستحضر في نيتها أنها تقوم بأداء رسالتها في الحياة، كما أراد الله لها أن تكون. إنها لفي عبادة وهي تبر والديها، وتحسن تبعل زوجها، وتعتني بتربية أولادها، وتقوم بأعبائها المنزلية، وتصل أرحامها... إلخ، ما دامت تفعل ذلك كله امتثالاً لأمر الله، وبنية عبادتها إياه.

وإن أجل الأعمال التعبدية التي تقوم بها المرأة المسلمة نصرة دين الله في واقع الحياة، والعمل على تطبيق منهجه في حياة الفرد والأسرة والمجتمع والدولة. وإن المرأة المسلمة الصادقة الواعية هدي دينها لتحس في أعماقها أن عبادتها تبقى ناقصة، إذا هي قصرت في هذا الجانب الحيوي من حياتها وحياة المسلمين جميعاً، إذ به يتحقق الهدف الكبير الذي خلق الله الجن والإنس من أجله، وهو إعلاء كلمة الله في الأرض، الذي به وحده تتحقق عبادة البشر لله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56)، وبه وحده يتحقق معنى "لا إله إلا الله محمد رسول الله" في واقع الحياة. ولقد أدركت المرأة المسلمة الأولى هذا المعنى إدراكاً عميقاً، تغلغل في مسارب نفسها، فإذا هي لا تقل عن الرجال اندفاعاً وتضحية وجرأة في سبيل الله، بل إن بعض النساء من سلف هذه الأمة تفوقن على بعض الرجال في تلك الميادين.


من فضليات النساء:

فهذه أسماء بنت عميس - زوجة جعفر بن أبي طالب - تسارع إلى الإسلام مع زوجها، في أيام الإسلام الأولى، أيام الشدة والكرب والضيق والابتلاء، وتخف إلى الهجرة معه إلى الحبشة على ما كان يكتنف تلك الهجرة من صعوبات ومشاق ومخاطر، محتسبة ذلك كله في سبيل الله ونصرة دينه.

وفي بيعة العقبة التي تمت سراً تحت جنح الليل، وكان لها الأثر الأكبر في نصرة الرسول، لم تغب المرأة المسلمة عنها، إذ كان في وفد الأنصار امرأتان من ذوات الرأي والفضل والمكانة، هما نسيبة بنت كعب المازنية، وأم منيع أسماء بنت عمرو السلمية أم معاذ بن جبل - رضي الله عنهما - التي شهدت غزوة خيبر مع رسول الله، وكان لها فيها البلاء الحسن والمقام المحمود.

ولما غادر رسول الله ﷺ وصاحبه مكة، وتواريا عن الأنظار في الغار الجاثم على قمة جبل ثور، كانت تحمل إليهما الطعام والماء وأخبار القوم المترصدين صبية ناشئة، هي أسماء بنت أبي بكر الصديق - رضي الله عنها -... كانت هذه الفتاة المسلمة الفذة تقطع المساحة الطويلة بين مكة وجبل ثور في جوف الليل، لم يثنها عن مهمتها وحشة الطريق، ووعورة المسلك، وترصد الأعداء؛ لأنها كانت تعلم أن في استنقاذ رسول الله ﷺ وصاحبه، وإنجاح مقصدهما ووصولهما إلى دار الهجرة، نصرة لدين الله، وإعلاءً لكلمته، وإظهاراً للحق وجنده، ومن ثم كانت تقوم بمهمتها الصعبة هذه كل يوم ماشية متخفية، حذرة مترقبة، فتصعد قمة الجبل حتى توافي رسول الله ﷺ وصاحبه بما تحمل من زاد وأخبار، ثم تعود أدراجها إلى مكة تحت رداء الليل الأسود البهيم.

لقد كانت نصرة دين الله، والالتحاق بركب دعوته ديدن المرأة المسلمة في صدر الإسلام، إذ كان الإيمان يعمر قلوب المسلمات غضاً طرياً دفاقاً، فلا يطقن أن يقمن في ديار الكفر بعيداً عن بشاشة الإسلام وسماحته ونورانيته، كن يهاجرن في رفقة أزواجهن إن كان لهن أزواج، وخروجهن للهجرة كخروج الرجال التماساً لطاعة الله ونصرة لدينه. كانت هناك قضية يؤمنَّ بها كما يؤمن الرجال، ويضحين في سبيلها كما يضحي الرجال، وهذا الإيمان بالقضية هو الذي حمل أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط على الهجرة إلى المدينة وحدها في مدة صلح الحديبية، وهي المدة التي كان العهد فيها بين الرسول ﷺ والمشركين أن من جاء منهم مسلماً إلى الرسول ﷺ رده إليهم، وقد أوفى رسول الله له بعهده ورد رجلين إليهم، فلما وصلت أم كلثوم إلى المدينة قالت للرسول ﷺ: إني فررت إليك بديني، فامنعني، ولا تردني لهم، يفتنوني ويعذبوني، ولا صبر لي على العذاب، إنما أنا امرأة، وضعف النساء إلى ما تعرف، وقد رأيتك رددت رجلين، فقال: "إن الله - عز وجل - قد نقض العهد في النساء".

ومن النساء الفضليات السابقات إلى نصرة الإسلام ورسوله أم الفضل بنت الحارث، لبابة، شقيقة ميمونة - أم المؤمنين - لأمها وأبيها، فقد كانت المرأة الثانية في الإسلام، إذ أسلمت بعد خديجة بنت خويلد - رضي الله عنها -... وكانت سنداً وعوناً وأنساً لرسول الله. ومن السابقات إلى الإسلام والمضحيات المستهينات بما أصابهن في سبيله من عذاب وتنكيل وآلام، سمية أم عمار بن ياسر.


صبر فاق صبر الرجال

وفي تاريخ الإسلام كثير غير سمية احتملن فوق ما احتملت من عذاب في سبيل نصرة الإسلام، فما وهنت لهن عزيمة، ولا فلَّ من غرب صبرهن تنكيل، بل تقبلن ما نزل بهن من عذاب صابرات راضيات محتسبات، لا يعطين دنية في دينهن، ولا يتذللن مستعطفات طالبات الرحمة بهن، حتى إن رواة السير رووا أن المستضعفين من الرجال - إلا بلالاً رحمه الله - اضطروا إلى استبقاء أنفسهم من الموت بكلمة ترضي الظلمة الطغاة، ولم يرووا عن امرأة من المسلمات المستضعفات شيئاً من ذلك... بل إن هذا النمط الفذ من النساء المسلمات كن يستعذبن العذاب في سبيل الله وإعزاز دينه، ولا يفتأن يدعون إلى الإسلام، غير آبهات بما يلقين في طريق دعوتهن من أشواك وآلام ومحن.


المشاركة في الغزو

ولم تكتف المرأة المسلمة بهذه المشاركة الصادقة في نصرة الإسلام والتضحية في سبيله، بل إنها تقدمت للغزو مع الرسول ﷺ وصحابته في عديد من المعارك، حينما بدأت المواجهة المسلحة بين معسكر الإيمان ومعسكر الكفر، وقامت بأعمال حميدة مشهودة من إعداد القرب، وملئها بالماء، ونقلها وسقي المجاهدين وتضميد الجرحى، وحمل القتلى إلى خارج أرض المعركة، ولم تتوان في ساعات الشدة عن حمل السلاح، وخوض غمار الحرب إلى جانب رسول الله ﷺ وصحبه.

ولقد وردت أحاديث كثيرة في صحيحي البخاري ومسلم، تجلي الصورة المشرقة للمرأة المسلمة في خير القرون، يوم كان الإسلام يعيش في قلبها غضاً طرياً ناطقاً بحب الله ورسوله، وعزة هذا الدين. ومن هذه الأحاديث ما رواه الإمام مسلم عن أم عطية الأنصارية، قالت: "غزوت مع رسول الله ﷺ سبع غزوات، أخلفهم في رحالهم، فأصنع لهم الطعام، وأداوي الجرحى، وأقوم على المرضى". وعن أنس بن مالك، قال: "كان رسول الله ﷺ يغزو بأم سليم، ونسوة من الأنصار معه إذا غزا، فيسقين الماء، ويداوين الجرحى". ويروي الإمام البخاري عن الربيع بنت معوذ قولها: "كنا مع النبي ﷺ نسقي ونداوي الجرحى، ونرد القتلى إلى المدينة".

ومن فضليات النساء في الإسلام ممن نصرن الله ورسوله في ساعات الشدة والكرب، وبذلن الجهود والتضحيات ما يعجز عنه كثير من الرجال، منهن: أم المؤمنين عائشة وفاطمة الزهراء، وأم سليم بنت ملحان، وأم سليط الأنصارية، وصفية بنت عبد المطلب، ونسيبة بنت كعب المازنية - أم عمارة - وهي أبرز النساء المجاهدات يوم أحد، فقد كانت في أول المعركة تسقي الظمأى، وتداوي الجرحى كما يصنع غيرها من النساء، إذ كانت كفة المسلمين هي الراجحة، ولما وقعت مخالفة الرماة عن أمر الرسول الكريم التي بدلت نصرهم هزيمة، فأضحوا كما قال الله تعالى فيهم: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ (آل عمران: 153)، تقدمت نسيبة، فاستلت سيفها، واحتملت قوسها، وانضمت إلى القلة الصامدة مع رسول الله ﷺ التي كانت بمثابة جدار بشري يحمي الرسول ﷺ من سهام المشركين، وكلما دنا الخطر من رسول الله ﷺ سارعت إلى الذود عنه، حتى إنها لفتت نظر رسول الله ﷺ فقال: "ما التفت يميناً ولا شمالاً إلا وأنا أراها تقاتل دوني".


جهاد أم سليم

وفي هذه الفترة الوضيئة من تاريخ المرأة المسلمة المجاهدة امرأة لا تقل عظمة عن نسيبة بنت كعب، هي أم سليم بنت ملحان، فقد كانت مع أم عمارة، وعائشة وفاطمة وغيرهن يسقين الماء ويداوين الجرحى، ولما تأهب المسلمون للسير مع الرسول ﷺ لفتح مكة، كانت أم سليم حاملاً في شهورها الأخيرة، ولكن حملها لم يمنعها من الرغبة والتصميم على مرافقة زوجها أبي طلحة، لتغنم معه شرف الجهاد في سبيل الله، غير عابئة بوعثاء السفر ولأواء السير، وحزونة الطريق، وصعوبة المركب، وخشونة العيش، وأشفق عليها زوجها من هذا كله، ولم ير بداً من استئذان الرسول الكريم ﷺ فأذن له، وقرت أم سليم عيناً بمرافقة زوجها الحبيب، وشهدت معه نصر الله والفتح في ذلك اليوم الأغر الميمون الذي سقطت فيه معاقل الوثنية إلى غير رجعة، وهوت الأصنام بيد الرسول الكريم ﷺ، ولم تمض إلا أيام معدودات حتى كان يوم حنين الذي زلزل فيه المسلمون زلزالاً شديداً، وانشمروا مدبرين، لا يلوون على شيء، وانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين ينادي: "هلموا إليَّ، أنا محمد بن عبد الله"، ولم يثبت مع رسول الله سوى نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته، وكانت أم سليم من هذا النفر مع زوجها أبي طلحة، وقد رآها رسول الله حازمة وسطها ببرد لها، وإنها لحامل بعبد الله بن طلحة، ومعها جمل أبي طلحة، وقد خشيت أن يغزَّها الجمل، فأدنت رأسه منها، فأدخلت يدها في خزامته مع الخطام، ليثبت ولا يلحق بالجمال الفارة، ويناديها رسول الله: أم سليم، وتجيب: نعم، بأبي أنت وأمي يا رسول الله ﷺ.

وبعد، فهذه صفحات مشرقات من تاريخ المرأة المسلمة، سطرتها أولئك النساء الفضليات بصدق إيمانهن وعميق وعيهن، وواسع إدراكهن لرسالة المرأة المسلمة في الحياة، وواجبها نحو ربها ودينها، وإنها لصفحات معدودات من سجل ضخم ثر حافل بالشمائل الرفيعة، والتضحيات النادرة، والمواقف الرائعة، والعزائم الشماء، والمواهب الفذة، والإيمان العميق، ولا ريب أن المرأة المسلمة الواعية اليوم تجد في مثل هذه الصفحات الغراء من سير أولئك الفضليات من النساء المسلمات نموذجاً يحتذى، ونبراساً يستضاء به، ومثالاً حياً ناطقاً، تحرص على التأسي به في تكوين شخصيتها المسلمة المعاصرة.

 (*) أستاذ الدراسات العليا في كلية الآداب للبنات في الرياض.

 

الرابط المختصر :