العنوان العالم ينتفض ضد الحرب.. صراع المصالح بين أوروبا وأمريكا
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 22-فبراير-2003
مشاهدات 88
نشر في العدد 1539
نشر في الصفحة 20
السبت 22-فبراير-2003
الغرب ينشطر إلى نصفين.. وإرهاصات لتحالف استراتيجي جديد بين أوروبا وروسيا والصين ضد واشنطن
أوروبا المعارضة للحرب تتترس خلف تقرير بليكس والبرادعي
المعهد الملكي البريطاني للدراسات: فاتورة الحرب هذه المرة باهظة.. تصل إلى خمسين مليار دولار لو كانت قصيرة وإن طالت فستبلغ تريليون دولار!
باول: الإطاحة بصدام تمكننا من إعادة تشكيل المنطقة بما يعزز مصالحنا ويساعد على إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي
تقرير أمريكي إسرائيلي: اتفاق بين واشنطن وتل أبيب على تقاسم غنائم الحرب
مركز تفكير ستراتفورد: الحرب يمكن أن تجعل الولايات المتحدة القوة الإقليمية المهيمنة لأول مرة في تاريخ منطقة الخليج
خلاف لم يكن في الحسبان بين حكومة العدالة والمؤسسة العسكرية التركية على وضع القوات التركية تحت قيادة أمريكية.. العدالة تراه عارًا
وزير خارجية بلجيكا: أمريكا لها جدول أعمالها الخاص والمسألة ترتبط بالنفط والإذلال الذي شعرت به لفشلها في القبض على أسامة بن لادن
وزير خارجية ألمانيا: أنا غير مقتنع بالحرب ولا يمكنني مواجهة شعبي بمبررات أنا غير مؤمن بها
العالم ينتفض.. وهو يموج ببحر متلاطم من التحركات العسكرية والمبارزات السياسية والاحتجاجات الشعبية.. ولأول مرة يشهد العالم على المكشوف حربًا دبلوماسية بين القوى يزداد وطيسها مع ازدياد الاستعدادات الدائرة للحرب على العراق.
الموضوع هو الحرب على العراق، لكن أصداء الخوف والمعارضة لتلك الحرب صارت تغطي معظم أنحاء العالم.. واستقرت المسألة عند جبهتين:
جبهة الولايات المتحدة وبريطانيا التي تدق طبول الحرب، وجبهة تقودها فرنسا وألمانيا وروسيا والصين، ومعهم العالم الإسلامي، وهي تعارض تلك الحرب وتطالب بإعطاء فرصة أكبر للمفتشين الدوليين.
وكل له حساباته ومصالحه ومخاوفه، ولا يمثل الحفاظ على النظام العراقي شيئًا في ذلك، وإن كان الشعار المرفوع على الجبهة الأمريكية هو إزالته لخطورته!
ميادين عديدة كانت ساحة للصراع الشديد بين الجبهتين أبرزها ساحتا مجلس الأمن الدولي وحلف شمال الأطلسي.
في مجلس الأمن الذي عقد جلسته المهمة الجمعة 14/2/2003م، للاستماع إلى تقريري كبير المفتشين الدوليين هانس بليكس ورئيس هيئة الطاقة الذرية الدولية د. محمد البرادعي، جرت مواجهة سياسية دبلوماسية على الهواء مباشرة بين الولايات المتحدة وبريطانيا من جانب، وفرنسا والصين وروسيا وألمانيا من جانب آخر، خاصة أن تقريري بليكس والبرادعي لم يقطعا بانتهاك العراق للقرار 1441.
قال بليكس في تقريره:
«منذ وصولنا إلى العراق، قمنا بأكثر من 400 عملية تفتيش لأكثر من 300 موقع، وجميع عمليات التفتيش جرت بدون إخطار مسبق، والسماح بدخولها كان دائمًا يتم بسرعة في أي من الأحوال، لم نلمس أدلة مقنعة على أن الجانب العراقي يعرف مسبقًا أن عمليات التفتيش ستحصل عبر عمليات التفتيش التي أجريناها حتى الآن كسبنا معرفة جيدة بالإمكانات الصناعية والعلمية في العراق فضلًا عن إمكاناته في مجال الصواريخ، وكما في السابق، لا نعرف بعد كل التفاصيل.
عمليات التفتيش تساعد كثيرًا في ردم الهوة في مجال المعلومات «عن الأسلحة العراقية» الناجمة عن غياب المفتشين بين ديسمبر 1998م ونوفمبر 2002م.
تم جمع أكثر من مائتي عينة كيميائية وأكثر من مائة عينة بيولوجية من مواقع مختلفة، ثلاثة أرباع هذه العينات تم فحصها عبر استخدام مختبرنا الخاص ومختبرات بغداد، حتى الآن تتطابق هذه الفحوص مع الإعلانات العراقية.
حتى الآن، لم تعثر انموفيك على أسلحة دمار شامل، وعثرت فقط على عدد قليل من ذخائر كيميائية كان يفترض الإعلان عنها وتدميرها.
هناك نقطة أخرى مهمة جدًا هي أن العراق لم يبلغ عن أسلحة جديدة محظورة وعتاد، في حال كانت موجودة يجب أن تعرض ليتم تدميرها، وفي حال لم تكن موجودة، يجب تقديم الدليل على ذلك، العراق فوت فرصة تقديم الأدلة الضرورية على هذه المسائل، قد يكون ذلك المشكلة الأكثر أهمية التي نواجهها».
فيما يتعلق بالصور الملتقطة عبر الأقمار الاصطناعية التي عرضها وزير الخارجية الأمريكي کولن باول، قال بليكس: «قد يكون الأمر متعلقًا بنشاط روتيني وليس عملية نقل ذخائر محظورة لدى اقتراب عملية تفتيش محتملة.
الفترة الضرورية للتوصل إلى نزع سلاح العراق عبر عمليات التفتيش يمكن أن تكون قصيرة إذا كان هناك تعاون فوري وناشط وغير مشروط من جانب العراق».
وتحدث البرادعي قائلًا:
«لم نجد حتى الآن دليلًا على أنشطة نووية جارية محظورة أو ذات علاقة بالمجال النووي»، لكنه استدرك قائلًا: «رغم ذلك.. هناك عدد من المسائل قيد التحري».
وتحدث البرادعي في تقريره عن أنابيب مصنوعة من الألومنيوم كان العراق قد حاول الحصول عليها قائلًا: «ما زلنا نبحث ما إذا كانت الأنابيب ستستخدم في صنع «معدات» الطرد المركزي لتخصيب اليورانيوم».
وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت شكها في أن تلك الأنابيب كانت ستستخدم في تصنيع معدات للطرد المركزي تستعمل في تخصيب اليورانيوم لإنتاج أسلحة نووية، لكن العراق قال إنها كانت مخصصة لتصنيع صواريخ تقليدية.
وقال البرادعي: إن الوكالة تواصل التحقيق في مزاعم محاولة بغداد الحصول على يورانيوم من دولة إفريقية في فترة لاحقة على أعوام الثمانينيات.
وقال: «تلقت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بعض المعلومات في الآونة الأخيرة تتعلق بهذا الموضوع وستجري متابعتها، وذلك حسبما نأمل بمساعدة الدولة الإفريقية التي تردد أنها ضالعة».
وذكر أن الوكالة ربما لا يمكنها مطلقًا التوصل لاستنتاج نهائي بشأن 32 طنًا من مادة «إتش أم إكس» شديدة الانفجار التي يقول العراق إنها كانت للاستخدام في المحاجر.
وأضاف أن الوثائق بشأن برنامج العراق النووي بعد 1998م التي سلمها مسؤولون عراقيون الأسبوع قبل الماضي لم تتضمن معلومات جديدة يمكن أن تساعد في الرد على أسئلة المفتشين فيما يتعلق بتصميم الأسلحة النووية العراقية.
كما رحب البرادعي بالمرسوم الذي أصدره صدام حسين بفرض حظر على استيراد وإنتاج أسلحة الدمار الشامل في العراق، وهو ما كان البرادعي وبليكس يطالبان به منذ فترة طويلة.
وقال: «كان إنهاء هذه المسألة القانونية المتعلقة منذ فترة طويلة خطوة في الاتجاه الصحيح من جانب العراق لإثبات التزامه بالوفاء بواجباته بمقتضى قرارات مجلس الأمن».
بعد ذلك توالت مواقف الدول داخل مجلس الأمن معارضة للحرب ومطالبة بإعطاء المزيد من الوقت والفرص للمفتشين الدوليين، وهو ما كان على غير رغبة وزيري خارجية الولايات المتحدة وبريطانيا.
تحدث وزير الخارجية الفرنسي دومنيك فيلبان والذي تقود بلاده جبهة الرفض للحرب فقال: «لا يوجد اليوم ما يبرر استخدام القوة»، ودعا إلى عقد اجتماع جديد لمجلس الأمن على المستوى الوزاري في الرابع عشر من الشهر المقبل.
وأضاف الوزير الفرنسي الذي قوبلت كلمته بتصفيق حار: «ما سمعناه للتو من تقريري بليكس والبرادعي يدل على أن عمليات التفتيش تعطي نتائج»، وقال: «ثمة بديل للحرب: نزع سلاح العراق عبر عمليات التفتيش»، وتابع قائلًا: «إن اللجوء المبكر للخيار العسكري ستكون له عواقب وخيمة للبشر والمنطقة وللاستقرار الدولي، ولذلك لا يجب التفكير فيه إلا كحل أخير».
وأضاف دو فيلبان: «يجب أن تعطى الأولوية لنزع السلاح بسلام»، داعيًا إلى إعطاء المفتشين في العراق الوقت اللازم لإنجاح مهمتهم.
ولم ينس الوزير الفرنسي أن يرد بطريقة غير مباشرة على وصف دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الأمريكي، لفرنسا وألمانيا بأنهما ينتميان للعالم القديم أو «أوروبا العجوز»، فأشار إلى فرنسا في قارة عتيقة كقارتي أوروبا التي تتقدم واقفة بمواجهة التاريخ وأمام الرجال.
وقال: «إن هذا البلد العتيق في هذه القارة العتيقة لا يخاف، إنه يريد التحرك بشكل حازم مع جميع أعضاء المجلس الدولي».
روسيا:
وقال وزير الخارجية الروسي إيجور إيفانوف: إن روسيا تؤيد مواصلة عمل المفتشين الدوليين في العراق، «وعلينا أن نواصل تقديم كل المساعدة اللازمة إلى المفتشين»، معتبرًا أن هناك تحركًا في الاتجاه الصحيح.
وأشار إيفانوف إلى التقدم الذي تحقق بالنسبة إلى عدد من النقاط التي كانت لا تزال عالقة في نهاية يناير الماضي، معددًا الدخول إلى المواقع الحساسة والسماح بالرقابة الجوية واستجواب العلماء العراقيين على انفراد.
وأضاف أن «عمليات التفتيش التي يقوم بها يوميًا المفتشون الدوليون تجري دون عقبات وبالتعاون مع العراقيين».
ورأى أنه لم يتم الوصول بعد إلى المستوى الذي يتوجب فيه اللجوء إلى القوة، وقال: «لدينا فرصة فريدة لحل هذه المسألة التي تعتبر من المسائل الأكثر حساسية، بشكل سياسي».
وقال أيضًا إن: «على المفتشين أن يواصلوا عملهم»، وأشار إلى أن أكثرية ساحقة من الدول في العالم وفي مجلس الأمن تتقاسم هذا الموقف.
الموقف الصيني كان على الوتيرة نفسها، إذ أكدت الصين في داخل المجلس على وجوب إعطاء عمليات التفتيش المزيد من الوقت .
وتحدث فاروق الشرع، وزير الخارجية السوري، الذي تشغل بلاده عضوية المجلس، فأشار صراحة إلى أن الحرب على العراق تأتي وفق أجندة متكاملة سيتم تطبيقها على المنطقة، كما تحدث صراحة عن ازدواجية المعايير الدولية في نزع أسلحة الدمار الشامل دون الالتفات إلى الكيان الصهيوني الذي يعلن امتلاكه للسلاح النووي، كما أشار إلى ازدواجية المعايير في فلسطين.
وقال: إن نزع سلاح العراق ممكن من خلال دعم مهمة المفتشين ومنحهم الوقت الكافي لإنجازها.
ودعا إلى تعزيز مهام التفتيش، معتبرًا أن هذه المهام حققت إنجازات مهمة لم تستطع القوة العسكرية تحقيقها.
وقال: «إننا نعتقد أن خيار الحرب سيؤدي إلى انهيار الائتلاف الدولي ضد الإرهاب».
وأضاف: «ندرك أكثر من غيرنا بحكم جوارنا لهذا البلد «العراقي»، وخبرتنا أن هذه الحرب هي الأولى في الشرق الأوسط التي يوجد إجماع عربي على رفضها، كما أن غالبية من شعوب العالم ترفضها أيضًا».
وحذر من أنه «ستكون لهذه الحرب نتائج خطيرة على العراق وشعبه ووحدة أراضيه، وسيطال أثرها المنطقة برمتها، وستؤدي إلى فوضى عارمة لا يستفيد منها إلا أولئك الذين ينشرون الرعب والدمار في كل مكان».
لكن كولين باول، وزير الخارجية الأمريكي، أصر في كلمته على أن العراق، يخادع وأن التقدم من جانبه ليس كافيًا، وطالب الأمم المتحدة بدراسة «العواقب الوخيمة» التي يجب أن يواجهها.
وزيرة الخارجية الإسبانية اقتربت من كلام باول وأكدت أن العراق غير متعاون، وأن هناك قائمة طويلة من عدم امتثاله للقرارات الدولية.
وطالبت بريطانيا، الحليف الأول للولايات المتحدة، بحدوث تغيير كامل وفوري في تصرفات الرئيس العراقي لتجنب الحرب.
وهكذا صارت المناقشات داخل المجلس، واستقر الرأي بين غالبية الأعضاء على إعطاء المزيد من الوقت للمفتشين الدوليين، لكن أصواتًا من خارج كان لها صدى لأنها تشكل مواقف مهمة للجهات الصادرة عنها.
فإيطاليا أعلنت بوضوح: «لن ندعم أمريكا إذا قررت شن عمل منفرد ضد العراق بدون موافقة الأمم المتحدة»، وأظهر استطلاع للرأي بل في اليابان أن 68% من اليابانيين الذين شملهم الاستطلاع يعارضون الحرب.
بينما أعلن رئيس وزراء أستراليا جون هاوارد تأييد بلاده لموقف الولايات المتحدة، وذلك عقب لقائه الرئيس بوش في البيت الأبيض «الثلاثاء 11/2 الجاري».
ويذكر أن أستراليا حليف قوى الولايات المتحدة، وقد برز دورها على الساحة كوكيل للمشروع الأمريكي في جنوب شرق آسيا مع أحداث انفصال تيمور الشرقية عن إندونيسيا، والمعروف أن أستراليا دولة استعمارية قديمة لإندونيسيا والدول المجاورة، وتسعى لإحياء دورها القديم في إطار التطورات الدولية الأخيرة.
كانت الحكومة الأسترالية قد توافقت على نشر قوات كوماندوز وطائرات هليكوبتر وقوات خاصة مدربة على التعامل مع الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، بالإضافة إلى طائرات مقاتلة، وقد تعهد هاوارد بذلك خلال زيارة الولايات المتحدة، ولكنه ربط ذلك بموافقة نهائية من البرلمان.
في ظل هذه «المعمعة»، يتجلى الموقف العربي كأضعف المواقف وأكثرها اهتزازًا وهلامية، إذ اكتفى هذا الموقف بالتصريحات ولم يخرج عن حدودها، وإن كانت كلمة فاروق الشرع، وزير الخارجية السوري، القوية أمام مجلس الأمن قد أبلغت المنظمة الدولية بالإجماع العربي لمعارضة الحرب، إلا أن الموقف ظل باهتًا، وقد جسد ذلك اختلاف مؤتمر وزراء الخارجية العرب الذي عقد بالقاهرة السبت الماضي حول موعد انعقاد القمة العربية الطارئة التي دعا إليها الرئيس المصري، بل إنه وعلى الصعيد ذاته، فقد خلت الشوارع العربية من المظاهرات الاحتجاجية ضد الحرب يومي السبت والجمعة الماضيين «14 و15 فبراير».
بينما قالت شعوب العالم كلمتها ضد الحرب يوم السبت الماضي.. ففي الوقت الذي شهدت فيه أكثر من ستمائة مدينة على مستوى العالم مظاهرات شارك فيها أكثر من سنة ملايين ضد الحرب وبهدف إبلاغ الرئيس الأمريكي رسالة تدعو إلى السلام وتجنب الحرب، خلت معظم العواصم العربية من أي تعبير شعبي، اللهم بعض العواصم التي شهدت مظاهرات ضيقة مثل القاهرة التي تمكن فيها المئات من التظاهر وحاصرهم ألفان من قوات الأمن المركزي!!
الأزمة أبرزت على الساحة الدولية تحالفًا دوليًا جديدًا ضد السياسة الأمريكية، وهو تحالف روسيا وفرنسا الذي تقف في خندقه ألمانيا وبلجيكا، وتقترب منه كثيرًا الصين، وهو التحالف الذي عبر عنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال زيارته الأخيرة لفرنسا، ففي حفل العشاء الذي أقامه له نظيره الفرنسي جاك شيراك أعلن بوتين أن الشراكة الاستراتيجية بين روسيا العراق والاتحاد الأوروبي عامل بناء في الاستقرار والتقدم العالمي.
نعم.. إنه تحالف ضد الحرب، ليس رحمة بالشعب العراقي أو خوفًا على دمائه أو هلاكه، فروسيا تقوم بإبادة الشعب الشيشاني على سمع ومرأى من العالم بكل همجية ووحشية، وفرنسا صاحبة التاريخ الاستعماري العريق أبادت شعوبًا ونكلت بها خلال استعمارها.. ولكنها المصالح.. والأطماع في بلادنا وثرواتنا.
حلف الناتو
لم يكن مجلس الأمن الدولي هو الساحة الوحيدة للصراع السياسي والدبلوماسي بين الفرقاء، وإنما هناك ميادين أخرى كان أبرزها حلف شمال الأطلسي الناتو، الذي تقوده الولايات المتحدة، والذي يضم في عضويته الدول الأوروبية، إضافة إلى تركيا، وقد شهدت أروقة الحلف مؤخرًا خلافًا حادًا عندما تسببت فرنسا وألمانيا وبلجيكا وأعضاء الحلف في تجميد حركات الحلف لإجراء استعدادات عسكرية باسمه بناءً على طلب الولايات المتحدة وخصوصًا لحماية تركيا من أي هجمات انتقامية في حال اندلاع حرب ضد العراق.
فقد أعلن وزير الخارجية البلجيكي لوي ميشال «الأحد 9/2» الجاري أن بلاده ستستخدم حق الفيتو خلال إجماع الحلف لإبطال مطالب الولايات المتحدة، وقال: إن بلاده ستعرقل أي خطط لحلف شمال الأطلسي بتوفير الحماية لتركيا في حالة اندلاع حرب ضد العراق.
وأكد ميشيل أن الولايات المتحدة لها جدول أعمالها الخاص المتعلق بالضغط من أجل شن حرب ضد العراق، واستطرد: «لم يفلح الأمريكيون في القبض على أسامة بن لادن الذي يتزعم تنظيم القاعدة، والآن يتحتم عليهم العثور على خصم يمكنهم التغلب عليه، أعتقد أنها مسألة تتعلق بالقوة أكثر من شيء آخر، كما ترتبط على الأرجح بالنفط والإذلال الذي شعروا به لفشلهم في القبض على ابن لادن».
وقد اعتبر وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد أن رفض فرنسا وألمانيا وبلجيكا منح تركيا وسائل دعم إضافية «عار تنجم عنه مضاعفات»، وقال في مقابلة نشرتها صحيفة «التايمز» البريطانية إن «الحلف سيستمر لكن إذا أعلن الشركاء ما ينوون القيام به ستحكم عليهم شعوبهم والدول الأخرى في الحلف».
وقال رامسفيلد: إن فرنسا وألمانيا وبلجيكا ترتكب خطأ مؤسفًا، بعرقلة المطالب الأمريكية.
وأضاف رامسفيلد، في مؤتمر صحفي، أن «التخطيط سيستمر خارج إطار الحلف إذا اقتضى الأمر»، معربًا عن «ثقته بأن أعضاء الناتو سيجدون سبيلًا للتوصل إلى ذلك في النهاية».
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي «الناتو» قال: إن الأزمة الحالية بين الدول الأعضاء في الحلف بشأن كيفية حماية تركيا في حال نشوب حرب على العراق خطيرة.
كما اعتبر وزير الخارجية الأمريكي كولن باول الرد الفرنسي البلجيكي الألماني بأنه غير مبرر، وأعرب عن أمله في أن يعيد الفرنسيون والألمان والبلجيكيون النظر إلى الأمور بطريقة مختلفة.
الأوروبيون يدركون أن واشنطن تسعى إلى توريط الناتو في الحرب تحت اسم حرية إحدى الدول الأعضاء «تركيا»، لذا فقد أصر الفرنسيون والألمان، وهم الذين يقودون الاتحاد الأوروبي في الواقع، على موقفهم.
ووجهت وزيرة الدفاع الفرنسية ميشال أليو ماري، أمام المؤتمر الدولي الـ39 عن الأمن المنعقد في مدينة ميونيخ في ولاية بافاريا الألمانية الأسبوع الماضي، وجهت انتقادًا حادًا لموقف الولايات المتحدة من حلفائها الأوروبيين، مذكرة واشنطن بأن التحالف لا يعنى تبادل الاتهامات التي لا تستند إلى أساس، وقالت الوزيرة الفرنسية، في كلمة لها أمام المؤتمر، إن «التحالف يعني وضعًا يترتب عليه الحوار واحترام الشركاء وتفادي الاتهامات التي لا تستند إلى أساس والتصريحات الكاذبة»، وأضافت أنه يعني «التشاور للتوصل إلى إجماع وليس القول إن فكرتنا هي بالضرورة صائبة، وإن الذين يتفقون معنا يجب تهميشهم أو إبعادهم».
ومن جهته، أكد وزير الخارجية الألمانية يوشكا فيشر، في المؤتمر ذاته، التزام بلاده بتعهداتها إزاء شركائها في حلف الأطلسي، لكنه دافع عن عدم رغبتها في المضي قدمًا في خطط حماية تركيا قائلًا: إنه لا يزال غير مقتنع بالحاجة إلى شن حرب على العراق، وقال فيشر متحولًا من الحديث بالألمانية إلى الإنجليزية لفترة وجيزة: «أنا غير مقتنع، هذه هي مشكلتي، لا يمكنني أن أواجه الشعب وأقول هذه هي المبررات لأني غير مؤمن بها»، في إشارة إلى عشرات آلاف المتظاهرين الذي تجمعوا في ذاك اليوم في شوارع ميونيخ حاملين لافتات تحمل شعارات مناهضة للحرب تحت الثلوج الكثيفة، وذلك لإعلان احتجاجهم على المؤتمر وعلى التهديد بعمل عسكري ضد العراق.
غير أن وزير الدفاع الأمريكي شدد في المؤتمر ذاته على أن الدبلوماسية والعقوبات الاقتصادية والضربات العسكرية المحدودة طوال 12 عامًا فشلت في تحقيق نزع أسلحة العراق، وأن العالم سيعرف في غضون «أيام أو أسابيع» إن كانت الحاجة تدعو إلى شن حرب.
وفيما يتعلق بتركيا ذاتها، فقد أعلنت أكثر من مرة أنها ليست مع خيار الحرب، ولكن - حسب موقفها - أما وأن الولايات المتحدة عازمة على خوضها وسوف تستخدم القواعد الموجودة على الأراضي التركية، فإنها مطالبة بحماية تركيا من أي هجمات انتقامية، وهذا ما تسعى الولايات المتحدة لتلبيته حتى لا تواصل اعتراضها.
كما أن واشنطن رصدت ستة مليارات من الدولارات كمساعدات لتركيا، وعشرين مليارًا أخرى كضمانات للقروض التي اشتكت أكثر من مرة من مخاوفها من تأثر اقتصادها المنهار من الحرب إذا نشبت.
وفيما يخص الخلافات داخل حلف الناتو بشأن تركيا تحديدًا، فقد أعلن رئيس الوزراء التركي عبد الله جول للصحفيين يوم الثلاثاء 11/2 الجاري «أن تركيا دافعت عن أوروبا بأسرها أثناء الحرب الباردة، وكانت دعرًا لأوروبا، لذلك ليس هناك شك في أن الحلف يجب أن يقوم بواجبه».
وتعاملت تركيا بحذر مع الخلاف داخل الحلف مدركة أنه متعلق بتنافس بين الولايات المتحدة ومعارضيها في أوروبا بشأن شن حرب على العراق أكثر مما هو متعلق بأمن تركيا.
واعتبر جول أن الفيتو الذي وضعته فرنسا وبلجيكا وألمانيا على الطلبات التي تقدمت بها الولايات المتحدة «لا يستهدف تركيا.. وما يحصل هو معركة دبلوماسية متواصلة».
وقال جول: إن القوات التركية قادرة على الدفاع عن البلاد حتى إذا رفض الحلف المساعدة.
وتابع: «القوات المسلحة التركية قوية جدًا بالفعل، ليس هناك حاجة لهم «قوات الحلف»، قواتنا واحدة من أهم القوات في العالم، لكن ليس هناك شك في أن عليهم مسؤولية بسبب حقوقنا في المعاهدة».
بدوره، قال زعيم العدالة والتنمية رجب طيب أردوغان إن تركيا لم تطلب أساسًا حماية الحلف، بل إن ما قامت به كان بمثابة الإجراء التقليدي الذي سبق التطورات المحتملة في المنطقة فيما إذا شنت واشنطن حربها على العراق.
الحرب المحتملة وضعت الدولة التركية في خلاف خارجي وخلاف داخلي مرير، فعلى المستوى الخارجي تشير المصادر الدبلوماسية إلى استمرار الخلاف مع الولايات المتحدة بشأن المطالبات المتواصلة بضمانات واضحة ومكتوبة من واشنطن، فيما يتعلق بمنع قيام دولة كردية شمال العراق، وعدم الاعتراض على تواجد القوات التركية في هذه المنطقة، وتلك النقطة تمثل محورًا استراتيجيًا تركيًا لا يمكن لأي حكومة تركية التنازل عنه.
أما على الصعيد الداخلي، فهناك خلاف بين حكومة حزب العدالة والتنمية وجنرالات الجيش بخصوص وضع القوات التركية تحت قيادة القوات الأمريكية حال نشوب الحرب، إذ يرى حزب العدالة ذي الجذور الإسلامية، أن تكون قيادة الجيش تحت قائد تركي، وقد نقل عن زعيم حزب العدالة والتنمية الطيب أردوغان استبعاده وضع قوات بلاده تحت قيادة الولايات المتحدة في الحرب على العراق، ووصف ذلك بأنه «إهانة قومية»، فيما يردد المسؤولون الأمريكيون أن كافة الأعمال العسكرية داخل العراق وحوله يجب أن تتم تحت قيادة تحالف دولي.
كذلك أكد جول «أن قيادة الجيش التركي في أي تحرك في شمال العراق سوف تكون لقائد تركي، ولا يمكن التفكير مطلقًا بغير ذلك».
وتردد أن جنرالات الجيش التركي الأقوياء الذين ينظرون لأردوغان بتشكك بسبب جذور حزبه الإسلامية يوافقون على المطلب الأمريكي.
ألم يفرض هؤلاء الجنرالات بمؤسستهم العسكرية تحالفًا استراتيجيًا مع الكيان الصهيوني على حكومة نجم الدين أربكان ومازال هذا التحالف قائمًا حتى اليوم؟!!
وبالعودة لحلف الناتو.. فأيًا ما كانت الأوضاع داخله وأيًا ما كانت مناقشاته ومحاولات التوفيق بين أعضائه المختلفين أو المتصارعين، فإنه يسجل في تاريخه أنه شهد للمرة الأولى منذ نشأته خلافًا جذريًا بين أقطابه بسبب الحرب على العراق.. ذلك يجسد صراع المصالح وتباينها بين أعضائه وهو في التحليل الأخير يمثل خطرًا على وحدة الحلف ومستقبله.
والجدير بالذكر أن القرارات داخل الحلف تتخذ بالإجماع وليس بالأغلبية، ومن هنا فإن أصغر دولة من أعضاء الحلف وهي لوكمسبورج تستطيع أن تفسد أي قرار .
ما جرى داخل الحلف برمته أحدث استياءً كبيرًا داخل قمة الإدارة الأمريكية، إذ أعرب الرئيس بوش عن خيبة أمله في مواقف الحلفاء الأوروبيين وروسيا وحمل على فرنسا بصفة خاصة قائلًا: «إن موقفها يتم عن قصر نظر».
ولنترك ساحات المبارزات السياسية في ميادين السياسة، ولنخرج إلى ميدان الواقع لنرى أن مشهد تدفق القوات الأمريكية البريطانية إلى المنطقة ما زال مستمرًا، إذ لم يوقف ما دار في مجلس الأمن وحلف الأطلسي استمرار الحشد، ولم تؤخر المظاهرات التي تموج بها شوارع العالم ضد الحرب وصول هذه القوات إلى المنطقة.. بل لم تغير من لهجة الإدارة الأمريكية بأكملها من حتمية الحرب وضرورتها تحت حجج ودعاوى متباينة بدءًا من الربط بين صدام وتنظيم القاعدة وبالتالي إمكانية حصول تنظيمات إرهابية - وفق الإدارة الأمريكية - على أسلحة الدمار الشامل من بغداد مرورًا بخطورة الترسانة النووية والكيماوية التي تصر واشنطن على امتلاك بغداد لها، وانتهاءً بحتمية إزالة صدام حسين الوحشي الذي انتهك حقوق الإنسان، واستبداله بنظام ديمقراطي أمريكي الهوى والهوية وإن حمل أسماءً عربية عراقية.
ومن التصريحات والبيانات اللافتة للنظر والتي تسترعي الانتباه بشدة في هذا الصدد، ما قاله الرئيس بوش ومسؤولون آخرون، إذ أكد الرئيس في مأدبة إفطار الصلاة السنوية التي تجمع أعضاء الكونجرس وزعماء أجانب ورجال دين قائلًا: «هذا وقت اختبار لبلادنا».
وأضاف: «في هذه الساعة لدينا قوات تتجمع في الشرق الأوسط، هناك أنظمة مستبدة تسعى لامتلاك أسلحة رهيبة، ونحن نواجه تهديدًا إرهابيًا مستمرًا، وهناك شيء واحد مؤكد: نحن لم نسع إلى هذه التحديات ولكننا سوف نواجهها».
وقال: إن ثقة أمريكا لن تهتز.
وأضاف بوش: «وأمريكا تمر بهذه الفترة الحاسمة، هناك أشياء نستطيع الاعتماد عليها، نستطيع أن نثق في معدن الشعب الأمريكي».
وقالت مستشارة الأمن القومي كونداليزا رايس: «الإرهاب والمأساة جعلانا أكثر وعيًا بنقاط ضعفنا وبأخلاقياتنا، نحن نعيش في زمن اختبار وعاقبة ونصلي كي تكون حكمتنا وإرادتنا في مستوى العمل الذي أمامنا».
وقال مدير المخابرات المركزي الأمريكية جورج تينیت: «الرب يعلمنا أن نكون حازمين في وجه الشر مستخدمين كل الأسلحة والدروع التي توفرها كلمة الرب».
والملاحظ في هذه التصريحات أنها تحاول إبراز الولايات المتحدة على أنها ضحية للشر وأنها تقوم برسالة سامية ونبيلة لتخليص العالم من قوى الشر والإرهاب.. ذلك الخطر المفروض على واشنطن والذي توجب عليها قيمها أن تتصدى له!! حسنًا.. من الممكن أن نفهم هذه التصريحات على أنها صدرت لتتسق مع المناسبة التي قيلت فيها.. لكن كولن باول، وزير الخارجية، كان أكثر صراحة في مناسبة أخرى ومكان آخر، فقد اقترب الرجل من لب الحقيقة.. حقيقة الحرب.. إذ قال بوضوح أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ: «إن الإطاحة بصدام حسين يمكن أن تعيد تشكيل الشرق الأوسط بطريقة تعزز مصالح الولايات المتحدة وتساعد على إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي».
واستطرد قائلًا: «أعتقد أن هناك أيضًا إمكانية لأن يعيد النجاح تشكيل المنطقة جذريًا بطريقة إيجابية قوية بما يعزز مصالح الولايات المتحدة، وخاصة إذا ما استطعنا في فترة ما بعد مثل هذا الصراع أن نحقق تقدمًا نم نحو السلام بالشرق الأوسط».
وقال باول: إن مشكلة واشنطن مع العراق لیست فقط حول تعاون العراق مع الأمم المتحدة في التخلي عن أي أسلحة دمار شامل قد يمتلكها.
وأضاف: «إننا لا نستطيع أن نقول إننا لن نفعل شيئًا لأن هذا سيسبب لنا مشكلات أخرى في المنطقة، هذه هي المشكلة، إنها ليست فقط القرار 1441، بل إنها صدام حسين كتهديد للمنطقة».
ألا يتطابق هذا الكلام مع ما يروج في المنطقة وأصبح أمرًا واضحًا من أن الحرب هي حرب مصالح ولا شأن للدكتاتوريات وانتهاك حقوق الإنسان وأسلحة الدمار وغيرها.. وغيرها.. بها؟َ
وقد كان فاروق الشرع واضحًا في كلمته أمام مجلس الأمن عندما أشار إلى ما قاله باول ولكنه - الشرع - أكد أن إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي سيكون لصالح إسرائيل في إطار سياسة الكيل بمكيالين.
وقد كشف تقرير أمريكي - إسرائيلي صدر مؤخرًا، أن هناك اتفاقًا بين الطرفين على تقاسم غنائم الغرب على العراق، ووضع التقرير سيناريوهات للدور الإسرائيلي في المنطقة «الرأي العام الكويتية»، وقد ذكرت مصادر إسرائيلية رفيعة أن اجتماعًا كبيرًا عقد في واشنطن، وتبعه اجتماع آخر في تل أبيب لرسم خريطة المنطقة بعد اختفاء صدام حسين وكيفية التعامل مع أربعة من الأنظمة العربية الأخرى في المنطقة، وأكدت المصادر أنه لا بد من وجود توازن واستقرار يمكن إسرائيل من المتغيرات التي ستجري وتهيئ اندماجها «إسرائيل»، في المنطقة بعد فرض حل على الفلسطينيين.
هل نكون مبالغين إذًا إذا قلنا إن الخطوة التالية بعد العراق هي دفن ملف القضية الفلسطينية بعد تمكين الصهاينة من كامل التراب الفلسطيني؟
وهل نكون مبالغين إذا قلنا إن احتلال العراق ليس الهدف منه أبدًا التخلص من طاغية العراق وإنما التخلص من الشعب والدولة والكيان بعد التهامها في بلعوم الوحش الأمريكي ومد الجسور من بغداد لتل أبيب لتتحقق خطوة جديدة من مخطط إسرائيل من النيل إلى الفرات انتظارًا لخطوات أخرى.
أكثر من ذلك فقد توقع تقرير أمريكي خاص كتبه جورج فريدمان وصدر عن مركز تفكير «ستراتفورد» الأمريكي أن تسفر الحرب الأمريكية المحتملة ضد العراق عن إعادة صياغة جديدة للتركيبة الجيوسياسية في المنطقة وإمكانية أن تصبح الولايات المتحدة لأول مرة في تاريخ منطقة الخليج «قوة إقليمية مهيمنة»، عوضًا عن القوى الرئيسة في المنطقة.
وقال التقرير الذي نشرت «الوطن الكويتية» مقتطفات منه إن الوجود الأمريكي في المنطقة سيكون مختلفًا عن الوجود الذي أفرزته عاصفة الصحراء عام 1991م، فقبل 13 سنة خاضت القوات الأمريكية مع الحلفاء حربًا ضد العراق لتحرير الكويت، وتعزيز «الوضع الجيوسياسي الراهن» بجميع معادلاته، ومن خلال احتواء مزدوج رمزي لكل من إيران والعراق، إلا أن الحرب الحالية لو اندلعت فإنها لن تكرس الوضع الجيوسياسي الراهن وإنما حسب تلك المخاوف المتزايدة ستقلبه رأسًا على عقب.
من أجل ذلك كله قررت واشنطن المضي قدمًا وبخطى سريعة نحو الحرب دون مراعاة للرأي العام ولا المواقف المعارضة، بل أكدت أكثر من مرة وبوضوح: «من ليس معنا فهو ضدنا».
وقد تجاوز عدد القوات الأمريكية في المنطقة مائة وثلاثين ألفًا، ومن المنتظر أن يرتفع العدد إلى ربع المليون، وهناك 3 حاملات طائرات على متن كل منها 80 طائرة، وفي الطريق حاملتان أخريان، كما ان حاملة الطائرات البريطانية «أرك رويال» في الطريق أيضًا وعلى متنها 16 طائرة إقلاع عمودي.
وبين دوي الحشود تتسابق دول العالم في حث رعاياها على مغادرة العراق، فأستراليا حثت سبعين أستراليًا، يعمل خمسون منهم في وكالات الأمم المتحدة، على الرحيل، علمًا بأن سفارتها هناك مغلقة منذ عام 1991م.
وباكستان بادرت باستدعاء غير الضروريين من طاقم السفارة مع أسر الدبلوماسيين، والصين اتخذت الإجراء نفسه.
وهكذا.. يتحرك المشهد بأكمله نحو الحرب.
فاتورة الحرب هذه المرة باهظة ومرهقة قدرها المعهد الملكي البريطاني للدراسات الدولية بخمسين مليار دولار إذا كانت قصيرة، وبأكثر من تريليون مليار دولار إذا طالت، بينما قدرها المستشار الاقتصادي للحكومة الأمريكية لورنس ليندس بين 100 و200 مليار دولار.
وذكر تقرير صدر عن المعهد مؤخرًا وأعده الباحث فنسنت كابل راي أن «تكاليف الاحتفاظ بالحشد العسكري الأمريكي في المنطقة والذي سيبلغ ذروته الشهر المقبل تصل إلى حدود 3 مليارات دولار شهريًا حتى بدون قتال».
وتوقع كابل أن يؤخذ بوجهة نظر الصقور داخل الولايات المتحدة الذين يطالبون بأن تتم تغطية تكاليف الحرب من مخزون النفط العراقي نفسه باستغلاله لمدة تتراوح بين 30 و50 عامًا لتغطية تكاليف حرب تحرير العراق من صدام عبر فرض «ضريبة تحرير» تعلنها أي حكومة عراقية يتم تشكيلها بعد إسقاطه ويوافق عليها البرلمان المنتخب!
لقد أعدوا العدة وفق ترتيبات دقيقة.. حتى جثث الأمريكيين الذين يتوقع قتلهم داخل العراق تردد أن البنتاجون ينظر في أمر حرقها بدلًا من إعادتها للوطن لدفنها وفق التقليد المعمول به، والسبب هو منع انتشار المواد الكيماوية والبيولوجية من الجثث الملوثة في أرض الوطن.
إنه حقًا الحرص على أن تكون أرض الوطن نظيفة، والأمانة في حمايتها من نفايات تلك الحرب القذرة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل