العنوان العالم بعد 15 سنة في عيون المخابرات الأمريكية
الكاتب محمد دلبح
تاريخ النشر الثلاثاء 09-يناير-2001
مشاهدات 66
نشر في العدد 1433
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 09-يناير-2001
خلص تقرير حديث أصدرته وكالة المخابرات المركزية الأمريكية «سي آي إيه» تناول من بين موضوعاته، التأثيرات الاجتماعية للعولمة وثورة التكنولوجيا إلى أن الاقتصاد العالمي وما أسماه الإرهاب الدولي يعدان أمرين مترابطين.
وذكر التقرير أن ثمة أخطارًا ناجمة عن العولمة، إذ إن الأسواق الحرة على مستوى العالم مصدر لعدم الاستقرار بما في ذلك زيادة الإرهاب بدلًا من أن تكون علاجًا للأمراض الاجتماعية.
وقد تناول التقرير الذي جاء بعنوان «الاتجاهات العالمية لعام 2015» تطور الأمور المستقبلية خلال هذه الفترة، وشارك في إعداد التقرير إلى جانب الـ«سي آي إيه» أجهزة مخابرات أمريكية أخرى وأكاديميون في جامعات مثل جورج تاون ومراكز أبحاث مثل راند وكارنيجي. وأشار التقرير – الذي جاء في نحو 190 صفحة – إلى أن أنظمة الحكم في المنطقة العربية وجوارها بدءًا من المغرب وحتى إيران ستضطر للتعامل مع الضغوط الديموجرافية والاقتصادية والاجتماعية من الداخل ومع العولمة من الخارج.
وقال إنه ليس هناك أيديولوجية واحدة أو فلسفة واحدة ستوجه دولة منفردة أو مجموعة من الدول ردًا على هذه التحديات على الرغم من أن الكراهية الشعبية للعولمة كـ«غزو» غربي ستكون واسعة الانتشار. وسيكون الإسلام – بما لا في ذلك جانبه السياسي بأشكاله المختلفة – بديلًا جذابًا لملايين المسلمين في مختلف أنحاء المنطقة.
يرى واضعو التقرير أن الاقتصاد العالمي سيتميز خلال السنوات الخمس عشرة المقبلة بتدفق سريع وغير مقيد للمعلومات والأفكار والقيم الثقافية ورؤوس الأموال والبضائع والخدمات والناس. هذا الاقتصاد المتصف بالعولمة سيكون بحصيلته مساهمًا بالاستقرار السياسي في العالم في عام 2015 على الرغم من أن أبعاده وفوائده و لن تكون عامة على مستوى العالم.
ويرى التقرير أن بعض المناطق والتجمعات التي ستشعر أن العولمة خلفتها وراءها ستواجه حالة من الركود الاقتصادي الكبير وعدم الاستقرار السياسي والغربة الثقافية وسيتقوى التطرف السياسي والعرقي والأيديولوجي والديني إلى جانب العنف الذي يصاحب في الغالب هذا التطرف، كما أن الدول المستاءة من السياسة الأمريكية وناشري الأسلحة وتجار المخدرات ومنظمات الجريمة سيستفيدون من أجواء المعلومات الجديدة وغيرها من جوانب التقدم التكنولوجي لتدبير نشاطاتهم.
ويرى التقرير أيضًا أن الجانب الأكثر مدعاة للخوف من الاتجاهات العالمية لعام 2015 هو تأثير ما أسماه وسائل الإرهاب «المحسنة»، ويقول خبراء الـ«سي آي إيه» إنه من الآن وحتى عام 2015 فإن تلك الأساليب ستصبح أكثر تعقيدًا ومصممة بحيث تحقق إصابات كبيرة، كما أنهم يتوقعون أعدادًا كبيرة من القتلى في الهجمات. ويحذر التقرير من أن البنى التحتية القومية الأمريكية - الاتصالات والنقل والصفقات المالية وشبكة الطاقة - عرضة للتوقف بسبب هجوم مادي أو إليكتروني بسبب طبيعتها المتداخلة والمعتمدة على بعضها البعض كما يحذر التقرير من خطر الهجمات عبر الاتصالات بسبب اعتمادها على شبكة الكمبيوتر. وبمرور الوقت فإن مثل هذه الهجمات ستوجه على الأرجح وبصورة متزايدة عبر شبكة الكمبيوتر بدلًا من توجيهها بالذخيرة التقليدية.
تزايد الجريمة
ويرى التقرير أن الجريمة ستزداد خلال السنوات الخمس عشرة المقبلة وستتسع نشاطات منظمات الجريمة وشبكاتها التي تتخذ مراكز لها في أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية والصين وكولومبيا والكيان الصهيوني واليابان والمكسيك ونيجيريا وروسيا، وستشكل هذه المنظمات تحالفات مع بعضها البعض.
ويدعم التقرير بعض وجهات نظر نقاد العولمة الذين يحذرون من أن التوسع الرأسمالي غير المسيطر عليه يزيد من عدم الاستقرار ويمكن أن يؤدي إلى اضطرابات حادة. وتتناقض وجهات النظر هذه تناقضًا حادًا مع التفاؤل الذي أبداه أولئك الذين هللوا لانتصار الرأسمالية وحرية السوق قبل نحو عقد من الزمن وفي مقدمتهم الكاتب الأمريكي من أصل ياباني فرانسيس فوكوياما الذي اعتبر هذا التطور «نهاية للتاريخ» وأن الثراء العالمي سيجعل الصراع الاجتماعي في حكم المنتهي.
ويتنبأ التقرير أنه في موعد أقصاه عام 2015 سيكون الكيان الصهيوني قد حصل على «سلام بارد» مع الدول العربية المجاورة لها، بعلاقات اجتماعية واقتصادية وثقافية محدودة وستكون هناك دولة فلسطينية، ولكن التوترات الإسرائيلية – الفلسطينية ستستمر وتنفجر بين الحين والآخر في أزمات، والتنافسات القديمة بين الدول الأساسية – مصر وسوريا والعراق وإيران – ستبرز من جديد وسيتجه الانتباه الدولي مجددًا نحو الخليج العربي كمصدر متزايد الأهمية لموارد الطاقة.
وتطرق التقرير إلى الوضع السكاني في العالم بحلول عام 2015م وتأثيره على الولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن 95% من النمو السكاني سيكون في الدول النامية حيث ستتضاعف المدن التي يتعدى سكانها عشرة ملايين نسمة وسيكون عدد السكان في معظم دول المنطقة أكبر وأكثر فقرًا وسيزداد العدد في المدن وفي كل دول المنطقة تقريبًا فإن أكثر من نصف السكان تحت سن العشرين. وهو أمر سيشكل ضغوطًا لجهة كيفية توفير وظائف وسكن وخدمات عامة ومساعدات حكومية للسكان المتنامين بسرعة في المدن.
وفيما يتعلق بالعولمة فإن دول المنطقة ستنظر إلى العولمة كتحدٍ أكثر منه فرصة. وعلى الرغم من أن الإنترنت ستظل مقتصرة على نخبة قليلة إلا أن ثورة المعلومات والتقدم التكنولوجي سيكون لهما تأثير في تآكل القدرة على السيطرة على المعلومات وصياغة الرأي العام، وسيكون من الصعب أيضًا اجتذاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلا في قطاع الطاقة، وسيبتعد المستثمرون بسبب اتساع القطاع الحكومي وتعسف التعليمات والقطاعات المالية المتخلفة وعدم توافر البنى التحتية الكافية وأخطار عدم الاستقرار.
وقال التقرير إن معظم حكومات المنطقة تعترف بالحاجة إلى إعادة بناء الاقتصاد والمشاركة السياسية الأوسع إلا أنها ستتقدم بحذر.
وأشار التقرير إلى أنه قد يصعد بعض الإسلاميين إلى السلطة في دول بدأت تصبح «تعددية» وفقدت فيها النخبة العلمانية جاذبيتها. وستكون الاتجاهات العالمية سلبية بالنسبة لمعظم أنظمة الحكم في المنطقة وأن الكثير منها لن يكون ميالًا لإجراء إصلاحات ضرورية بما في ذلك التعليم الأساسي بهدف تغيير الصورة غير المشجعة. وقد يحتفظ بعض الحكومات بقوات مسلحة كبيرة لاستيعاب الشباب العاطل عن العمل ولكن مثل هذه الجيوش ستكون أقل تدريبًا وتسليحًا.
وقال التقرير إن مقدرة العراق على الحصول على أسلحة دمار شامل ستتأثر بقدرة مجلس الأمن على عرقلة ذلك خلال السنوات الخمس عشرة المقبلة، ويقول بعض السيناريوهات إن العراق يمكن أن يجري تجربة على صاروخ على توجيه رؤوس حربية بيولوجية بحجم الرؤوس الحربية النووية على الولايات المتحدة قبل عام 2015م، وأن المساعدة الخارجية ستؤثر على قدرات العراق الصاروخية وفترة توفرها، وبإمكان العراق أيضًا خلال الفترة المذكورة تطوير سلاح نووي.
مجاعات بسبب السياسة والحروب
وتعتقد أجهزة المخابرات الأمريكية أن السياسة والحروب وأنظمة التوزيع غير العادلة قد تتسبب في إيجاد مجاعات في العالم، مشيرة إلى أن مشكلة المياه ستظل كبيرة، إذ سيعاني ثلاثة مليارات نسمة من نقص المياه في إفريقيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا لأن أكثر من 30 بلدًا لا تزال تحصل على أكثر من ثلث احتياجاتها من المياه من خارج حدودها.
ورغم ما يذكره التقرير من وجود تهديدات في العالم بكامله للولايات المتحدة إلا أن الخبراء الذين أعدوا التقرير يتفقون على أن التفوق العسكري الأمريكي في مجال المعلومات وتكنولوجيا الأسلحة سيظل يمنح الولايات المتحدة القوة العسكرية المهيمنة خلال السنوات الخمس عشرة المقبلة.
وقال التقرير إن العداء ضد المصالح الأمريكية في الخارج سيستمر وإن أعداء الولايات المتحدة لا يريدون مواجهتها وفق الشروط العسكرية الأمريكية، بل سيختارون بدلًا من ذلك استراتيجيات سياسية وعسكرية هدفها ثني الولايات المتحدة عن استخدام القوة وإرهاق إرادتها وتقليل قواها واستغلال ضعفها.
ولم يوضح التقرير جهة محددة كمصدر للخطر الذي قد تواجهه الولايات المتحدة، حيث من المحتمل أن تقيم الصين وروسيا والهند تحالفًا عسكريًا مشتركًا لمواجهة القوة الأمريكية، وسيواكب ذلك انهيار التحالف الأمريكي الأوروبي نتيجة النزعات التجارية والخلافات السياسية حول إدارة شؤون الأمن الدولي.
ويبدو التقرير في بعض جوانبه منسجمًّا مع الاتجاهات الجديدة التي أخذت تظهر من إدارة جورج بوش الابن حول جدوى التدخل الأمريكي في الخارج، حيث تشير التصريحات التي صدرت في شهر ديسمبر الماضي من وزير الخارجية المعين كولين باول ومن مستشارة بوش للأمن القومي كونداليسا رايس إلى أن الإدارة الجديدة تتجه نحو تقليل الوجود الأمريكي في العالم.
وقد صدر التقرير برسالة من مدير الـ«سي آي إيه» جورج تينيت وصفه بأنه «حوار» بين وكالات الاستخبارات والمفكرين في الحياة العامة بدلًا من أن يكون «تقويمًا رسميًا استخباريًا».