العنوان العالم العربي وانفصال جنوب السودان
الكاتب د. عبد الله الأشعل
تاريخ النشر السبت 31-يوليو-2010
مشاهدات 63
نشر في العدد 1913
نشر في الصفحة 66
السبت 31-يوليو-2010
لو أجرينا استفتاء بين الشعوب العربية حول الموقف العربي المحتمل من انفصال جنوب السودان؛ فإنني أظن أن الشعوب سوف تجمع على رفض انفصال الجنوب السوداني لأسباب عديدة لا خلاف عليها، أهمها أن هذه الشعوب لا تريد انفصال أي جزء من الجسد العربي تحت أي مسمى وبأي ذريعة، كما أن هذا الانفصال سوف يشجع على حالات انفصال مماثلة في العالم العربي وأفريقيا.
وسوف تكون آثار «الدومينوو» أسرع مما نتوقع، خاصة وأن تفتيت العالم العربي مخطط أمريكي صهيوني نجح حتى الآن في فلسطين والعراق، ورسمت قسماته في لبنان، ويوشك أن يهدد وحدة اليمن، وغير ذلك كثير مما تم رصده من مؤشرات خطيرة في كل الدول العربية خلال العقد الأخير وبالأخص منذ الغزو الأمريكي للعراق.
وتدرك الشعوب العربية أيضًا أن قسطًا مما آلت إليه حال العالم العربي يعود إلى سياسات الحكومات الوطنية التي أسهمت في نجاح مخطط التفتيت ولا تزال قناعتي تتزايد بأن معاهدة السلام المصرية- «الإسرائيلية» كانت نقطة البداية في تفكيك العالم العربي وتمزيقه ثم تفكيك أوطانه الواحد تلو الآخر حتى رغما عن الحكام.
ويترتب على ذلك، أن انفصال الجنوب الذي تلح الحركة الشعبية لتحرير السودان عليه سيمثل مؤامرة في مواجهة نظام أعلن صراحة أنه سعى بكل الطرق لتفادي ذلك، وأنه حتى عندما قبل في اتفاق «نيفاشا» فكرة الاستفتاء أسلوبًا لتقرير المصير؛ فإنه كان يقصد طمأنة الجنوبيين خاصة النخبة السياسية والعسكرية التي استقوت بالخارج لتحارب الجيش السوداني.
ولكن الاتفاق أشار أيضًا -درءًا للشبهات- إلى أن السنوات الست الأولى لتطبيق الاتفاقية هي اختبار لمدى نجاح الشمال في جعل الوحدة أكثر جاذبية من الانفصال.
ونود أن نسجل في هذا المقام أن تقرير المصير حق للشعوب ضد المستعمر، وأن صراع الخرطوم مع الحركة الشعبية وأنصارها من الإقليم وفي العالم -أصحاب مشروع تفتيت السودان- لم يكن حربا أهلية، وإنما هو صراع للمحافظة على وحدة السودان ضد التمرد المدعوم من الخارج كما نود أن نسجل أن التزام جعل الوحدة جاذبة للجنوب كان صيغة مخادعة لثلاثة أسباب:
الأول: أن هذا الالتزام يقع على عاتق شريكي الحكم، فلا يجوز أن نلوم المؤتمر الوطني دون الجبهة الشعبية التي تتحمل النصيب الأوفى من اللوم.
الثاني: أن الجبهة الشعبية فهمت «نيفاشا» على أنها تسليم بحقها في تأصيل وتكريس الانفصال؛ فأتاح لها الاتفاق مساحة واسعة من الحركة داخل الجنوب ومع الخارج، وأنشأت بعثات دبلوماسية موازية، وتحدثت الحركة بشكل معارض الحكومة الوحدة وضد الدستور الانتقالي، بينما المؤتمر الوطني فهم «نيفاشا» على أنها فرصة للعمل على تدارك أسباب الصراع، وتوثيق أواصر العلاقة على أسس جديدة.
الثالث: أن أصدقاء «الإيجاد» ودولا أخرى ساعدت على تهيئة ظروف الانفصال بدعمها المكشوف للحركة الشعبية.
وقد أظهرت الحركة الشعبية صراحة خلال المعركة الانتخابية الرئاسية أنها مستعدة لمنع الانفصال إذا تنازل «البشير» لـ«ياسر عرمان» مرشح الحركة في الانتخابات، أي سيطرة الحركة على كل السودان وتحريرها من العرب المسلمين أو فصل الجنوب، وعلى الخرطوم أن تختار أحدهما وهما خياران أحلاهما مر.
لقد انهمكت الجبهة الشعبية في مساندة متمردي دارفور، وساندت مسرحية «الجنائية الدولية» ضد «البشير»، ولكن «البشير» يفهم جيدا أنه لو أبدى استعداده للاعتراف بـ«إسرائيل»؛ فسوف يظل رئيسًا مدى الحياة، وتحافظ له واشنطن على السودان موحدًا، وربما سعت إلى ترشيحه لجائزة نوبل للسلام، فيتحول بقدرة قادر عندهم من قاتل مطلوب أمام الجنائية الدولية إلى قديس ينشر السلام والعدل.
وقد فهمت أن حكومة الخرطوم تتمنى ألا تمضي الجبهة الشعبية في خطها لفصل الجنوب، ولكنها تواجه ضغوطًا هائلة من واشنطن وغيرها ومن توظيف المحكمة الجنائية ضد البشير معنى ذلك أن البشير يوافق على إجراء الاستفتاء وفق اتفاق «نيفاشا»، لكنه واثق أن النتائج سوف يتم تزويرها مادام الشمال لا يملك رقابة النتائج.
ونفهم أن الحكومة في الخرطوم مستعدة لإرضاء الجنوب حتى بالتنازل عن حصتها في بترول الجنوب، ولكن الجنوب مدفوع لاعتبارات سياسية دولية نحو الانفصال؛ حتى يمكن للدولة الجديدة أن تعترف بـ«إسرائيل»، وتتابع مع متمردي دارفور فصل الإقليم وتفتيت بقية الأراضي السودانية.
أمام هذا المأزق، ما موقف الدول العربية؟ هل تعترف بالدولة الجديدة امتثالا للرغبة الأمريكية، أم تعزف عن الاعتراف احترامًا لرغبة الحكومة السودانية؟ فإذا اعترفت الحكومة السودانية أملًا في استجلاب الوحدة أو الفيدرالية في وقت لاحق، فلا أظن أن الدول العربية ستكون ملكية أكثر من الملك كما يقولون، خصوصًا وأن مصر مثلا بادرت في وقت مبكر استشرافًا لهذا المصير ومدت جسورًا مع حكومة الجنوب، وأنشأت بعثة قنصلية في «جوبا».
إنني أنبه إلى أن المؤامرة على وحدة السودان لا قبل للسودان وحده بمواجهتها، وإذا تسامحت الدول العربية مع انفصال الجنوب، فإن تفكيك السودان قادم، وتفتيت الدول العربية يكون قيد النظر مادامت السابقة قد تم إرساؤها.
ولذلك فإنني أطالب بوقفة عاقلة في هذه المأساة، وليس واردًا استجداء الحركة الشعبية حتى ترضى بعدم فصل الجنوب، أو بوعود باستثمارات عربية في الجنوب ثمنا لمنع الانفصال، وإنما تكون هذه الوعود في مؤتمر تحضره كل الأطراف، وأن تكون جزءًا من حل شامل يحفظ على السودان وحدته.